السفير دكتور محمد حجازي يكتب : ثروت عكاشة… وزير الثقافة الذي جعل من القوة الناعمة المصرية ركيزة لدعم إفريقيا

في مسيرة مصر نحو ترسيخ مكانتها كقلب للعالمين العربي والإفريقي، لم يكن الدور السياسي وحده هو الذي صنع هذا الحضور، بل لعبت الثقافة دورًا لا يقل أهمية في بناء جسور التواصل مع الشعوب الإفريقية. ويأتي اسم الدكتور ثروت عكاشة في مقدمة الشخصيات التي أدركت مبكرًا أن الثقافة قوة استراتيجية، وأنها قادرة على دعم حركات التحرر، وتعزيز الهوية الوطنية، وبناء شراكات مستدامة مع دول القارة.
ولد ثروت عكاشة في القاهرة عام 1921، وتخرج في الكلية الحربية، وشارك في تنظيم الضباط الأحرار، وكان أحد الذين أسهموا في نجاح ثورة 23 يوليو 1952. جمع بين التكوين العسكري والثقافة الموسوعية، فأتقن عدة لغات، ودرس تاريخ الفن والفلسفة، ليصبح واحدًا من أبرز المفكرين ووزراء الثقافة في تاريخ مصر الحديث.
عُين وزيرًا للثقافة والإرشاد القومي عام 1958، ثم عاد إلى المنصب في نهاية الستينيات، وقاد مشروعًا ثقافيًا غير مسبوق جعل من الثقافة المصرية أحد أهم أدوات القوة الناعمة في العالم العربي وإفريقيا , وفي عهده تأسست مؤسسات لا تزال تمثل العمود الفقري للحياة الثقافية المصرية، من بينها أكاديمية الفنون، والهيئة العامة لقصور الثقافة، ودار الكتب والوثائق القومية بصورتها الحديثة، وتوسع نشاط الهيئة المصرية العامة للكتاب، إلى جانب تطوير دار الأوبرا ومؤسسات الفنون والمسرح والسينما، بما جعل القاهرة عاصمة ثقافية للعالم النامي.
وكان ثروت عكاشة مؤمنًا بأن معركة التحرر لا تُحسم بالسلاح وحده، وإنما تحتاج إلى بناء الإنسان. ومن هذا المنطلق، أولى اهتمامًا خاصًا بالعلاقات الثقافية مع الدول الإفريقية التي كانت تستعيد استقلالها، وشجع استقبال الفنانين والكتاب والباحثين الأفارقة، وأطلق برامج للتبادل الثقافي والمنح الدراسية، وأسهم في تعريف القارة بالتراث المصري، وفي الوقت نفسه فتح المجال أمام التعرف على الثقافات الإفريقية داخل مصر.
وخلال مرحلة المد الإفريقي في السياسة المصرية، أصبحت القاهرة مركزًا للمهرجانات والمعارض والمؤتمرات التي جمعت المبدعين من أنحاء القارة، وأسهمت المؤسسات الثقافية المصرية في تقديم نموذج للتعاون الثقافي باعتباره أحد أركان التضامن الإفريقي.
كما كان لعكاشة دور بارز في دعم منظمة التضامن الأفروآسيوي، التي اتخذت من القاهرة مقرًا لها، وأسهمت في ربط النخب الفكرية والثقافية في إفريقيا وآسيا، لتصبح الثقافة شريكًا للدبلوماسية في مساندة قضايا التحرر الوطني ومناهضة الاستعمار.
ومن أبرز إنجازاته العالمية قيادته لحملة إنقاذ آثار النوبة بعد بناء السد العالي، بالتعاون مع اليونسكو، وهو المشروع الذي تحول إلى نموذج عالمي للتعاون الثقافي الدولي. ولم يكن إنقاذ معابد أبو سمبل وغيرها مجرد مشروع أثري، بل رسالة أكدت أن مصر قادرة على قيادة مبادرات ثقافية ذات أثر عالمي، وهو ما عزز مكانتها في إفريقيا والعالم.
كما أطلق مشروع الألف كتاب للترجمة، واهتم بإتاحة المعرفة العالمية للقارئ العربي، إيمانًا بأن النهضة الثقافية هي الأساس الحقيقي للاستقلال والتنمية. وترك موسوعته الشهيرة «العين تسمع والأذن ترى»، إضافة إلى مؤلفات رائدة في تاريخ الفن والحضارة، أصبحت مراجع أساسية في المكتبة العربية.
ولم يكن ثروت عكاشة مجرد وزير ناجح، بل كان صاحب رؤية حضارية متكاملة، ربطت بين الثقافة والتنمية والدبلوماسية، وجعلت من القوة الناعمة المصرية رافدًا أساسيًا للسياسة الخارجية، خاصة في إفريقيا، حيث كانت القاهرة تقدم نموذجًا يجمع بين دعم التحرر الوطني وبناء الإنسان.
وعندما ننظر اليوم إلى متاحف مصر، وأكاديمياتها الفنية، ومؤسساتها الثقافية، ومكانتها التاريخية في محيطها الإفريقي، نجد بصمات ثروت عكاشة حاضرة في معظمها. فقد آمن بأن الثقافة ليست نشاطًا هامشيًا، بل هي استثمار في مستقبل الوطن، وجسر دائم للتواصل مع الشعوب.
رحل الدكتور ثروت عكاشة عام 2012، لكنه ترك إرثًا حضاريًا ما زال يشكل أحد أهم أعمدة القوة الناعمة المصرية، ويجسد الدور الذي لعبته القاهرة في دعم نهضة إفريقيا ثقافيًا وفكريًا، بالتوازي مع دورها السياسي في مساندة حركات التحرر.
لقد كان ثروت عكاشة أحد البنائين الكبار للمشروع الثقافي المصري، وأحد الرجال الذين جعلوا من القاهرة عاصمة للنضال الإفريقي، ليس فقط عبر السياسة والدبلوماسية، وإنما أيضًا عبر الثقافة والمعرفة والفنون، التي كانت ولا تزال لغة الشعوب الأكثر بقاءً وتأثيرً.


طالع أبضا :
السفير دكتور محمد حجازي يكتب : لقاء العلمين .. من التنسيق السياسي إلى بناء معادلة إقليمية جديدة



