السفير دكتور محمد حجازي يكتب : النيل بين التفاوض والردع.. مصر ترسم حدود الأمن المائي
تأتي التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي بشأن أزمة نهر النيل وسد النهضة لتكشف عن تطور مهم في مقاربة مصر لهذا الملف الاستراتيجي، فقد أكد في مقابلة مع قناة العربية أن مصر «لن تسمح بأي إجراءات أحادية جديدة على نهر النيل»، وأنها «لن تسمح بإقامة سدود إضافية على النيل»، مشددًا في الوقت نفسه على أن لمصر «حق الدفاع الشرعي عن مصالحها وأمنها المائي»، وأن القاهرة لن تقبل بأي اتفاق بشأن نهر النيل لا يكون ملزمًا من الناحية القانونية.
وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من أنها تؤكد الموقف المصري المعروف من سد النهضة، وتضع الأزمة في إطار أوسع يتعلق بمستقبل إدارة الموارد المائية في حوض النيل، وبمدى قبول مصر بأن تتحول الإجراءات الأحادية إلى واقع دائم يفرض نفسه على دولتي المصب, ومن هنا فإن الرسالة المصرية لا تتعلق بسد واحد فحسب، وإنما بمبدأ أساسي هو رفض قيام أي دولة منفردة بإعادة صياغة قواعد إدارة نهر دولي عابر للحدود دون اتفاق مع الدول التي تتأثر مباشرة بهذه الإجراءات.
ولعل العبارة الأكثر دلالة في التصريحات المصرية هي الإشارة إلى «حق الدفاع الشرعي» عن المصالح والأمن المائي. فهذه العبارة لا ينبغي تفسيرها باعتبارها إعلانًا عن انتقال مصر إلى الخيار العسكري، وإنما باعتبارها تعبيرًا عن رفع مستوى الردع السياسي والاستراتيجي في مواجهة احتمالات جديدة لفرض الأمر الواقع. فالردع لا يعني بالضرورة استخدام القوة، وإنما يعني أن تكون لدى الدولة القدرة والإرادة على حماية مصالحها، وأن يدرك الطرف المقابل أن تجاوز خطوط معينة لن يظل بلا عواقب.
وتأتي هذه اللهجة الجديدة بعد سلسلة من المواقف المصرية التي أكدت رفض إقامة سدود إضافية على النيل، خاصة في ضوء التقارير والتصريحات المتعلقة بمشروعات مائية إثيوبية جديدة. وقد أكدت القاهرة في أكثر من مناسبة أن لديها أدوات متعددة للدفاع عن مصالحها المائية، وأنها لن تقبل بأن تتحول السيطرة على تدفقات النيل إلى أمر واقع تفرضه دولة واحدة.
وهنا ينبغي التوقف عند الفرق بين أزمة سد النهضة في صورتها الأصلية وبين التطورات الحالية، فقد انصب الخلاف خلال السنوات الماضية بصورة أساسية على قواعد ملء وتشغيل السد، وآليات التعامل مع سنوات الجفاف الممتد، وتبادل البيانات، وآليات فض المنازعات ، أما الحديث الاثيوبي عن سدود إضافية فينقل الأزمة إلى مستوى أكثر اتساعًا، لأن القضية تصبح عندئذ مرتبطة بمستقبل منظومة التحكم في تدفقات النيل الأزرق، والتحكم الكلي في ايرادات وتصريفات النهر، وليس فقط بقواعد تشغيل سد النهضة.
ومن هذا المنظور، فإن الموقف المصري من السدود الجديدة يمثل محاولة لمنع نشوء واقع مائي تراكمي يصعب تغييره مستقبلًا، فالمشكلة ليست فقط في الأثر المباشر لأي مشروع منفرد، وإنما في احتمال تكوين منظومة من المنشآت المائية تسمح بالتحكم المتزايد في تدفقات النهر، بما يضاعف المخاطر بالنسبة إلى دولتي المصب، وفي مقدمتها مصر التي يعتمد أمنها المائي بصورة أساسية على النيل.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن إثيوبيا تنظر إلى مياه النيل باعتبارها موردًا أساسيًا للتنمية وتوليد الطاقة وتحقيق الأمن الغذائي، وتؤكد حقها في استخدام مواردها المائية، ومن ثم فإن جوهر الأزمة لا يكمن في رفض مصر لحق إثيوبيا في التنمية، وإنما في اختلاف الرؤى حول الحدود التي يجب أن تحكم ممارسة هذا الحق عندما يتعلق الأمر بنهر دولي تشترك في مياهه ومصالحه عدة دول، خاصة وان لدي إثيوبيا علم ومعرفة كاملة باحتياجات مصر واعتمادها الكلي علي مايرد لها من مياة من مصدرها الوحيد وهو نهر النيل.
وهنا تبرز أهمية القانون الدولي للمجاري المائية الدولية، الذي يقوم على مجموعة من المبادئ، في مقدمتها الاستخدام المنصف والمعقول للمياه، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن للدول الأخرى، وضرورة التعاون وتبادل المعلومات والإخطار المسبق بشأن المشروعات التي يمكن أن يكون لها تأثير عابر للحدود، ولذلك فإن المعركة الأساسية بالنسبة إلى مصر ليست مع التنمية الإثيوبية في حد ذاتها، وإنما مع تحويل التنمية إلى إجراءات أحادية غير خاضعة لاتفاقات ملزمة وقواعد واضحة.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم إصرار القاهرة على أن يكون أي اتفاق بشأن النيل «ملزمًا قانونيًا». فالتجربة السابقة أثبتت أن البيانات السياسية والتفاهمات العامة لا تكفي عندما يتعلق الأمر بملف بالغ الحساسية مثل المياه، فالمطلوب هو قواعد واضحة ومحددة، تلتزم بها جميع الأطراف، وتحدد حقوق كل دولة والتزاماتها، وآليات التعامل مع الجفاف والسنوات شديدة الجفاف، وقواعد التشغيل، وتبادل البيانات، والإخطار، وتسوية النزاعات.
إن مصر، بهذا المعنى، لا تضع التفاوض في مواجهة الردع، وإنما تسعى إلى الجمع بينهما، فالتفاوض يظل الوسيلة الأساسية لتسوية الخلاف، بينما يوفر الردع الضمانة اللازمة لمنع استخدام التفاوض كغطاء لاستمرار الإجراءات الأحادية، وهذه نقطة جوهرية في فهم التحول الذي تشهده اللهجة المصرية، إذ إن القاهرة تبدو وكأنها تنتقل من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة أكثر وضوحًا في تحديد الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها.
ولا يعني ذلك أن باب التفاوض قد أغلق. على العكس، فإن الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم يظل الخيار الأفضل لجميع الأطراف، لأن البديل عن الاتفاق لن يكون في مصلحة مصر أو السودان أو إثيوبيا والاقليم، فالأمن المائي لا يمكن أن يتحقق من خلال سياسة فرض الأمر الواقع، كما أن التنمية الإثيوبية المستدامة تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة، والتوتر المستمر حول النيل لا يخدم أيًا من دول الحوض.
لكن نجاح أي مسار تفاوضي جديد يتطلب تغييرًا في طبيعة التفاوض ذاته، فإعادة إطلاق الجولات دون معالجة جوهر الخلاف لن تكون كافية، فالمطلوب هو الانتقال من التفاوض حول سد النهضة باعتباره مشروعًا منفردًا إلى بناء إطار أشمل للأمن المائي في حوض النيل الشرقي، يوازن بين حق إثيوبيا في التنمية وحقوق مصر والسودان ومصالحهما الحيوية، وتحقيق استقرار اقليمي يؤسس لمنظومة تعاون من خلال ممر اقتصادي يجمع بين الامن الملاحي للبحر الأحمر والامن المائي بنهر النيل بما يحققة من ربط بري وسكك حديدية وربط كهربائي
وتنسيق بين السدود في البلدان الثلاث ، ويكون حق نفاذ إثيوبيا الي موانئ البحر الأحمر تجاريا وتنمويا واقتصاديا ضمن مبدأ احترام السيادة الوطنية للدول المطلة علي البحر الأحمر، وقد يكون من المفيد، في هذا السياق، التفكير في إطار إقليمي طويل الأجل يقوم على التعاون في إدارة الموارد المائية، وتبادل البيانات، والإنذار المبكر للجفاف والفيضانات، والتنسيق بشأن المشروعات المستقبلية، بحيث لا يصبح كل مشروع جديد سببًا لأزمة سياسية جديدة، فالمياه في النهاية ليست فقط قضية سيادة، وإنما أيضًا قضية أمن وتنمية واستقرار إقليمي.
أما بالنسبة إلى عبارة «حق الدفاع الشرعي»، فإن أهميتها تكمن في أنها تعيد وضع الأمن المائي المصري في مكانه الطبيعي باعتباره جزءًا رئيسيًا وجوهريا من منظومة الأمن القومي المصري، وهي رسالة ينبغي أن تُقرأ بعناية، لأنها لا تعني أن مصر تسعى إلى التصعيد، وإنما تعني أن مرحلة التعامل مع الإجراءات الأحادية باعتبارها مجرد خلاف فني قد انتهت ، فالمياه بالنسبة إلى مصر ليست ملفًا تفاوضيًا عاديًا، وإنما قضية وجودية ترتبط مباشرة باستقرار الدولة ومجتمعها ومستقبلها.
ومن ثم فإن الرسالة المصرية الموجهة إلى إثيوبيا والمجتمع الدولي تبدو واضحة: مصر مستعدة للتفاوض، لكنها لن تقبل تفاوضًا بلا نهاية؛ مصر تؤيد التنمية، لكنها ترفض أن تتحول التنمية إلى سيطرة منفردة على مورد مشترك؛ ومصر تتمسك بالقانون الدولي، لكنها في الوقت نفسه تؤكد حقها في حماية مصالحها وأمنها المائي، بالطرق وبالدوات التي تراها مناسبا وفقا وأعمالاً للمادة ٥١ من مبادئ ميثاق الامم المتحدة التي تعطي للدول إذا مابرز تهديد لأمنها القومي ان تدافع عن امنها بالشكل الذي تراة ملائما.
وفي النهاية، فإن أفضل سيناريو لمستقبل النيل هو أن تتحول هذه اللهجة الحازمة إلى قوة دفع نحو مسار جديد يقود للحل وبدعم من الشركاء والجهات الدولية والعمل من اجل ان تكون المياة جزء من اطار اشمل للتعاون، فالتصعيد الحقيقي ليس في ارتفاع نبرة التصريحات، وإنما في استمرار إثيوبيا في بناء الوقائع احاديا على الأرض دون اتفاق. وإذا كان الهدف هو تجنب الوصول إلى مرحلة أكثر حسمًا والتصعيد الناجم عن إجراءاتها الأحادية ، فإن الطريق إلى ذلك يبدأ باتفاق قانوني ملزم يضع قواعد واضحة لإدارة النهر، ويضمن لإثيوبيا حقها في التنمية، ويضمن في الوقت نفسه لمصر والسودان أمنهما المائي.
إن معادلة المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون واضحة: التفاوض كان هو الطريق الامثل ومبادئ القانون الدولي هو الإطار، والردع هو الضمان، والتعاون هو الحل المستدام، وما تفعله مصر الآن هو رسم حدود هذه المعادلة بوضوح أكبر، وإرسال رسالة مفادها أن الأمن المائي المصري ليس مجالًا مفتوحًا لسياسة الأمر الواقع، وأن نهر النيل، باعتباره شريان حياة ومجرى مائيًا دوليًا، لا يمكن أن تفرض قواعد إدارته دولة واحدة بمعزل عن الآخرين.
والمؤكد ان مصر تعلن بذلك ان اي محاولة لبناء إثيوبيا سدود إضافية أعالي النهر يشكل عمل عدائيا غير مبرر وتحدي وجودي،وستتصدى لة مصر بالشكل الرادع والمناسب، وهي كما يعلم الجميع وتعلم إثيوبيا جيدا انها لم تترك لمصر خيارات تذكر ، واتمني ان تدرك إثيوبيا ومحرضيها وحلفائها مخاطر ماتفعلة قبل فوات الأوان، وقد اعذر من انذر.
طالع أيضا :
العميد دكتور محمد حجاب يكتب : مصر كراعٍ للتنمية في حوض النيل: من جوليوس نيريري إلى أزمة سد النهضة



