أخبار عاجلةالرأي

رامي زهدي يكتب : إذا كان المتكلم مجنونا فالمستمع عاقل .. «الخيال الإثيوبي في الحديث حول مصر»

ربما لا يحتاج التصعيد الإثيوبي الأخير حول نهر النيل الى كثير من الغضب بقدر ما يحتاج إلى كثير من العقل والمنطق والوثائق، فحين تتحول معارضة دولة لمشروع مائي على نهر دولي إلى مطالبة بتعويضات، وحين تتحول الخلافات السياسية والقانونية حول سد النهضة الى قائمة من اكثر من 22 مشروعا تقول اديس ابابا ان مصر عرقلتها، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح قبل الحديث عن التعويضات هو: أين هي المسؤولية القانونية المثبته علي مصر عن هذه الخسائر؟

الأمر لم يعد مجرد تصريح عابر من مسؤول سابق، ففي 1 اكتوبر 2026 أعلنت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية أن وزير المياه والطاقة هابتامو ايتيفا كشف عن تشكيل لجنة وطنية لتقييم الخسائر الاقتصادية وفرص التنمية التي تقول إثيوبيا أنها فقدتها نتيجة ما تصفه بعرقلة مصر لمشروعات مائية، وقال ” إن اللجنة حددت حتى الآن أكثر من 22 مشروعا، من بينها سد النهضة نفسه، وأنها تجمع الأدلة وتدرس الأساس الذي يمكن أن تستند إليه مطالبات التعويض “، كما تحدث الوزير عن خبراء ووزراء سابقين ومستشارين وقانونيين يشاركون في التقييم.

هنا تحديدا يجب أن نتوقف.

المطالبة بالتعويض ليست خطابا سياسيا يطلقه مسؤول، وليست عملية حسابية تقوم بها لجنة وطنية من طرف واحد ثم تصبح النتيجة التزاما على دولة أخرى، التعويض في العلاقات الدولية يحتاج إلى أساس قانوني واضح، وفعل دولي غير مشروع مثبت، وضرر قابل للإسناد، وعلاقة سببية بين الفعل والضرر، ثم جهة أو آلية مختصة تملك أساسا قانونيا للنظر في المطالبة.

أما أن تعلن دولة أنها شكلت لجنة لحساب خسائرها، ثم تقول إن الدولة الأخرى مطالبة بتعويضها، فهذه ليست نتيجة قانونية، وإنما موقف سياسي ساذج يحتاج هو نفسه إلى اثبات.

والسؤال الإثيوبي الذي يجب أن يواجه بالوثائق هو: ما هي المشروعات الـ22 تحديدا؟ متى أقترحت؟ ما طبيعتها؟ ما مصادر تمويلها؟ ما الجدول الزمني لتنفيذها؟ ما القرار المصري الذي منع كل مشروع منها؟ وهل كان الرفض المصري هو السبب المباشر والوحيد في عدم تنفيذها؟ وهل توجد قرارات دولية أو اتفاقيات أو أحكام قضائية تثبت أن مصر أرتكبت فعلا غير مشروع تسبب في تلك الخسائر؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلا.

بل هي جوهر القضية.

فإذا كانت أديس أبابا تقصد أن مصر عارضت مشروعات مائية إثيوبية، فهذا صحيح من حيث وجود خلاف سياسي ومائي ممتد حول كيفية استخدام مياه النيل، وخاصة مشروعات اقامة السدود على النيل الأزرق، لكن المعارضة السياسية او الدبلوماسية لمشروع لا تعني تلقائيا ارتكاب فعل دولي غير مشروع يوجب التعويض.

وهنا تظهر المفارقة الأكبر في ادراج سد النهضة نفسه ضمن المشروعات التي تزعم إثيوبيا أنها عانت بسبب معارضة مصر لها.

مصر لم تقل إن إثيوبيا لا يحق لها التنمية، ولم يكن جوهر الموقف المصري المعلن هو رفض التنمية الإثيوبية باعتبارها كذلك، الخلاف تمحور حول التأثيرات العابرة للحدود، وقواعد ملء وتشغيل السد، وفترات الجفاف الممتد، والتنسيق وتبادل البيانات، وضرورة وجود قواعد ملزمة تضمن عدم الإضرار الجسيم بدولتي المصب.

وهذه ليست قضية مصرية إثيوبية داخلية، وإنما قضية مرتبطة بنهر دولي تشترك فيه عدة دول.

ومن غير المنطقي قانونا أن تتحول كل معارضة سياسية أو تفاوضية لمشروع على مورد مائي مشترك إلى فاتورة تعويضات، وإلا فإن قواعد التفاوض الدولي نفسها ستصبح سببا للتعويض كلما اختلفت دولتان حول مشروع عابر للحدود.

والأغرب أن الخطاب الإثيوبي الخيالي نفسه يقدم في الوقت ذاته سدا باعتباره مشروعا تنمويا سياديا من ناحية، وباعتباره بنية تحتية يمكن أن تحقق فوائد لدولتي المصب من ناحية أخرى، وزير المياه الاثيوبي تحدث في التصريح الأخير عن قدرة سد النهضة على تنظيم التدفقات والحد من مخاطر الفيضانات والمحافظة على المياه في فترات انخفاض الأمطار، وقال ” إن تشغيله يمكن أن يوفر فوائد للسودان ومصر.

وهنا أيضا يطرح السؤال نفسه: إذا كان سد النهضة يقدم، وفقا للرواية الإثيوبية، فوائد لدولتي المصب، فكيف يتم احتساب خسائر التنمية الإثيوبية منه في مواجهة مصر، بينما لا تدخل في الحساب نفسه المنافع التي تقول إثيوبيا إن السد يمكن أن يقدمها لدولتي المصب؟

الحساب يجب أن يكون شاملا، لا انتقائيا.

والقضية لا تتوقف عند سد النهضة.

في أغسطس الماضي خرج وزير المياه الإثيوبي السابق شيفيراو جارسو بدعوة صريحة إلى مطالبة مصر بتعويضات عن استخدام مياه النيل، مستندا إلى فكرة ان اثيوبيا تسهم بحوالي 86% من تدفقات النهر.

لكن حتى هذه الحجة تحتاج إلى تفكيك علمي قبل استخدامها سياسيا، فالنهر الدولي ليس شركة مساهمة، وحجم مساهمة دولة في تدفقات المياه لا يمنحها تلقائيا حق إصدار فاتورة مالية للدول الواقعة أسفل المجرى، كما أن قيمة المياه في القانون الدولي لا تحسب بمنطق من ينتج المياه أكثر، وبالتالي من يدفع لمن يستخدمها.

لو اعتمدنا هذا المنطق، لأصبح لكل دولة من دول الأنهار الدولية الحق في مطالبة الدول الواقعة أسفل المجرى بمقابل مالي لمجرد مرور المياه القادمة من أراضيها.

وهذا ليس هو منطق إدارة الأحواض المائية الدولية.

المنطق الحقيقي هو الانتفاع المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والتعاون وتبادل البيانات، والتشاور، وتنظيم المشروعات التي يمكن أن يكون لها تأثير عابر للحدود، وفقا للقواعد والاتفاقيات ذات الصلة.

وإذا كانت إثيوبيا تريد فتح ملف التعويضات، فلتفتحه كاملا، وليس من زاوية واحدة.

لتقدم قائمة المشروعات الـ22 كاملة للرأي العام الدولي.

لتقدم الدراسات والقرارات والوثائق التي تثبت أن مصر منعت تنفيذها.

ولتحدد القيمة المالية لكل مشروع.

ولتثبت العلاقة السببية بين الموقف المصري وبين الخسارة.

ولتحدد الأساس القانوني الذي يمنحها حق مطالبة مصر بالتعويض.

ولتوضح الجهة التي تعتزم عرض المطالبة عليها.

عندها فقط يمكن الانتقال من الخطاب السياسي إلى النقاش القانوني.

أما أن تقوم دولة بتشكيل لجنة وطنية لتحديد خسائرها بنفسها، ثم تعتبر نتائج اللجنة أساسا لمطالبة دولة أخرى بالتعويض، فهذا يشبه أن يتحول أحد طرفي النزاع إلى القاضي والمحاسب وصاحب الحكم في القضية نفسها.

ومصر أيضا ليست دولة حصلت على مياه النيل مجانا من إثيوبيا.

مصر دولة مصب تعتمد بصورة جوهرية على النيل، ولها حقوق ومصالح مائية وحياة اقتصادية واجتماعية كاملة ارتبطت تاريخيا بالنهر، كما أن الحديث عن النيل لا يمكن اختزاله في الدولة التي تأتي منها النسبة الأكبر من المياه، لأن الحوض نظام مائي وجغرافي واقتصادي وسياسي متكامل.

ثم ان إثيوبيا نفسها، عندما تتحدث عن “الاستخدام المنصف” لمياه النيل، تكون قد دخلت عمليا الى الاطار نفسه الذي يقول إن الحوض ملكية مشتركة للمصالح والحقوق وليس سوقا لبيع المياه بين دول المنبع والمصب.

التنمية حق اثيوبي، نعم.

لكن التنمية الإثيوبية لا تعني إلغاء حقوق مصر والسودان.

والأمن المائي المصري حق مشروع، كما أن التنمية الاثيوبية حق مشروع.

المطلوب هو إدارة التعارض بين الحقوق، لا اختراع فاتورة جديدة للصراع.

ومن اللافت إيضا أن التصريح الاثيوبي الجديد يتحدث عن “اكثر من 22 مشروعا” لكنه لم يعرض، في المادة الرسمية المنشورة، قائمة تفصيلية بهذه المشروعات ولا يقدم حتى الآن قيمة مالية نهائية للخسائر التي تقول اللجنة أنها ستقيمها، وهذا يعني أننا أمام بداية مسار سياسي وقانوني معلن، وليس أمام مطالبة مالية مكتملة الأركان.

ولذلك فإن الرد المصري الهادئ والقوي يجب ألا يدخل في لعبة التصريحات المتبادلة.

على مصر أن تقول ببساطة: قدموا الوثائق.

إذا كانت هناك دعوى قانونية، فلتعرض.

إذا كانت هناك مشروعات منعت مصر تنفيذها بصورة غير مشروعة، فلتحدد.

إذا كانت هناك خسائر، فلتثبت.

وإذا كان هناك أساس قانوني للتعويض، فليطرح أمام الجهة الدولية المختصة.

أما تحويل الخلاف حول إدارة نهر دولي إلى مطالبة مالية مفتوحة، فهذا لن يصنع قاعدة قانونية جديدة لمجرد تكراره في البيانات والتصريحات.

بل قد يفتح الباب، إذا أصررنا على منطق المحاسبة التاريخية، أمام أسئلة أكبر بكثير من تلك التي تطرحها أديس أبابا اليوم.

فإذا كانت الدول ستبدأ في حساب قيمة كل فرصة تنموية تقول أنها ضاعت بسبب موقف دولة أخرى، فمن سيحسب الخسائر التي تحملتها دول المصب نتيجة مشروعات أحادية؟ ومن سيحسب تكلفة عدم وجود اتفاق ملزم لقواعد الملء والتشغيل؟ ومن سيحاسب عن المخاطر التي تتحملها دول المصب في سنوات الجفاف؟ ومن سيحدد القيمة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للمياه التي تصل بالفعل الى الدول الواقعة اسفل المجرى؟

هذه ليست دعوة الى التصعيد.

بل هي دعوة إلى احترام القانون.

إثيوبيا لديها الحق في التنمية، ومصر لديها الحق في حماية أمنها المائي، والسودان لديه حقوق ومصالح لا يمكن اختزالها في خلاف ثنائي بين القاهرة وأديس أبابا.

والطريق الوحيد القابل للحياة هو التفاوض الجاد، والاتفاق الملزم، وتبادل البيانات، والادارة المشتركة للمخاطر، وعدم فرض الأمر الواقع.

أما أن يتحول النيل من مورد مشترك إلى دفتر حسابات، وكل سد الى مطالبة، وكل اعتراض إلى تعويض، وكل خلاف تفاوضي إلى خسارة تاريخية، فنحن لا نكون أمام حل لأزمة النيل، بل أمام تأسيس مرحلة جديدة من النزاع.

وفي النهاية، إذا كانت لدى إثيوبيا قضية قانونية حقيقية، فمصر ليست لديها مشكلة مع القانون.

بل على العكس.

لتضع أديس أبابا ملفها كاملا على الطاولة.

المشروعات الـ22.

الوثائق.

القرارات.

قيمة الخسائر.

العلاقة السببية.

والأساس القانوني.

ثم لنجلس جميعا أمام القانون الدولي.

هناك فقط سيتضح من لديه حق قابل للاثبات، ومن لديه مجرد رواية سياسية.

النيل أكبر من التصريحات.

وأقدم من الحكومات.

وأعقد من أن تختصر حقوقه في نسبة من التدفقات أو فاتورة تعويضات تكتبها لجنة من طرف واحد.

 

  • رامي زُهدي — خبير الشؤون الافريقية السياسية والإقتصادية، وملفات الإستثمار والتنمية والتعاون القاري والتجارة البينية بالقارة — نائب رئيس حزب الوعي — نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الإستراتيجية، ورئيس وحدات الدراسات الإفريقية.

 

طالع أيضا 

مصر تمهل مستشار السفارة الإثيوبية 48 ساعة للمغادرة.. مصدر مسؤول: الجانب الإثيوبي دأب علي تعليق فشله في أزماته الداخلية على شماعة الخارج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى