أخبار عاجلةالرأي

العميد دكتور محمد حجاب يكتب : مصر كراعٍ للتنمية في حوض النيل: من جوليوس نيريري إلى أزمة سد النهضة

يمثل مشروع سد جوليوس نيريري في تنزانيا نموذجًا عمليًا تستطيع مصر من خلاله إعادة صياغة صورتها ودورها داخل حوض النيل , فالمشروع، الذي تنفذه شركتا المقاولون العرب والسويدي إليكتريك ضمن تحالف مصري، أُسند إلى الشركات المصرية بموجب عقد أُبرم عام 2018، وبدأ التنفيذ في 2019، بينما تبلغ تكلفته نحو 2.9 مليار دولار, كما أن المشروع لا يقتصر على توليد الكهرباء، وإنما يستهدف كذلك السيطرة على الفيضانات وتنظيم المياه وخدمة أهداف التنمية الزراعية والاقتصادية في تنزانيا.

وهنا تكمن القيمة السياسية للمشروع بالنسبة إلى مصر؛ فالقاهرة لا تقدم نفسها فقط باعتبارها دولة تطالب بالحفاظ على حقوقها المائية، وإنما تستطيع أن تقول إن التنمية المائية في أفريقيا ليست مشكلة بالنسبة إليها، بل هي شريك في صناعتها, فالمفارقة ذات الدلالة أن الشركات والخبرات المصرية هي التي ساهمت في إنشاء أحد أكبر مشروعات الطاقة الكهرومائية في دولة من دول حوض النيل، وقد وصفت الحكومة المصرية المشروع بأنه نموذج للتعاون والتكامل والتنمية بين دول الحوض. كما أكدت القاهرة أن دعمها للمشروع يأتي في إطار حق دول حوض النيل في استغلال مواردها بما يحقق التنمية، بشرط ألا يأتي ذلك على حساب حقوق ومصالح الدول الأخرى.

وهذه الرسالة تكتسب أهمية أكبر عند مقارنتها بأزمة سد النهضة الإثيوبي , فالموقف المصري، في جوهره، لا يقوم على رفض بناء السدود أو التنمية الكهرومائية في دول المنبع؛ والدليل العملي هو مشاركة الشركات المصرية في مشروع ضخم داخل دولة من دول حوض النيل, وإنما يتمحور الاعتراض حول كيفية إدارة سد يقع على مجرى مائي عابر للحدود، وآثار قواعد الملء والتشغيل على دولتي المصب، وضرورة وجود قواعد واضحة وملزمة للتعامل مع فترات الجفاف والتشغيل طويل الأجل, وهذا يتسق مع الموقف المصري المعلن الذي يدعو إلى تحقيق المنفعة المشتركة من الموارد المائية مع تجنب الإضرار بمصالح الدول الأخرى.

ومن هنا يمكن لمصر أن تنتقل من خطاب الدفاع عن الحقوق المائية إلى خطاب أكثر اتساعًا: “نحن لا نعترض على تنمية حوض النيل؛ نحن نريد أن تكون مصر جزءًا من هذه التنمية,” ويمنحها نموذج جوليوس نيريري مصداقية عملية لهذا الطرح؛ إذ يمكن للقاهرة أن تقدم خبرتها في بناء السدود، وإدارة المياه، وتوليد الطاقة، والري، والربط الكهربائي، والتدريب وبناء القدرات إلى دول الحوض، بحيث تتحول الشركات والخبرات المصرية إلى أدوات للدبلوماسية التنموية.

والأهم أن هذا النموذج يمكن أن يتحول إلى استراتيجية مصرية متكاملة: بدل أن تترك القاهرة المجال أمام القوى الخارجية لتقديم نفسها باعتبارها الشريك الرئيسي في التنمية الأفريقية، يمكن لمصر أن تقدم “التنمية المشتركة” كبديل يقوم على نقل الخبرة وتنفيذ المشروعات وتدريب الكوادر وبناء البنية الأساسية. وفي هذا السياق، يصبح جوليوس نيريري ليس مجرد مشروع هندسي ناجح، وإنما أداة لإعادة تعريف الدور المصري في أفريقيا: مصر لا تريد أن تكون دولة المصب التي تقول للمنبع “لا تبنِ”، وإنما الدولة التي تقول لدول المنبع “ابنوا ونمّوا، وسنساعدكم على ذلك، ولكن بطريقة لا تجعل تنمية دولة تتحول إلى تهديد لدولة أخرى.”

وهذه هي النقطة التي يمكن أن تشكل جوهر الرسالة المصرية في مواجهة الرواية الإثيوبية:
“مصر ليست ضد سد النهضة لأن إثيوبيا دولة منبع، وليست ضد التنمية الإثيوبية؛ مصر ضد تحويل التنمية المنفردة إلى إدارة منفردة لنهر مشترك. والدليل أن مصر نفسها شاركت بخبرتها وشركاتها في بناء سد ضخم داخل حوض النيل، لأنها تؤمن بأن التنمية حق للجميع، كما تؤمن في الوقت ذاته بأن حماية حقوق دول المصب جزء من مفهوم التنمية المستدامة.”

وهذه المقاربة تمنح مصر ميزة سياسية وأخلاقية واستراتيجية في التعامل مع دول حوض النيل؛ لأنها تنقل النقاش من ثنائية “مصر ضد إثيوبيا” إلى ثنائية أكثر قوة: “التنمية المشتركة مقابل التنمية الأحادية”.

 

طالع أيضا :

سد جوليوس نيريري في تنزانيا.. 15 معلومة عن المشروع العملاق الذي نفذه التحالف المصري «المقاولون العرب والسويدي إليكتريك»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى