السفير دكتور محمد حجازي : بطرس بطرس غالي .. الأفريقي الذي صاغ الضمير الدولي
عندما انتقلت مدرسة القاهرة الإفريقية من القارة إلى النظام الدولي
لا تكتمل مدرسة العلاقات المصرية–الأفريقية دون اسم بطرس بطرس غالي، الذي مثّل الانتقال بالدور المصري من الفضاء القاري إلى المسرح الدولي مع الحفاظ على الجذور الأفريقية، يمثل بطرس بطرس غالي إحدى أكثر الشخصيات المصرية فرادة في تاريخ العلاقات الأفريقية، ليس فقط لأنه شغل منصب الأمين العام للأمم المتحدة، بل لأنه جسّد امتداد الدور المصري في أفريقيا من المجال القاري إلى قلب النظام الدولي، دون أن يفقد ارتباطه الفكري والسياسي بجذور التحرر الأفريقي.
لم يكن بطرس غالي دبلوماسيًا تقليديًا صعد في السلم الدولي منفصلًا عن محيطه، بل كان نتاجًا مباشرًا لمرحلة تاريخية تشكّلت فيها مدرسة القاهرة في أفريقيا: مدرسة ترى في الاستقلال الوطني، وبناء الدولة، واحترام السيادة، جوهر النظام الدولي العادل, وقد حمل هذه الرؤية معه إلى كل موقع شغله، منذ عمله الأكاديمي والسياسي المبكر، مرورًا بدوره كوزير دولة للشؤون الخارجية، وصولًا إلى موقعه الأممي الرفيع.
انشغل بطرس غالي مبكرًا بالقضية الأفريقية، في سياق ما بعد الاستعمار، حيث كانت القارة تواجه تحديات بناء الدولة، وترسيم الحدود، والصراعات الداخلية التي غذّاها الإرث الاستعماري , وفي هذا الإطار، تبنّى مقاربة تعتبر أن أزمات أفريقيا ليست أزمات أمنية فقط، بل أزمات تنمية وشرعية سياسية، وأن تجاهل هذه الأبعاد يحوّل التدخل الدولي إلى عامل تعقيد لا حل.
حين تولّى منصب الأمين العام للأمم المتحدة، نقل هذا الفهم إلى المؤسسة الدولية نفسها, فقد كان من أبرز من سعوا إلى إعادة تعريف دور الأمم المتحدة من مجرد إدارة أزمات إلى منظومة وقاية وبناء سلام، وهو ما تجلّى في رؤيته للأمن الجماعي، وفي اهتمامه الخاص بالقارة الأفريقية بوصفها الساحة الأكثر تضررًا من اختلالات النظام الدولي. لم يكن اهتمامه بأفريقيا نابعًا من انتماء جغرافي فقط، بل من قناعة فكرية بأن العدالة الدولية تبدأ من إنصاف الدول الأضعف.
تميّزت مقاربة بطرس غالي للأزمات الأفريقية برفض الحلول القسرية السريعة، والدعوة إلى احترام سيادة الدول، وإشراك الفاعلين المحليين، وتعزيز دور المنظمات الإقليمية الأفريقية. وفي هذا السياق، شكّل دعمه لتفعيل دور منظمة الوحدة الأفريقية—ثم لاحقًا الاتحاد الأفريقي—امتدادًا طبيعيًا للدور الذي لعبته القاهرة في تحويل التضامن إلى مؤسسة قارية.
لم تكن مواقفه هذه بلا كلفة, فقد وجد نفسه في أحيان كثيرة في مواجهة مباشرة مع نزعات الهيمنة داخل النظام الدولي، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حين سادت مقاربة التدخل باسم القوة، إلا أن بطرس غالي ظل متمسكًا بفكرة أن شرعية النظام الدولي لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالقبول والعدالة واحترام الخصوصيات، وهي أفكار تشكّلت في وعيه السياسي عبر تجربته المصرية–الأفريقية.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة تجربة بطرس بطرس غالي بوصفها تجربة فردية معزولة، بل باعتبارها الذروة الدولية لمدرسة القاهرة في أفريقيا, فقد حمل إلى نيويورك خبرة القاهرة، وذاكرة النضال الأفريقي، ودروس الاستقلال الوطني، وحاول ترجمتها إلى قواعد عمل دولي أكثر توازنًا، حتى وإن اصطدم ذلك بموازين القوة السائدة.\
اليوم، ومع عودة التنافس الدولي الحاد، وتفاقم الأزمات في أفريقيا، تكتسب تجربة بطرس غالي دلالة متجددة. فهي تذكير بأن لمصر رصيدًا فكريًا ودبلوماسيًا قادرًا على التأثير في صياغة النظام الدولي، وبأن الدور المصري في أفريقيا لم يكن يومًا محصورًا في الجغرافيا، بل امتد—عبر أشخاص من طراز بطرس غالي—إلى صياغة الضمير الدولي نفسه.


___________________________________________________________________________________________
السفير أحمد صدقي: الدبلوماسي الذي عمل بصمت وصنع الأثر
يمثل أحمد صدقي نموذجًا للدبلوماسي المصري الذي أدرك أن العلاقات مع أفريقيا لا تُبنى فقط في المؤتمرات الكبرى، بل في التفاصيل اليومية والعمل الهادئ , كان من الرعيل الذي عمل على الأرض وتواصل مع ممثلي حركات التحرير في مقارهم حتي باحراش افريقيا واوصل لهم الدعم وحمل رسائل باحتياجاتهم وعاد بها لهم وسط المخاطر، وتفاعل مع القيادات الأفريقية في لحظات دقيقة، وأسهم في تثبيت الحضور المصري عبر دعم قدرات حركات التحرر علاوة غلي الدبلوماسية المباشرة، وبناء الثقة، واحترام الخصوصيات الوطنية.
يُحسب لأمثال السفير أحمد صدقي وزملائة أنهم حافظوا على استمرارية الدور المصري في مراحل الانتقال، وضمنوا ألا ينقطع الخيط بين القاهرة والعواصم الأفريقية رغم تبدّل السياقات الدولية. هذا النوع من الدبلوماسية الجادة و الفاعلة كان—ولا يزال—أحد أسرار النفوذ المصري الحقيقي في القارة.
طالع أيضا :
السفير دكتور محمد حجازي يكتب : النيل بين التفاوض والردع.. مصر ترسم حدود الأمن المائي




