أخبار عاجلةالرأي

الكاتب والمحلل السياسي الليبي إدريس احميد يكتب : يوم أفريقيا.. من ذاكرة التحرر إلى معركة استعادة المكانة في النظام الدولي

أفريقيا ليست مجرد قارة في الجغرافيا، بل هي كتلة حضارية واستراتيجية كبرى، تختزن في باطنها ثروات هائلة، وفي تاريخها ذاكرة ممتدة من النضال والتحرر، وفي حاضرها أسئلة كبرى حول الدولة والتنمية والسيادة والمستقبلو إنها القارة التي طالما وُصفت بأنها “الفردوس المفقود”، لا لضعف مواردها، بل لأنها كانت ولا تزال في قلب التنافس الدولي ومشاريع النفوذ العالمي.
لقد تعرضت أفريقيا عبر تاريخها الحديث إلى واحدة من أوسع عمليات الاستعمار المنظم، حين تقاسمتها القوى الأوروبية: الفرنسية والبريطانية والإسبانية والبرتغالية والهولندية والبلجيكية، في إطار مشروع استعماري لم يكن عسكريًا فقط، بل منظومة متكاملة لإعادة تشكيل القارة عبر نهب الثروات، وتفكيك البنى الاجتماعية، ورسم حدود سياسية غير متجانسة، وإنتاج اقتصادات تابعة للمركز الاستعماري.
كما شكّلت تجارة الرق واحدة من أكثر الجرائم التاريخية قسوة، حيث تم اقتلاع ملايين الأفارقة قسرًا إلى أوروبا والأمريكيتين، للمساهمة في بناء اقتصاداتها الحديثة، في مقابل حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما تركه ذلك من آثار اجتماعية واقتصادية ممتدة حتى اليوم.
ورغم هذا الإرث الثقيل، لم تكن أفريقيا قارة خاضعة، بل كانت قارة مقاومة بامتياز، قدّمت عبر مختلف أقاليمها نماذج متعددة من الكفاح الوطني ضد الاستعمار.
ففي غرب أفريقيا، قادت كوامي نكروما مشروع التحرر في غانا، ليصبح أول من يفتح مسار الاستقلال السياسي في إفريقيا جنوب الصحراء. وفي الكونغو برز باتريس لومومبا رمزًا لمقاومة التدخلات الخارجية ومحاولة فرض الوصاية على القرار الوطني.
وفي بوركينا فاسو، قدّم توماس سانكارا نموذجًا مختلفًا للتحرر، قائمًا على العدالة الاجتماعية ومحاربة التبعية الاقتصادية وإعادة توجيه الدولة نحو التنمية الذاتية. وفي جنوب القارة، شكّل نيلسون مانديلا أيقونة عالمية للنضال ضد نظام الفصل العنصري، حيث تحولت تجربة جنوب أفريقيا إلى واحدة من أبرز نماذج الانتقال السياسي بعد عقود من الصراع.
وفي شمال القارة، خاضت الجزائر حرب تحرير من أعقد حروب التحرر في القرن العشرين ضد الاستعمار الفرنسي، قدّمت خلالها تضحيات جسيمة تجاوزت المليون شهيد، لتصبح نموذجًا عالميًا في الكفاح المسلح من أجل الاستقلال واستعادة السيادة الوطنية.

كما شكّلت مصر والسودان والمغرب وتونس تجارب متنوعة في مواجهة الاستعمار الفرنسي والبريطاني والإسباني، كلٌ وفق ظروفه التاريخية ومساراته السياسية، لكنها التقت جميعها في هدف واحد: استعادة الدولة الوطنية المستقلة.
وفي ليبيا، جسّد عمر المختار واحدة من أبرز صور المقاومة المسلحة ضد الاستعمار الإيطالي، الذي اتخذ طابعًا استيطانيًا قاسيًا منذ 1911، في محاولة لإعادة تشكيل المجتمع الليبي ديمغرافيًا وسياسيًا، غير أن المقاومة الليبية الممتدة عبر الجبل والصحراء والمدن جعلت من ليبيا جزءًا أصيلًا من ملحمة التحرر الأفريقي.
وفي شرق أفريقيا، خاضت دول مثل كينيا وتنزانيا وإثيوبيا معارك طويلة ضد الاستعمار البريطاني والإيطالي، كما واجهت شعوب ناميبيا وأنغولا وموزمبيق استعمارًا برتغاليًا امتد لعقود، انتهى بسلسلة من حروب التحرير المعقدة. وفي وسط وغرب القارة، شكّلت حركات التحرر في أنغولا وموزمبيق والسنغال والكاميرون تجارب متعددة في مقاومة الاستعمار وتأسيس الدولة الوطنية.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن التجربة الأفريقية ليست تجربة واحدة، بل تجارب تحرر متعددة المسارات، توحدها فكرة مركزية واحدة: استعادة السيادة الوطنية وإنهاء الهيمنة الاستعمارية.
لكن الاستعمار، رغم خروجه العسكري، لم يغادر القارة بالكامل، بل أعاد إنتاج نفسه عبر أنماط جديدة من النفوذ غير المباشر، من خلال التبعية الاقتصادية، وضعف المؤسسات، والنخب المرتبطة بالخارج، وهشاشة الدولة الوطنية، وهو ما أنتج حالة من “الاستقلال السياسي غير المكتمل” في العديد من الدول الأفريقية.
وفي مواجهة هذا الإرث، تأسست منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963، ثم تطور المسار إلى الاتحاد الأفريقي في إطار محاولة بناء منظومة مؤسسية قادرة على مواجهة تحديات القارة.
غير أن الإشكال الجوهري ظل قائمًا: لماذا لم تتحول أفريقيا إلى قوة دولية تتناسب مع ثقلها الديمغرافي ومواردها الاستراتيجية؟
ترتبط الإجابة بجملة من الاختلالات البنيوية: ضعف الدولة الوطنية، هشاشة الحوكمة، انتشار الفساد، النزاعات المسلحة، الانقلابات، وغياب التكامل الاقتصادي القاري، إضافة إلى استمرار ارتباط الاقتصادات الأفريقية بالأسواق الخارجية.
وفي السياق المعاصر، عادت أفريقيا إلى قلب التنافس الجيوسياسي الدولي، حيث تتسابق القوى الكبرى على مواردها وممراتها الاستراتيجية وأسواقها الواعدة. وهو ما يعيد إنتاج أشكال جديدة من النفوذ، وإن كانت أكثر تعقيدًا من الاستعمار التقليدي.
وفي المقابل، تواجه القارة تحديات أمنية متداخلة، في مقدمتها تصاعد الإرهاب والتطرف العنيف في منطقة الساحل والصحراء، حيث أدى ضعف الدولة وغياب التنمية واتساع الفقر إلى خلق بيئة خصبة للجماعات المسلحة، ما جعل هذه المنطقة واحدة من أكثر بؤر عدم الاستقرار عالميًا.
كما شهدت عدة دول في غرب ووسط أفريقيا موجات من الانقلابات العسكرية، والتي تعكس من جهة أزمة شرعية سياسية في بعض الأنظمة، ومن جهة أخرى تحولات في المزاج الشعبي والسياسي الرافض لأنماط معينة من النفوذ الخارجي، بما في ذلك النفوذ الفرنسي الذي تراجع حضوره في عدد من الدول خلال السنوات الأخيرة، في سياق إعادة تعريف العلاقة بين أفريقيا والقوى التقليدية.
إلى جانب ذلك، تبقى الهجرة غير النظامية نحو أوروبا أحد أبرز التحديات البنيوية، إذ تمثل نزيفًا بشريًا واقتصاديًا يفقد القارة طاقاتها الشابة، ويعكس في الوقت نفسه اختلالات عميقة في التنمية وفرص العمل وتوزيع الثروة، ما يجعلها مؤشرًا مباشرًا على أزمة التنمية أكثر من كونها مجرد ظاهرة اجتماعية.
إن هذه التحديات—الإرهاب، الانقلابات، الهجرة، وضعف التنمية—ليست منفصلة، بل مترابطة ضمن منظومة واحدة تعكس حاجة أفريقيا إلى مشروع نهضوي شامل يعيد بناء الدولة ويحقق التنمية ويستعيد القرار السيادي.
وفي يوم أفريقيا، لا يكفي استحضار ذاكرة النضال، بل يجب طرح سؤال المستقبل:
هل تستطيع أفريقيا أن تنتقل من قارة قاومت الاستعمار إلى قارة تصنع موقعها في النظام الدولي وتتحكم في مواردها وتفرض أولوياتها؟
ذلك هو التحدي الحقيقي… وتلك هي معركة أفريقيا القادمة.

 

إقرأ المزيد :

الجمعية الأفريقية:  ٥ شارع أحمد حشمت – الزمالك .. عندما كانت القاهرة مقرًّا لحركات التحرر الأفريقية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى