أخبار عاجلةالرأي

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : أغوستينو نيتو… الشاعر الذي قاد أنغولا إلى الحرية ” 15 ” 

في تاريخ إفريقيا، قليلون هم القادة الذين جمعوا بين الكلمة والبندقية، وبين الشعر والثورة، كما فعل أغوستينو نيتو, فقد كان طبيبًا وشاعرًا ومفكرًا قبل أن يصبح قائدًا للتحرير الوطني وأول رئيس لجمهورية أنغولا المستقلة, ولهذا لم يكن مجرد زعيم سياسي، بل رمزًا للنضال الإفريقي ضد الاستعمار البرتغالي وأحد أبرز وجوه التحرر الوطني في القارة خلال القرن العشرين.

ولد أغوستينو نيتو عام 1922 في أنغولا الخاضعة للحكم البرتغالي , ومنذ شبابه المبكر أدرك التناقض بين ثراء بلاده الطبيعي وبين واقع التهميش والاستغلال الذي فرضه الاستعمار على شعبها, وخلال سنوات دراسته في البرتغال، انخرط في الحركات المناهضة للاستعمار، وتعرض للاعتقال والملاحقة بسبب نشاطه السياسي ومواقفه الوطنية.

ومع تصاعد حركات التحرر الإفريقية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، أصبح نيتو أحد أبرز قادة الحركة الوطنية الأنغولية , وتولى قيادة الحركة الشعبية لتحرير أنغولا (MPLA)، التي قادت الكفاح ضد الوجود الاستعماري البرتغالي, وقد دفع ثمن مواقفه سنوات من السجن والنفي، لكنه ظل مؤمنًا بأن الحرية ليست مطلبًا سياسيًا فحسب، بل حق إنساني لا يمكن التنازل عنه.

لم تكن معركة أنغولا سهلة , فقد واجهت الحركة الوطنية قوة استعمارية تمسكت بمستعمراتها الإفريقية حتى وقت متأخر مقارنة ببقية القوى الأوروبية, لكن التحولات التي شهدتها البرتغال بعد “ثورة القرنفل” عام 1974 فتحت الطريق أمام استقلال أنغولا، الذي تحقق رسميًا في 11 نوفمبر 1975.

وفي ذلك اليوم التاريخي أعلن أغوستينو نيتو ميلاد جمهورية أنغولا المستقلة، ليصبح أول رئيس لها, وبذلك انتقل من قيادة حركة التحرير إلى قيادة الدولة، في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ بلاده.

غير أن الاستقلال لم ينهِ معاناة أنغولا. فقد وجدت الدولة الجديدة نفسها في قلب صراع إقليمي ودولي معقد، حيث تحولت البلاد إلى إحدى ساحات الحرب الباردة في إفريقيا, ومع ذلك، تمسك نيتو بفكرة السيادة الوطنية ورفض تحويل استقلال بلاده إلى أداة في يد القوى الخارجية.

وكان نيتو مؤمنًا بعمق بوحدة المصير الإفريقي, فقد دعم حركات التحرر في جنوب القارة، واعتبر أن استقلال أنغولا جزء من معركة أوسع ضد الاستعمار والعنصرية, كما ارتبط بعلاقات وثيقة مع عدد من قادة التحرر الإفريقي، وفي مقدمتهم جمال عبد الناصر، وكوامي نكروما، وجوليوس نيريري، وكينيث كاوندا، وسام نجوما.

وإلى جانب دوره السياسي، احتفظ نيتو بمكانته كشاعر ومثقف, فقد كانت قصائده تعبر عن آلام شعبه وآماله في الحرية والكرامة، حتى أصبح الأدب لديه جزءًا من معركة التحرير, ولم يكن يرى تناقضًا بين الثقافة والنضال، بل كان يعتبر أن تحرير العقل والهوية لا يقل أهمية عن تحرير الأرض.

ورغم أن سنوات حكمه كانت قصيرة نسبيًا، إذ توفي عام 1979، فإن تأثيره تجاوز حدود الزمن ,فقد ترك وراءه دولة مستقلة وهوية وطنية متماسكة وإرثًا سياسيًا وثقافيًا ما زال حاضرًا في وجدان الأنغوليين.

واليوم يُنظر إلى أغوستينو نيتو باعتباره الأب المؤسس لأنغولا الحديثة، والرجل الذي قاد شعبه من زمن الاستعمار إلى زمن السيادة الوطنية , كما يمثل نموذجًا فريدًا للقائد الذي جمع بين الفكر والعمل، وبين الثقافة والتحرير، وبين الوطنية والانتماء الإفريقي الأوسع.

لقد آمن نيتو بأن الحرية ليست نهاية الطريق بل بدايته، وأن بناء الدولة لا يقل أهمية عن تحقيق الاستقلال, ولهذا بقي اسمه محفورًا في ذاكرة إفريقيا باعتباره أحد كبار رواد التحرر الوطني، وأحد الرجال الذين ساهموا في استكمال مسيرة استقلال القارة الإفريقية في القرن العشرين .

Agostinho Neto السفير دكتور محمد حجازي يكتب : أغوستينو نيتو… الشاعر الذي قاد أنغولا إلى الحرية " 15 "  Antonio Agostinho Neto السفير دكتور محمد حجازي يكتب : أغوستينو نيتو… الشاعر الذي قاد أنغولا إلى الحرية " 15 " 

إقرأ المزيد :

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : سام نجوما.. الأب المؤسس لناميبيا وحارس شعلة التحرير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى