عميد دكتور محمد حجاب يكتب : من السد إلى قواعد النهر: عنتيبي وإعادة تشكيل حوكمة النيل والأمن المائي المصري
قراءة تحليلية في الالتزامات القانونية والأمن المائي المصري
لم تعد الأزمة المصرية–الإثيوبية بشأن نهر النيل خلافًا فنيًا محصورًا في قواعد ملء سد النهضة أو عدد سنوات التخزين أو كميات المياه المطلوب إطلاقها سنويًا، فقد اتسعت تدريجيًا لتصبح خلافا على القواعد القانونية والفنية والمؤسسية التي ستحدد مستقبل إدارة النيل الأزرق، وعلى الجهة التي تملك حق صياغة هذه القواعد أو التأثير في تطبيقها.
وتزامن هذا التحول مع انتقال سد النهضة من مرحلة الإنشاء إلى مرحلة التشغيل، فقد أفادت وكالة رويترز بأن إثيوبيا افتتحت السد رسميًا في 9 سبتمبر 2025، وأن قدرته التوليدية المركبة بلغت عند الافتتاح نحو 5.15 جيجاوات، بينما تبلغ سعته التخزينية نحو 74 مليار متر مكعب، وتدور تقديرات إنتاجه السنوي المستهدف حول 15.8 تيراواط/ساعة ، ويُستخدم هنا مصطلح «القدرة التوليدية المركبة» للدلالة على قدرة التوربينات الاسمية، بينما يشير «الإنتاج السنوي» إلى الطاقة المتوقعة خلال سنة تشغيل، وهما مؤشّران مختلفان لا يجوز الخلط بينهما.
وبذلك انتقل مركز الثقل من مرحلة إنشاء السد وملء خزانه إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتعلق بقواعد التشغيل، وآليات تبادل البيانات، والتعامل مع سنوات الجفاف والجفاف الممتد، ومستقبل المنشآت المائية الإثيوبية الأخرى.
وتنبع المخاوف المصرية من احتمال انتقال إثيوبيا من إدارة مشروع واحد إلى بناء منظومة متكاملة من المنشآت تمنحها قدرة متزايدة على تنظيم توقيت التدفقات المتجهة إلى السودان ومصر.
ولا تعترض مصر، من حيث المبدأ، على حق إثيوبيا في التنمية أو توليد الكهرباء أو استغلال مواردها الطبيعية، لكنها تتمسك بأن هذا الحق لا يساوي حق التصرف المنفرد في مورد مائي دولي، وأن السيادة الإقليمية لا تعفي الدولة من الالتزامات الناشئة عن قواعد القانون الدولي أو عن الاتفاقات ذات الصلة.
وتطرح المقالة سؤالًا بحثيًا محددًا: هل انتقلت أزمة النيل من صراع على حصة مائية إلى صراع على قواعد إدارة التدفقات، وما الذي يعنيه ذلك للأمن المائي المصري في ظل التحولات المؤسسية التي أحدثتها اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل؟. وتجادل المقالة بأن الخطر الاستراتيجي طويل المدى لا يكمن في سد النهضة منفردًا، وإنما في انتقال الحوض تدريجيًا من نظام يستند إلى الاستخدامات التاريخية والترتيبات الثنائية إلى نظام متعدد الأطراف تتزايد فيه القدرة على إدارة التدفقات من خلال السدود والمؤسسات الجديدة، ومن ثم تصبح المعركة المصرية معركة قواعد وبيانات وتشغيل وحوكمة، أكثر من كونها معركة حول منشأة واحدة.
أولًا: الأهمية الهيدرولوجية للنيل الأزرق في معادلة الصراع
تنبع الأهمية الاستراتيجية للنيل الأزرق من كونه أحد أهم مصادر تدفقات نهر النيل، التي تعتمد عليها مصر بصورة أساسية في تلبية احتياجاتها المائية. وتزداد حساسية هذا الرافد بسبب الطبيعة الموسمية لتدفقاته وتركز جانب كبير منها خلال موسم الأمطار، بما يجعل توقيت تدفق المياه وقواعد إدارتها وتشغيل المنشآت المقامة عليه عوامل مؤثرة بصورة مباشرة في استقرار منظومة النهر، خاصة خلال فترات الجفاف وانخفاض الإيرادات المائية.
وتستند مصر إلى حقوق ومصالح مائية مستقرة في مياه النيل، باعتبارها دولة مصب تعتمد على النهر اعتمادًا جوهريًا في حياتها الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم، فإن أي تقليل في كمية المياه التي تصل إلى الأراضي المصرية، أو أي تغيير جوهري في توقيت تدفقها، يمكن أن ينعكس مباشرة على الأمن المائي المصري، وعلى قطاعات الزراعة والصناعة والاستخدامات المنزلية، ولا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد نتيجة طبيعية لاستخدام دولة المنبع لمواردها المائية.
وعليه، فإن جوهر الموقف المصري لا يتمثل في رفض حق إثيوبيا في التنمية أو الاستفادة من مواردها المائية، وإنما في ضرورة ألا تتم هذه الاستفادة على حساب حقوق ومصالح دول المصب. فالنيل الأزرق جزء من منظومة نهرية مشتركة، وأي إدارة لتدفقاته يجب أن تراعي عدم الإضرار بمصر، وأن تضمن استمرار وصول احتياجاتها المائية، خصوصًا في فترات الجفاف ، ومن هذا المنظور، فإن الحفاظ على حقوق مصر المائية وضمان عدم تقليص التدفقات الواصلة إليها يمثلان جوهر المعادلة الهيدرولوجية والاستراتيجية للنزاع حول النيل الأزرق.
ثانيًا: مصر أمام معادلة مائية مختلفة جذريًا
لا يمكن فهم الموقف المصري من دون النظر إلى حجم الاعتماد على النيل والفجوة المتزايدة بين الموارد المتاحة والاحتياجات السنوية، ووفق البيانات الواردة في استراتيجية وزارة الموارد المائية والري المصرية، تبلغ الموارد المائية التقليدية المتاحة نحو 59.25 مليار متر مكعب سنويًا، منها 55.5 مليار متر مكعب حصة مصر من النيل، ونحو 2.1 مليار متر مكعب من المياه الجوفية العميقة، و1.3 مليار متر مكعب من مياه الأمطار والسيول، ونحو 0.35 مليار متر مكعب من المياه المحلاة وبعض المصادر غير التقليدية.
وفي المقابل، تُقدَّر الاحتياجات المائية الإجمالية بنحو 110 مليارات متر مكعب سنويًا، أو نحو 80 مليار متر مكعب عند استبعاد المياه الافتراضية المرتبطة بالسلع الغذائية والماشية المستوردة. ووفق هذه التقديرات، تبلغ الفجوة المائية السنوية نحو 20.75 مليار متر مكعب .
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن النيل يوفر نحو 97% من موارد المياه العذبة في مصر، وأن البلاد قد تبلغ عتبة الندرة المائية الشديدة بحلول عام 2033 إذا استمرت الاتجاهات الحالية للموارد والزيادة السكانية .
كما تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن حصة مصر من النيل تمثل النسبة الأكبر من مواردها العذبة، وأن القطاع الزراعي يستهلك قرابة 85% من المياه المتاحة وفق تعريف المصدر .
ومن ثم، يتجاوز الأمن المائي المصري مفهوم الحفاظ على «حصة» سنوية محددة، ليشمل مياه الشرب والزراعة والأمن الغذائي والصناعة والطاقة واستصلاح الأراضي واستقرار المجتمعات الريفية والبيئة في دلتا النيل، ولذلك فإن مطالبة مصر باتفاق ملزم ليست موقفًا سياسيًا مجردًا، وإنما ترتبط بهيكل مائي شديد الهشاشة يجعل قواعد التشغيل وتبادل البيانات والإخطار وإدارة الجفاف عناصر أساسية لحماية الأمن المائي المصري والسوداني.
ثالثًا: مصادر الالتزام في النزاع المصري–الإثيوبي
لا تستند الحجة القانونية المصرية إلى مصدر واحد، ولا ينبغي عرضها باعتبارها قائمة متجاورة من الوثائق ذات القوة القانونية المتساوية ، فالأدق هو ترتيب مصادر الالتزام بحسب درجة خصوصيتها وصلتها المباشرة بأطراف النزاع، ثم بحسب طبيعة القاعدة القانونية التي تتضمنها، وأخيرًا بحسب ما قدمه القضاء الدولي من تفسير وتطبيق.
الالتزامات الخاصة بين الأطراف
يمثل هذا المستوى أقوى مرتكزات الحجة المصرية؛ لأنه يتعلق بوثائق شاركت إثيوبيا في إبرامها أو التوقيع عليها، وبالتزامات ترتبط مباشرة بالعلاقة الثنائية أو بمشروع سد النهضة ذاته.
أ- إطار التعاون المصري–الإثيوبي لعام 1993
يأتي إطار التعاون العام بين مصر وإثيوبيا لعام 1993 في مقدمة هذه الالتزامات، فقد نص على امتناع كل طرف عن القيام بأي نشاط يتعلق بمياه النيل من شأنه أن يسبب ضررًا ملحوظًا لمصالح الطرف الآخر، وعلى التعاون في حماية مياه النيل والحفاظ عليها، واحترام قواعد القانون الدولي، والتشاور بشأن المشروعات التي يمكن أن تزيد تدفق المياه أو تقلل الفواقد .
وتكمن قوة هذا الإطار في أنه اتفاق ثنائي مباشر بين مصر وإثيوبيا، وليس ترتيبًا تاريخيًا لم تكن إثيوبيا طرفًا فيه ، ولذلك فإن مناقشة نطاقه أو تفسير عباراته تظل ممكنة، لكن تجاهله بالكامل يضعف أي قراءة تعتبر أن العلاقات المائية بين الدولتين تبدأ من الصفر عند كل مشروع جديد.
ب- إعلان مبادئ سد النهضة لعام 2015
يأتي إعلان مبادئ سد النهضة لعام 2015 في المرتبة التالية من حيث الصلة المباشرة بالموضوع ، فقد وقعته مصر وإثيوبيا والسودان، وتضمن مبادئ التعاون وحسن النية والمنافع المشتركة، والاستخدام المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والتعاون في الملء والتشغيل، وتبادل البيانات والمعلومات، وأمان السد، والتسوية السلمية للمنازعات.
وتنبع أهميته من كونه وثيقة ثلاثية خاصة بمشروع سد النهضة، لا إعلانًا عامًا عن التعاون في حوض النيل ، ولذلك فإن قيمته لا تتوقف على كونه أنشأ أو لم ينشئ اتفاقًا تفصيليًا لقواعد الملء والتشغيل؛ فهو، في الحد الأدنى، يثبت أن الدول الثلاث قبلت إدارة المشروع في إطار من التعاون وحسن النية، وأن تشغيل السد لا ينبغي أن يُعامل باعتباره شأنًا داخليًا إثيوبيًا خالصًا.
ومع ذلك، ينبغي تجنب المبالغة في أثر الإعلان ، فهو لا يحدد وحده كل كميات الإطلاقات أو قواعد الجفاف أو آليات التنفيذ التفصيلية، ولا يحسم جميع المسائل الفنية التي ظلت موضع تفاوض ، لكن هذه الحدود لا تلغي قيمته بوصفه أساسًا خاصًا لتفسير واجبات الأطراف تجاه مشروع محدد ذي آثار عابرة للحدود.
الاتفاقات التاريخية ذات الصلة
يتضمن اتفاق 1902 الأنجلو–إثيوبي التزامًا إثيوبيًا بعدم إقامة أو السماح بإقامة أعمال على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو السوباط من شأنها اعتراض سريان مياه النيل إلا وفق الشروط المحددة في الاتفاق .
ويمثل الاتفاق سندًا تاريخيًا مهمًا للموقف المصري؛ لأنه وثيقة شاركت إثيوبيا في إبرامها وتتضمن نصًا مباشرًا يتعلق بالأعمال المائية المؤثرة في سريان النيل، غير أن قوته القانونية ونطاقه التفسيري لا ينبغي تقديمهما باعتبارهما مسألة محسومة، فهناك جدل بشأن تفسير عبارة «اعتراض سريان المياه»، وبشأن استمرار آثار الاتفاق في ضوء التحولات التي طرأت على القانون الدولي، ومسائل الخلافة الدولية، والظروف التاريخية التي أُبرم فيها.
ومن ثم، فإن اتفاق 1902 لا ينبغي أن يكون المصدر الوحيد أو الأول للحجة المصرية، بل يندرج في مرتبة تاريخية مساندة، وتزداد قوة الموقف المصري عندما يُستخدم الاتفاق إلى جانب إطار 1993 وإعلان 2015، لا عندما يُطرح بمعزل عن الالتزامات اللاحقة والقواعد العامة.
قواعد القانون الدولي العام للمجاري المائية
حتى عندما يكون نطاق بعض الاتفاقات أو قوتها محل خلاف، تظل العلاقة بين دول المجرى خاضعة لمبادئ عامة في القانون الدولي للمجاري المائية ، وتشمل هذه المبادئ الاستخدام المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والتعاون، وتبادل البيانات، والإخطار والتشاور بشأن المشروعات ذات الآثار العابرة للحدود .
الاستخدام المنصف والمعقول
لا يعني الاستخدام المنصف مساواة حسابية بين الدول أو توزيعًا آليًا للمياه، بل يتطلب موازنة مجموعة من العوامل، منها الموقع الجغرافي، والاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية، والسكان المعتمدون على المورد، والاستخدامات القائمة، والبدائل المتاحة، والآثار المحتملة على الدول الأخرى ، ومن ثم يمكن لإثيوبيا أن تتمسك بحقها في التنمية، كما يمكن لمصر والسودان التمسك بضرورة عدم تحويل هذا الحق إلى استخدام يفرض أعباء غير متناسبة على دول المصب.
عدم التسبب في ضرر ذي شأن
لا يحظر هذا المبدأ كل تغير في التدفقات أو كل أثر اقتصادي على دولة أخرى، لكنه يفرض على الدولة الواقعة أعلى المجرى اتخاذ التدابير المناسبة لتجنب الضرر الجسيم أو الحد منه، ولا سيما عندما يكون الضرر متوقعًا وقابلًا للتقييم ، وفي حالة سد النهضة، يرتبط ذلك بقواعد الملء والتشغيل خلال سنوات الجفاف، وبالتأثير المحتمل علي السدود السودانية والسد العالي.
جـ- التعاون وتبادل البيانات
يكتسب التعاون قيمة عملية في الأحواض التي تتداخل فيها المنشآت والتدفقات ، ولا يقتصر التعاون على عقد الاجتماعات، بل يشمل تبادل البيانات الهيدرولوجية، ومعلومات المناسيب والتخزين والإطلاقات، وتبادل النماذج والافتراضات، وإتاحة المعلومات في الوقت المناسب حتى تتمكن الدول من إدارة مخاطرها.
د- الإخطار والتشاور
ترتبط مشروعية الإخطار بقدرة المشروع على إحداث آثار عابرة للحدود. ولا يعني الإخطار منح الدولة المبلَّغ إليها حق الفيتو تلقائيًا، لكنه يتيح لها دراسة المخاطر وطلب المعلومات وإبداء الملاحظات والتفاوض بشأن التدابير الوقائية. وتزداد أهمية هذا المبدأ عند إنشاء سدود جديدة أو توسيع منظومة التخزين في النيل الأزرق .
ومصر وإثيوبيا والسودان ليست أطرافًا في اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، ولذلك لا يصح وصف أحكام الاتفاقية بأنها مصدر لالتزام تعاهدي مباشر على إثيوبيا، لكن الاتفاقية تظل مرجعًا مهمًا لتجميع المبادئ العامة، كما أن تحديد الطابع العرفي لأي قاعدة منها يتطلب بحثًا مستقلًا في ممارسة الدول وقبولها بوصفها قانونًا.
الاجتهاد القضائي الدولي
لا تنشئ أحكام محكمة العدل الدولية اتفاقًا جديدًا بين مصر وإثيوبيا، لكنها تساعد في تفسير مضمون الالتزامات الإجرائية والمبادئ العامة وتحديد كيفية تطبيقها على النزاعات العابرة للحدود.
أ- قضية مصانع اللب على نهر أوروغواي
في قضية مصانع اللب على نهر أوروغواي، أكدت المحكمة أهمية التعاون وتبادل المعلومات والالتزامات الإجرائية في إطار المعاهدة الخاصة بالنهر، كما ناقشت الإخطار والتشاور وتقييم الآثار البيئية . وتكمن قيمة الحكم بالنسبة إلى الحالة المصرية في إبراز أن المشروعات ذات الآثار العابرة للحدود لا تُدار فقط بقرار وطني منفرد، مع ضرورة الانتباه إلى أن بعض الالتزامات في القضية استندت إلى النظام التعاقدي الخاص بنهر أوروغواي.
ب- قضية كوستاريكا ونيكاراغوا بشأن نهر سان خوان
في قضية الأنشطة التي قامت بها نيكاراغوا في المنطقة الحدودية وإنشاء الطريق في كوستاريكا بمحاذاة نهر سان خوان، تناولت المحكمة واجب تقييم الأثر البيئي عندما يوجد خطر معقول بحدوث ضرر عابر للحدود .
وتدعم هذه السابقة المطالبة بإجراء تقييم مسبق وتبادل المعلومات قبل تنفيذ المشروعات المائية الكبرى، من دون أن تجعل التقييم البيئي حقًا تلقائيًا في تعطيل المشروع.
جـ- قضية نهر السيلا
في قضية النزاع حول وضع واستخدام مياه نهر السيلا، تناولت المحكمة مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول والتعاون وعدم الإضرار وتبادل المعلومات في سياق مورد مائي مشترك .
وتفيد هذه السابقة في تأكيد أن حرية الدولة في استخدام الموارد داخل إقليمها تتعايش مع مسؤوليتها في مراعاة مصالح الدول المتشاطئة.
وبناءً على هذا التدرج، لا ينبغي صياغة الموقف المصري على أنه مجرد مطالبة بتطبيق اتفاقية لم توقعها إثيوبيا، ولا على أنه استناد حصري إلى اتفاق 1902 أو إلى اتفاقيتي 1929 و1959 ، الحجة الأكثر احترافًا تقوم على أربعة مستويات متكاملة:
أولًا، التزامات خاصة مباشرة، وفي مقدمتها إطار التعاون لعام 1993 وإعلان مبادئ 2015.
ثانيًا، اتفاقات تاريخية، وفي مقدمتها اتفاق 1902. ثالثًا، قواعد القانون الدولي العام للمجاري المائية، ولا سيما الاستخدام المنصف والمعقول وعدم التسبب في ضرر ذي شأن والتعاون وتبادل البيانات والإخطار والتشاور. رابعًا، الاجتهاد القضائي الدولي الذي يساعد في تفسير هذه المبادئ وتطبيقها على المشروعات العابرة للحدود.
ومن ثم فإن الحجة المصرية الأقوى هي أن إثيوبيا تملك حق التنمية، لكنها تمارس هذا الحق داخل شبكة من الالتزامات الخاصة والعامة والإجرائية ، أما مطالبة مصر باتفاق ملزم، فلا تستهدف إلغاء التنمية الإثيوبية، بل تحويل المبادئ العامة إلى قواعد تشغيل قابلة للقياس والتنفيذ خلال الملء والسنوات العادية والجفاف والجفاف الممتد والطوارئ.
خامسًا: المشكلة المصرية ليست في السد وحده، وإنما في غياب الاتفاق الملزم
لو كانت أزمة سد النهضة مرتبطة بإنشاء منشأة لتوليد الكهرباء فحسب، لكان من الممكن حصر الخلاف في نطاق فني يتعلق بتصميم السد وتمويله وجدول تشغيل توربيناته ، غير أن طبيعة السد وموقعه وحجم خزانه تجعل آثاره مختلفة عن آثار منشأة كهربائية داخلية لا ترتبط بتدفقات نهر دولي.
تبلغ السعة التخزينية القصوى لخزان سد النهضة نحو 74 مليار متر مكعب، بينما تبلغ سعة خزان السد العالي في أسوان نحو 162 مليار متر مكعب. وتوضح دراسة حديثة أن السعتين مجتمعتين تعادلان نحو 280% من متوسط التدفق السنوي للنيل عند أسوان، وهو ما يعكس قدرة المنشأتين على إعادة تنظيم التدفقات الطبيعية للنهر بدرجة كبيرة .
ولا يعني ذلك أن السدين يستطيعان التحكم المطلق في كل مياه النيل، لكنه يوضح أن التشغيل المنسق أصبح عاملًا مركزيًا في إدارة النظام المائي.
وتشمل نقاط الخلاف العملية أربع مراحل مترابطة: الملء الأولي، والتشغيل السنوي، وإدارة الجفاف المؤقت، وإدارة الجفاف الممتد. كما تشمل العلاقة بين إطلاقات سد النهضة واحتياجات سد الروصيرص والسدود السودانية والسد العالي.
ولذلك فإن التأثير لا يقاس فقط بكمية المياه التي تُحجز، بل أيضًا بسرعة الحجز، وتوقيت الإطلاق، وحجم المخزون المتاح في سدود دول المصب، وقواعد التعامل مع السنوات الشحيحة.
وتخلص دراسة منشورة في Nature Communications إلى أن مرحلة ما بعد امتلاء سد النهضة قد تحقق فوائد لإثيوبيا والسودان من دون تأثير كبير في مستخدمي المياه في مصر خلال الظروف الهيدرولوجية العادية، لكنها تؤكد أن إدارة الجفاف متعدد السنوات تتطلب تنسيقًا دقيقًا بين الدول، وأن التشغيل غير المنسق يمثل مصدرًا رئيسيًا للمخاطر.
وتقود هذه النتيجة إلى إعادة تعريف الخلاف. فالمشكلة ليست مواجهة مصر لمجرد وجود سد إثيوبي، بل تحديد ما إذا كان السد سيعمل ضمن منظومة إقليمية منسقة، أم وفق قرار وطني منفرد لا يخضع لقواعد ملزمة للبيانات والتشغيل والطوارئ.
سادسًا: الجفاف وتغير المناخ والتشغيل التكيفي
قد يكون أثر السد محدودًا نسبيًا في سنة ذات تدفقات طبيعية أو فوق المتوسط، خصوصًا إذا كان المخزون المتاح في السد العالي مرتفعًا. لكن الوضع يتغير عندما يتزامن انخفاض الأمطار في الهضبة الإثيوبية مع انخفاض تدفقات النيل الأزرق وارتفاع الطلب في مصر والسودان وغياب قواعد تشغيل ملزمة.
وتشير الدراسة المنشورة في Communications Earth & Environment عام 2024 إلى أن سد النهضة يستطيع، في ظروف التدفق الرطب أو المتوسط أو الجفاف المؤقت، توليد طاقة قريبة من المستوى الأمثل من دون عجز إضافي ملحوظ في دول المصب.
أما خلال الجفاف الممتد، فقد حددت الدراسة سياسة تشغيل تسمح بإنتاج نحو 87% من الطاقة الكهرومائية المثلى من دون خلق عجز مائي إضافي في دول المصب ، وتوضح هذه النتيجة أن الخلاف لا ينحصر في المفاضلة بين الكهرباء والمياه؛ إذ يمكن للتشغيل المنسق والتكيفي أن يقلل الخسائر في الجانبين.
فخفض التوليد إلى مستوى أقل من الحد الأقصى خلال فترات الجفاف قد يكون أقل كلفة من استمرار التشغيل المرتفع بما يفاقم العجز لدى دول المصب. ولذلك ينبغي أن تحدد الترتيبات الملزمة مسبقًا معنى الجفاف الممتد، ومؤشرات تفعيله، وحجم الإطلاقات الدنيا، وكيفية تعويض النقص، ودور مخزون السد العالي، وآلية تبادل البيانات اليومية أو الأسبوعية. أما ترك هذه العناصر للتقدير المنفرد لكل دولة، فيجعل كل موسم جفاف أزمة تفاوضية جديدة.
ولا يرتبط الخطر المستقبلي بالجفاف وحده، بل بتغير نمط الأمطار وارتفاع التذبذب الهيدرولوجي وتزايد احتمال تزامن الجفاف الممتد مع نمو الطلب وتعدد السدود. وتشير الدراسات المناخية إلى أن نماذج المناخ لا تقدم اتجاهًا واحدًا حاسمًا لمتوسط أمطار الحوض، لكنها ترصد تغيرًا محتملًا في توزيع الهطول، بما في ذلك انخفاض بعض أحداث الأمطار الخفيفة والمتوسطة وارتفاع شدة بعض الأحداث الغزيرة. وهذا يعني أن المتوسط السنوي وحده لا يكفي لقياس المخاطر؛ فالتوقيت والتوزيع الموسمي وشدة الفيضانات والجفاف عناصر لا تقل أهمية.
ويعزز تغير المناخ أهمية «التشغيل التكيفي»، أي تشغيل السدود وفق مؤشرات محدثة للتدفقات والمخزون والتنبؤات، بدلًا من الاعتماد على جدول ثابت، ويقتضي ذلك مراجعة دورية لقواعد الملء والتشغيل، وإدراج هامش أمان للتنبؤات المناخية، وتبادل البيانات المتعلقة بالأمطار والتخزين والطلب، وربط تفعيل قواعد الطوارئ بمؤشرات هيدرولوجية متفق عليها. وبهذا يصبح تغير المناخ سببًا إضافيًا للانتقال من ترتيبات ثابتة إلى نظام قابل للمراجعة والتكيف.
سابعًا: ضرورة التعامل المنهجي مع أرقام الخسائر المتداولة
تتضمن الأدبيات تقديرات متباينة لأثر سد النهضة، ولا ينبغي عرضها بوصفها توقعات مؤكدة من دون بيان افتراضاتها، فقد قدرت دراسة أعدها عصام حجي وزملاؤه عام 2021 متوسط العجز السنوي في ميزانية المياه المصرية خلال بعض سيناريوهات الملء بنحو 31 مليار متر مكعب سنويًا، وربطت الملء السريع خلال ثلاث سنوات بخسائر اقتصادية واجتماعية كبيرة .
لكن دراسة حجي تعرضت لتعليق نقدي منشور لباحثين، من بينهم كيفن ويلر ومارك جيلاند وكينيث ستريزيبيك، ركز على افتراضات تتعلق بمخزون السد العالي وتسرب المياه وطريقة حساب العجز الاقتصادي . ووفق هذا التعليق، فإن نتائج الدراسة لا تتفق بالضرورة مع أفضل التقديرات الهيدرولوجية المتاحة، وأن آثار الملء تكون أقل حدة عندما تكون تدفقات النيل الأزرق طبيعية أو أعلى من المتوسط، بينما تزداد المخاطر عند تزامن الملء مع جفاف شديد.
ولا تضعف هذه الخلافات الموقف المصري؛ بل تجعله أكثر علمية، فالاستنتاج الأكثر دقة ليس أن سد النهضة سيؤدي حتمًا إلى كارثة مائية في كل عام، بل أن نطاق المخاطر يتغير بصورة كبيرة وفق ثلاثية الهيدرولوجيا، وقواعد التشغيل، ومخزون سدود دول المصب، ولذلك تزداد الحاجة إلى اتفاق يحدد طريقة إدارة عدم اليقين بدلًا من استخدام رقم واحد حاسم لتوصيف الأزمة.
ثامنًا: من أزمة سد النهضة إلى حوكمة النيل الأزرق
ينبغي ألا يُقاس مستقبل الحوض بعدد السدود وحده، بل بالطلب المتزايد على المياه والطاقة والغذاء وبالتأثير التراكمي للمنشآت، ويغطي حوض النيل نحو 3.2 مليون كيلومتر مربع، وتشترك فيه 11 دولة، وهو ما يجعل أي سياسة وطنية منفردة قابلة لإنتاج آثار إقليمية .
وتشير دراسة منشورة في Journal of Hydrology: Regional Studies إلى أن مساحات الري القائمة في دول الحوض تبلغ نحو 6.4 مليون هكتار، مع خطط لإضافة نحو 3.8 مليون هكتار بحلول عام 2050.
وقدرت الدراسة الاستهلاك المائي الزراعي بنحو 84 مليار متر مكعب سنويًا في عام 2011، منها نحو 67 مليارًا لمصر و19 مليارًا للسودان، مع احتمال ارتفاع الاستهلاك إلى نحو 123 مليار متر مكعب سنويًا بحلول 2050 إذا استمرت البنية الحالية غير الكفؤة للري.
وتوضح الدراسة أن تحسين كفاءة الري، رغم ضرورته، لن يحل المشكلة بالكامل؛ فحتى في سيناريو الكفاءة النظرية القصوى قد يبقى عجز يقارب 5 مليارات متر مكعب سنويًا، بينما قد يتراوح العجز في سيناريوهات التحسين الأكثر واقعية بين 23 و29 مليار متر مكعب سنويًا.
وتغير هذه الأرقام طبيعة الأزمة، فالمستقبل لن يكون مستقبل سد واحد، بل مستقبل طلب إقليمي يتزايد على مورد محدود ومتذبذب ، ومن ثم فإن إدارة النيل بمنطق المشاريع المنفردة ستصبح أكثر خطورة، وستصبح الحاجة إلى تقييم تراكمي للمشروعات وتنسيق خطط الري والطاقة والغذاء أكثر إلحاحًا.
تاسعًا: عنتيبي بوصفها نقطة التحول المؤسسية في الحوض
دخلت اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل، المعروفة باتفاقية عنتيبي، حيز النفاذ في أكتوبر 2024 بعد استكمال شرط تصديق أو انضمام ست دول وإيداع وثائقها لدى الاتحاد الأفريقي. ووفق الإعلان المؤسسي لمبادرة حوض النيل، أصبح تاريخ النفاذ 13 أكتوبر 2024، بعد انضمام جنوب السودان إلى الدول الخمس التي كانت قد صدقت على الاتفاقية: إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا وبوروندي ، وتظل هذه التفاصيل، بما فيها عدد وثائق التصديق وتاريخ إيداعها، جزءًا أساسيًا من الدلالة القانونية للاتفاقية، لا مجرد معلومات إجرائية.
ولا تحدد الاتفاقية حصصًا مائية رقمية جديدة، بل تنص على إطار للتعاون والإدارة المتكاملة والاستخدام المنصف والمعقول وعدم إحداث ضرر ذي شأن وتبادل البيانات والإخطار بالتدابير المخطط لها. كما أن الأجزاء غير المحسومة من المادة 14 المتعلقة بالأمن المائي أُلحقت بالاتفاقية لإيجاد تسوية لاحقة من خلال المؤسسة الإقليمية.
لكن مصر والسودان لم يصبحا طرفين في الاتفاقية، ولذلك لا يمكن لاتفاق إقليمي لم تشارك مصر في إبرامه أن ينشئ تلقائيًا التزامات تعاهدية عليها أو يعيد تعريف حقوقها من دون موافقتها.
وفي الوقت نفسه، لا يصح تصوير عنتيبي باعتبارها وثيقة تمنح إثيوبيا السيطرة على النيل؛ فالاتفاقية لا تمنح دولة واحدة سلطة منفردة على المورد.
وتكمن أهمية عنتيبي في أنها تمثل تحولًا في بنية الحوكمة، لا مجرد وثيقة إضافية في سجل الاتفاقات، فسَدّ النهضة غيّر معادلة القدرة التشغيلية على النيل الأزرق، بينما تنقل عنتيبي التغيير إلى مستوى مؤسسي إقليمي من خلال النص على مفوضية حوض النيل وتبادل البيانات والإخطار والتقييم البيئي.
ولأن مصر والسودان لم يصبحا طرفين فيها، فإن الاتفاقية لا تنشئ تلقائيًا التزامات تعاهدية عليهما، لكنها تفرض واقعًا مؤسسيًا جديدًا ينبغي أن تتعامل معه القاهرة والخرطوم بحضور قانوني وفني لا بالاكتفاء بالرفض السياسي.
عاشرًا: السودان شريك كامل في معادلة المخاطر
يتمتع السودان بموقع فريد في المعادلة؛ فهو الأقرب جغرافيًا إلى سد النهضة، ويقع بين إثيوبيا ومصر، وتوجد منشآته المائية على مسافة أقرب من السد مقارنة بالسد العالي، ولذلك فإن أي تغير مفاجئ في الإطلاقات قد يظهر أثره في السودان خلال فترة زمنية أقصر، وقد يؤثر في سلامة السدود السودانية وفي برامج الري والطاقة.
وفي المقابل، يمكن للسودان الاستفادة من انتظام التدفقات وتقليل الفيضانات وتقليل الترسبات أمام بعض منشآته، وتحسين برامج الري، وتوليد الكهرباء، إذا توافر التشغيل المنسق وتبادل البيانات.
لكن هذه المنافع تقابلها مخاطر مباشرة، من بينها قرب سدوده من سد النهضة، واحتمال التعرض لصدمات إطلاق مفاجئة، ونقص المعلومات التشغيلية، وتأثير الجفاف في مخزوناته، ومخاطر سلامة المنشآت، والاعتماد على قواعد تشغيل لا يملك السودان وحده التحكم فيها. ويعني ذلك أن السودان ليس «حليفًا مصريًا» فحسب، بل دولة ذات مصلحة مزدوجة ينبغي أن تُبنى مشاركتها على إدارة المنافع والمخاطر معًا.
وتحتاج إدارة هذه المصالح إلى نظام ثلاثي يتضمن بيانات مناسيب الخزانات والتدفقات والإطلاقات، ونظام إنذار مبكر، وقواعد لتصريفات الطوارئ، وبروتوكولًا للتعامل مع الجفاف. كما ينبغي أن يتضمن أي اتفاق آلية لتبادل البيانات قبل التشغيل وأثناءه، لا الاكتفاء بتبادل المعلومات بعد وقوع الأزمة.
الحادي عشر: التنمية الإثيوبية والانتقائية في الالتزام
لا يمكن بناء حجة مصرية قوية على إنكار الاحتياجات الإثيوبية. فالدراسة الحديثة عن سد النهضة تشير إلى أن إثيوبيا تعاني من انخفاض نسبي في الوصول إلى الكهرباء، وأن سد النهضة يستهدف مضاعفة إنتاج الكهرباء وتحويل إثيوبيا إلى مركز إقليمي للطاقة، وتورد الدراسة أن نسبة الوصول إلى الكهرباء في إثيوبيا كانت تقارب 45% في فترة إعدادها ، كما تبلغ الطاقة السنوية المستهدفة للسد نحو 15,759 جيجاوات/ساعة، في حين تقدر بعض الدراسات الإنتاج السنوي الممكن بنحو 16,000 جيجاوات/ساعة ، وهذه الأرقام تفسر أهمية المشروع بالنسبة إلى إثيوبيا، لكنها لا تحسم قواعد تشغيله خلال الجفاف.
ومن ثم فإن الموقف المصري الأكثر قوة لا يتمثل في رفض التنمية، بل في ربط التنمية بمسؤولية عدم الإضرار، فمصر لا تعترض على إنتاج الكهرباء ولا تطالب بإلغاء السد، وإنما تطالب بأن تكون قواعد التشغيل معلومة ومتفقًا عليها، خصوصًا في الظروف الاستثنائية.
الثاني عشر: من الإخطار إلى التقييم البيئي للمشروعات الجديدة
إذا صحت التقارير المتعلقة بمشروعات جديدة مثل ماندويا وكرادوي وبيكو أبو، فإن أول خطوة قانونية وفنية ينبغي أن تكون الإخطار الرسمي وتقديم البيانات الأساسية عن الموقع والسعة والغرض وقواعد التشغيل والأثر المتوقع، ولا يجوز التعامل مع الأرقام الإعلامية حول سعات هذه المشروعات باعتبارها بيانات نهائية ما لم تؤكدها وثائق هندسية رسمية.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية مصانع اللب أهمية الإخطار والتشاور عندما يفرضهما النظام القانوني الخاص بالنهر، كما أكدت في قضية كوستاريكا ونيكاراغوا أن تقييم الأثر البيئي يصبح مطلوبًا عندما يكون هناك خطر حدوث ضرر عابر للحدود ، وبذلك يصبح التقييم البيئي أداة لتحديد المخاطر، لا إجراءً شكليًا لاحقًا.
وينبغي أن يتجاوز التقييم مشروعًا منفردًا إلى تقييم تراكمي يدرس مجموع السعات التخزينية وتداخل عمليات التشغيل وتأثيرها في التدفقات خلال الجفاف. فحتى إذا كان أثر كل سد منفرد محدودًا، يمكن أن يصبح أثر الشبكة كبيرًا عندما تعمل المنشآت في إطار واحد.
الثالث عشر: السيطرة التراكمية ومؤشر التعرض للمخاطر المائية
لا تعني السيطرة التراكمية امتلاك إثيوبيا للنهر كله، ولا تعني قدرتها على حجب المياه إلى ما لا نهاية، لكنها تعني احتمال نمو قدرتها على تعديل توقيت التدفقات ودرجة انتظامها من خلال تعدد الخزانات والمنشآت.
ويُقاس هذا الخطر من خلال إجمالي السعات التخزينية، وتوقيت التخزين، وتوقيت الإطلاق، والعلاقة التشغيلية بين السدود، وحجم الاستخدام الاستهلاكي، وقواعد الطوارئ، ومستوى التنسيق مع السودان ومصر. ومن ثم فإن التنظيم القانوني ينبغي أن يستهدف القدرة التراكمية على التأثير، لا مجرد وجود منشأة منفردة.
ولأغراض التحليل، يمكن صياغة «مؤشر التعرض للمخاطر المائية» بوصفه أداة تفسيرية لا مؤشرًا إحصائيًا رسميًا: التعرض المصري للمخاطر = الاعتماد المرتفع على النيل × محدودية البدائل السريعة × تذبذب التدفقات × تزايد القدرة التخزينية في المنبع × غياب قواعد تشغيل ملزمة. ولا تُستخدم هذه الصيغة لإنتاج رقم نهائي، وإنما لتجميع عناصر الخطر التي غالبًا ما تُناقش منفصلة. وكلما اجتمعت هذه العناصر، ارتفعت قيمة الاتفاق الملزم والتشغيل التكيفي وتبادل البيانات.
الرابع عشر: فرصة مصر لإعادة تعريف المعركة
تحتاج مصر إلى الانتقال من الدفاع عن حصة المياه فقط إلى الدفاع عن نظام قانوني لإدارة النهر، ويشمل ذلك قواعد تشغيل واضحة خلال الجفاف، وتبادلًا منتظمًا للبيانات، وآلية إنذار مبكر، وإخطارًا بالمشروعات الكبرى، وتقييمًا تراكميًا، وآلية ملزمة لتسوية النزاعات.
ويمكن تحويل هذه المطالب إلى مؤشرات قابلة للقياس، مثل تحديد تعريف متفق عليه للجفاف، وربط تفعيل قواعد الطوارئ بمؤشرات تدفق محددة، وتحديد دور كل خزان في سنوات الشح، وتحديد دورية البيانات، وإنشاء لجنة فنية تملك صلاحية مراجعة النماذج والافتراضات.
كما ينبغي أن تتضمن أي ترتيبات مستقبلية آلية مراجعة دورية، لأن تغير المناخ والتوسع الزراعي وتعدد المنشآت قد يجعل القواعد المناسبة في 2026 غير كافية في 2040 أو 2050.
الخامس عشر: متطلبات الاستراتيجية المصرية
لا تحتاج القاهرة إلى التصعيد وحده ولا إلى تفاوض مفتوح بلا سقف زمني، بل إلى استراتيجية تجمع بين القانون والدبلوماسية والبيانات والفن والاقتصاد والتعاون الإقليمي.
أولًا، ينبغي تحديث الملف القانوني بالاستناد إلى اتفاقات 1902 و1993 وإعلان مبادئ 2015 وقواعد القانون الدولي.
ثانيًا، ينبغي عدم اختزال الحجة في اتفاقيتي 1929 و1959، لأن إثيوبيا ليست طرفًا فيهما، بل استخدامهما في شرح التاريخ والاستخدامات القائمة مع التركيز على الالتزامات المباشرة.
ثالثًا، ينبغي إنشاء سجل مصري–سوداني للمشروعات المائية يتضمن الموقع والسعة وتاريخ الإعلان ومصادر البيانات والدراسات البيئية والتأثير المحتمل.
رابعًا، ينبغي تطوير نماذج مصرية مستقلة تحاكي الجفاف والفيضانات وتشغيل السدود المتعددة وتغير المناخ والاحتياجات المستقبلية.
خامسًا، يجب ربط الحضور الإفريقي بمشروعات عملية في الطاقة والربط الكهربائي والإنذار المبكر والتدريب وإدارة الفيضانات، حتى لا يبقى الخطاب المصري دفاعيًا فقط.
سادسًا، يظل الهدف النهائي اتفاقًا ملزمًا يتضمن قواعد قابلة للقياس والتنفيذ بشأن الملء والتشغيل والجفاف وتبادل البيانات والطوارئ والمشروعات الجديدة وتسوية النزاعات.
خاتمة
تجاوزت أزمة النيل سد النهضة نفسه، وأصبحت تتعلق بانتقال القدرة على التخزين والتشغيل إلى بنية أوسع من السدود والمؤسسات ، وتظل أرقام السد مهمة لتحديد حجم التحول: سعة تخزينية تقارب 74 مليار متر مكعب، وقدرة توليدية مركبة تبلغ نحو 5.15 جيجاوات، وإنتاج سنوي مستهدف يقارب 15.8 تيراواط/ساعة.
كما أن سد النهضة والسد العالي يملكان معًا سعة تخزينية تعادل نحو 280% من متوسط التدفق السنوي عند أسوان، وهو ما يجعل قواعد التشغيل والتنسيق أكثر أهمية من أي وقت مضى، ولا تعني هذه القدرة التخزينية سيطرة إثيوبية مطلقة على النهر، لكنها تؤكد أن قرارات التشغيل يمكن أن تؤثر في توقيت التدفقات وتوزيعها.
وتوضح الدراسات أن إدارة الجفاف تمثل نقطة الاختبار الحقيقية؛ إذ يمكن لسياسة تشغيل مناسبة أن تسمح بإنتاج نحو 87% من الطاقة المثلى خلال الجفاف الممتد من دون عجز مائي إضافي وفق النموذج المنشور.
كما توضح دراسات الطلب أن الاستهلاك الزراعي في الحوض قد يرتفع من 84 مليار متر مكعب سنويًا في 2011 إلى نحو 123 مليار متر مكعب بحلول 2050 في ظل استمرار البنية غير الكفؤة للري.
وهذه الأرقام تجعل الاتفاق أكثر ضرورة. فالمخاطر لا تتحدد بوجود السد وحده، بل بتقاطع التشغيل مع الجفاف والطلب المتزايد وتعدد المنشآت ، وكلما اتسع الطلب وازدادت السعات التخزينية، أصبح القرار الأحادي أكثر خطورة وأصبح التعاون المؤسسي أكثر إلحاحًا.
وعليه، فإن التحدي الأساسي أمام مصر في المرحلة المقبلة لا يتمثل في منع التنمية الإثيوبية، وإنما في منع تحول القدرة الوطنية على تخزين المياه وتشغيل المنشآت إلى قدرة أحادية على إعادة تنظيم التدفقات العابرة للحدود دون قواعد متفق عليها. ويظل الاعتراف بحق إثيوبيا في التنمية شرطًا لقوة الحجة المصرية، لأن المطلوب ليس إلغاء المشروع، بل إخضاع تشغيله لمنظومة من الالتزامات والبيانات وقواعد الجفاف.
أما عنتيبي فتمثل تحولًا مؤسسيًا مهمًا، لكنها لا تمنح إثيوبيا تفويضًا منفردًا لإعادة توزيع مياه النيل أو فرض التزامات على مصر من دون موافقتها، ويظل مستقبل الحوض مرتبطًا بمن يضع قواعد التشغيل، ومن يملك البيانات، ومن يقرر إنشاء السدود الجديدة، ومن يتحمل مخاطر الجفاف والطوارئ.
والخلاصة البحثية أن الخطر الاستراتيجي لا يكمن في سد النهضة منفردًا، بل في احتمال تراكم السدود والطلب والتذبذب المناخي داخل نظام لا تحكمه قواعد تشغيل وبيانات ملزمة.
لذلك فإن الأولوية المصرية هي بناء نظام قانوني وتشغيلي يوازن بين التنمية الإثيوبية والأمن المائي المصري والسوداني، ويحوّل التعاون من التزام عام إلى إجراءات قابلة للقياس والتنفيذ ، فمن يملك السد لا يملك النهر.
طالع أيضاً
خبير سوداني يرد على وزير المياه الإثيوبي: «السيطرة على مياه النيل» تكشف الهدف الحقيقي لسد النهضة




