السفير دكتور محمد حجازي يكتب : المعلم جوليوس نيريري… ضمير إفريقيا وصانع الأمة التنزانية ” 21 “
في تاريخ إفريقيا الحديث، ارتبطت ألقاب كثيرة بقادة التحرر الوطني؛ فمنهم من عرف بالمحرر، ومنهم من عرف بالمؤسس أو الثائر , أما جوليوس كامباراج نيريري فقد اختار له شعبه لقبًا مختلفًا وأكثر عمقًا: “المعلم” , ولم يكن هذا اللقب مجرد إشارة إلى مهنته الأولى، بل كان تعبيرًا عن فلسفة كاملة في القيادة والسياسة والحياة , فقد ظل نيريري طوال مسيرته يرى أن بناء الإنسان يسبق بناء الدولة، وأن التعليم هو الطريق الحقيقي إلى الحرية والاستقلال والتنمية.
ولد جوليوس نيريري عام 1922 في تنجانيقا التي كانت خاضعة آنذاك للانتداب البريطاني ,ونشأ في بيئة ريفية بسيطة أكسبته ارتباطًا وثيقًا بقضايا الفلاحين والطبقات الشعبية , وبرز منذ سنوات دراسته بتفوقه العلمي، حتى أصبح أول تنزاني يحصل على شهادة جامعية من خارج بلاده، ثم واصل دراسته في جامعة إدنبرة في اسكتلندا، ليكون من أوائل الأفارقة الذين حصلوا على تعليم عالٍ في تلك الفترة.
وعند عودته إلى بلاده اختار مهنة التدريس، ومنها جاء لقب “مواليمو” أو “المعلم” باللغة السواحيلية ,لكن الفصول الدراسية لم تكن بالنسبة إليه سوى بداية لمسيرة أوسع. فقد أدرك أن تحرير العقول لا ينفصل عن تحرير الأوطان، وأن التعليم يجب أن يقترن بالنضال الوطني من أجل الاستقلال.
ومع تصاعد المد التحرري في إفريقيا خلال الخمسينيات، أسس نيريري الاتحاد الوطني الإفريقي لتنجانيقا (TANU)، الذي قاد الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال , وتميز أسلوبه بالعمل السياسي السلمي والتنظيم الجماهيري الواسع، فنجح في حشد مختلف فئات المجتمع خلف مشروع وطني جامع بعيدًا عن الانقسامات القبلية والعرقية التي كانت تهدد العديد من المجتمعات الإفريقية.
وفي التاسع من ديسمبر 1961 حصلت تنجانيقا على استقلالها، ليصبح نيريري أول رئيس وزراء ثم أول رئيس للجمهورية , وبعد سنوات قليلة قاد عملية الاتحاد التاريخي بين تنجانيقا وزنجبار عام 1964، ليولد كيان سياسي جديد حمل اسم تنزانيا، في واحدة من أنجح تجارب الوحدة السياسية في القارة الإفريقية.
لكن إنجاز نيريري الأكبر لم يكن تحقيق الاستقلال أو الوحدة الوطنية فحسب، بل بناء هوية وطنية جامعة ,فقد كانت تنزانيا تضم عشرات القبائل والمجموعات العرقية واللغوية، إلا أن نيريري نجح في ترسيخ اللغة السواحيلية كلغة وطنية مشتركة، وجعل الانتماء للدولة يتقدم على الانتماءات القبلية الضيقة , ولهذا تجنبت تنزانيا كثيرًا من الصراعات التي شهدتها دول إفريقية أخرى بعد الاستقلال.
وفي المجال الفكري، طرح نيريري فلسفة “الأوجاما” أو الأسرة الممتدة، وهي رؤية تنموية استندت إلى قيم التضامن والتكافل الإفريقية , ورغم اختلاف التقييمات الاقتصادية لهذه التجربة، فإنها مثلت محاولة جادة للبحث عن نموذج تنموي إفريقي مستقل لا يخضع بالكامل لاعتبارات الحرب الباردة أو لوصفات القوى الخارجية.
وكان نيريري يؤمن بأن استقلال تنزانيا لن يكون ذا معنى إذا بقيت أجزاء أخرى من إفريقيا ترزح تحت الاستعمار أو العنصرية , ولذلك تحولت دار السلام في عهده إلى واحدة من أهم عواصم التحرر الإفريقي , فقد استضافت مكاتب وقيادات حركات التحرر في موزمبيق وأنغولا وناميبيا وزيمبابوي وجنوب إفريقيا.
ومن دار السلام انطلقت جهود سياسية ودبلوماسية وعسكرية دعمت نضال:
- سامورا ماشيل في موزمبيق.
- سام نجوما في ناميبيا.
- روبرت موجابي في زيمبابوي.
- المؤتمر الوطني الإفريقي بقيادة نيلسون مانديلا في جنوب إفريقيا.
وكان نيريري يعتبر أن حرية تنزانيا غير مكتملة ما لم تتحرر القارة بأكملها من الاستعمار والعنصرية.
وفي هذه المرحلة نسج علاقة وثيقة مع الزعيم جمال عبد الناصر، الذي جعل من القاهرة مركزًا رئيسيًا لدعم حركات التحرر الوطني الإفريقية , وقد جمع الرجلين إيمان راسخ بأن مستقبل إفريقيا يعتمد على التضامن بين شعوبها ودولها، وأن معركة الاستقلال لا يمكن أن تُخاض بشكل منفرد.
وكان نيريري من القادة الذين شاركوا إلى جانب عبد الناصر وكوامي نكروما وهيلا سيلاسي وكينيث كاوندا وأحمد بن بلة في صياغة المشروع الإفريقي المشترك الذي تُوج بتأسيس منظمة الوحدة الإفريقية في أديس أبابا عام 1963 , وقد لعب دورًا مهمًا في تقريب وجهات النظر بين التيارات المختلفة داخل القارة، مؤمنًا بأن الوحدة الإفريقية ليست حلمًا رومانسيًا بل ضرورة استراتيجية.
ومن الجوانب التي أكسبته احترام الأفارقة والعالم أنه قدم نموذجًا نادرًا في ممارسة السلطة. فعلى الرغم من مكانته التاريخية والشعبية الكبيرة، قرر عام 1985 التنحي طوعًا عن الرئاسة، مؤكدًا أن تداول المسؤولية جزء من بناء الدولة الحديثة , وقد ظل بعد ذلك مرجعًا أخلاقيًا وسياسيًا للقارة الإفريقية، يُستشار في الأزمات الكبرى ويحظى باحترام القادة والشعوب على السواء.
وعندما اندلعت أزمات في رواندا وبوروندي ومنطقة البحيرات العظمى، لعب أدوارًا مهمة في جهود الوساطة والمصالحة، مؤكدًا أن رسالته لم تكن مرتبطة بمنصب أو سلطة، بل بخدمة إفريقيا وقضاياها.
وعند رحيله عام 1999، لم تفقد تنزانيا رئيسها المؤسس فحسب، بل فقدت إفريقيا أحد أبرز حكمائها وآبائها المؤسسين , فقد كان رجل دولة ومفكرًا ومربيًا في آن واحد، جمع بين النضال الوطني والرؤية القارية والالتزام الأخلاقي.
لقد استحق جوليوس نيريري لقب “المعلم” لأنه لم يحرر وطنه فقط، بل ساهم في تعليم جيل كامل من الأفارقة معنى الاستقلال والمسؤولية والوحدة , وبين القاهرة ودار السلام وأديس أبابا امتدت مسيرته لتصبح جزءًا أصيلًا من قصة إفريقيا الحديثة، تلك القصة التي كتبتها شعوب آمنت بحريتها وقادة آمنوا بقارتهم.
ولهذا بقي نيريري في الذاكرة الإفريقية ليس فقط مؤسسًا لتنزانيا، بل ضميرًا للقارة ورمزًا للحكمة والنزاهة والتضامن الإفريقي.


إقرأ المزيد




