السفير دكتور محمد حجازي يكتب : السفير أحمد صدقي.. دبلوماسي مصري في الخطوط الأمامية للنضال الإفريقي
في تاريخ الدور المصري في إفريقيا، لم تكن القاهرة مجرد عاصمة سياسية تتابع تطورات القارة، وإنما كانت في مراحل عديدة مركزًا للحركة الإفريقية التحررية، وملتقى لقادة حركات الاستقلال، ومنبرًا للدبلوماسية المصرية المدافعة عن حق الشعوب الإفريقية في الحرية والاستقلال , ومن بين الدبلوماسيين المصريين الذين ارتبطت أسماؤهم بهذه المرحلة السفير أحمد صدقي، الذي يمثل نموذجًا للدبلوماسي الذي جمع بين العمل الرسمي والإيمان بقضايا التحرر الإفريقي، وأسهم في التعبير عن الموقف المصري الداعم للشعوب الإفريقية في مرحلة شديدة الأهمية من تاريخ القارة.
وقد تولى أحمد صدقي عددًا من المهام الدبلوماسية المهمة، وعمل سفيرًا لمصر في عدد من العواصم الأوروبية، من بينها روما ولشبونة وباريس، وهي عواصم كانت لها أهمية كبيرة في متابعة قضايا الاستعمار وحركات التحرر الإفريقية، بحكم ارتباط عدد من الدول الإفريقية آنذاك بالقوى الاستعمارية الأوروبية.
كن باريس لم تكن بالنسبة إلى صدقي مجرد محطة دبلوماسية أوروبية.. ففي نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات كانت العاصمة الفرنسية مسرحًا لاتصالات سياسية إفريقية وعربية ودولية متعددة، وكان السفير المصري حاضرًا في شبكة هذه الاتصالات بحكم موقعه وخبرته وصلاته بالقارة.
وهنا تبرز أهمية دوره في الاتصالات المتعلقة بأزمة موريتانيا والسنغال، حيث ارتبطت باريس بالجهود المصرية للوساطة، وأصبح مقر إقامة السفير المصري أحد الأماكن التي جرت فيها لقاءات واتصالات سياسية مهمة.
وهكذا انتقل صدقي من الدبلوماسية الإفريقية المباشرة في مرحلة التحرر إلى دبلوماسية الوساطة والاتصال في مرحلة جديدة من تاريخ القارة
ولم يكن الدور المصري في إفريقيا منفصلًا عن شبكة العلاقات الدولية التي كانت تحيط بحركات التحرر. فقد أدركت القاهرة مبكرًا أن معركة الاستقلال الإفريقي ليست قضية محلية تخص كل شعب على حدة، وإنما قضية سياسية وقانونية وإنسانية ذات أبعاد دولية، وأن نجاح حركات التحرر يحتاج إلى دعم سياسي ودبلوماسي وإعلامي واسع.
وفي هذا السياق، كان للدبلوماسيين المصريين دور مهم في نقل رسالة القاهرة إلى العواصم الدولية، والدفاع عن حق الشعوب الإفريقية في تقرير مصيرها، ومساندة القضايا الإفريقية داخل المنظمات والمحافل الدولية.
وكان أحمد صدقي من هؤلاء الدبلوماسيين الذين ارتبط عملهم بالملف الإفريقي، كما تولى مسؤولية مساعد وزير الخارجية للشؤون الإفريقية، وهي مسؤولية تعكس موقعه في منظومة صنع وتنفيذ السياسة المصرية تجاه القارة.
شهادة من واقع العمل
وتكتسب شهادتي عن أحمد صدقي أهمية خاصة لأنني عملت معه عن قرب، وأتيحت لي فرصة متابعة أدائه في ملف الشؤون الإفريقية.
وأستطيع أن أقول، من واقع هذه التجربة، إنه كان دبلوماسيًا مميزًا، مخلصًا في عمله، ومحبًا لإفريقيا. لم يكن التعامل مع القضايا الإفريقية بالنسبة إليه مجرد مهمة وظيفية، وإنما كان يحمل اهتمامًا حقيقيًا بالقارة وبقضايا شعوبها وبالدور التاريخي الذي اضطلعت به مصر في مساندة حركات التحرر الإفريقية.
وكان هذا النوع من الدبلوماسيين جزءًا من مدرسة دبلوماسية مصرية تشكلت في مرحلة كانت فيها إفريقيا إحدى دوائر الحركة الأساسية للسياسة الخارجية المصرية.
الصورة.. وثيقة من الذاكرة الدبلوماسية
وتأتي الصورة المرفقة بهذه الحلقة لتضيف بعدًا توثيقيًا إلى هذه الشهادة.. في الصورة يظهر السفير أحمد صدقي في أقصى اليسار، خلال مناسبة دبلوماسية رسمية، في مشهد يعكس جانبًا من طبيعة العمل الدبلوماسي المصري في تلك المرحلة.
ولا تكمن قيمة الصورة في الأشخاص الذين يظهرون فيها فحسب، وإنما في كونها جزءًا من الذاكرة البصرية لجيل من الدبلوماسيين المصريين الذين عملوا في مرحلة كانت فيها الدبلوماسية أداة أساسية في دعم حركات التحرر وتعزيز الحضور المصري في إفريقيا.
القاهرة.. منبرًا لحركات التحرر
كان الدور المصري في دعم حركات التحرر الإفريقية أحد أهم ملامح القاهرة في الخمسينيات والستينيات. فقد أصبحت العاصمة المصرية مساحة للقاء قادة الحركات الوطنية الإفريقية، ومركزًا للتواصل السياسي والإعلامي والدبلوماسي، ونافذة تطل منها حركات التحرر على العالم.
ولذلك فإن الحديث عن القاهرة باعتبارها «عاصمة النضال الإفريقي» لا يستند فقط إلى المواقف السياسية التي اتخذتها الدولة المصرية، وإنما كذلك إلى شبكة واسعة من الدبلوماسيين والمثقفين والصحفيين والجامعات والمؤسسات التي شاركت، كل في مجاله، في بناء جسور مصر مع إفريقيا.
وكان الدبلوماسيون في مقدمة هذه المنظومة؛ إذ حملوا رسالة القاهرة إلى العواصم الإفريقية والأوروبية والدولية، ودافعوا عن قضايا الاستقلال، وساهموا في تحويل التضامن المصري مع إفريقيا إلى سياسة خارجية ومواقف دبلوماسية ملموسة.
ذاكرة لا ينبغي أن تُنسى
إن استعادة سيرة السفير أحمد صدقي ليست مجرد استعادة لسيرة دبلوماسي مصري، وإنما هي استعادة لمرحلة من تاريخ السياسة الخارجية المصرية، عندما كانت إفريقيا في قلب المشروع القومي المصري، وعندما كانت القاهرة تلعب دورًا يتجاوز حدودها الوطنية لتصبح إحدى العواصم المؤثرة في مسيرة التحرر الإفريقي.
ومن هنا تأتي أهمية توثيق شهادات من عاصروا تلك المرحلة، وحفظ الصور والوثائق والذكريات الشخصية التي يمكن أن تساعد الأجيال الجديدة على فهم كيف تشكلت علاقة مصر بإفريقيا، وكيف تحولت القاهرة إلى مساحة سياسية ودبلوماسية احتضنت قضايا التحرر والاستقلال.
ويبقى أحمد صدقي، بالنسبة لي، واحدًا من الوجوه التي تستحق أن تُستعاد في هذه الذاكرة: دبلوماسي مميز، مخلص، ومحب لإفريقيا، عمل في مرحلة كانت فيها الدبلوماسية المصرية جزءًا من معركة أوسع من حدود الدولة، هي معركة الشعوب الإفريقية من أجل الحرية والاستقلال.
القاهرة عاصمة النضال الإفريقي.. ليست مجرد عنوان لمرحلة تاريخية، وإنما ذاكرة حية صنعها رجال ونساء آمنوا بأن حرية إفريقيا كانت جزءًا من رسالة مصر ودورها.
طالع أيضا :
السفير دكتور محمد حجازي : بطرس بطرس غالي .. الأفريقي الذي صاغ الضمير الدولي




