السفير دكتور محمد حجازي يكتب : الجزائر والقاهرة… عندما التقت ثورتان في معركة واحدة ” 5 ”

لم تكن الثورة الجزائرية حدثًا وطنيًا معزولًا داخل حدود الجزائر، بل شكّلت منذ اندلاعها عام 1954 قضية أفريقية بامتياز، اختبرت فيها القارة قدرتها على التضامن، واختبرت فيها القاهرة رؤيتها لدورها القاري. وفي هذه اللحظة التاريخية، التقت الثورة الجزائرية مع التجربة المصرية في مواجهة الاستعمار، ليتحوّل هذا الالتقاء إلى شراكة نضالية كاملة جعلت من القاهرة قاعدة خلفية أساسية لواحدة من أعنف حروب التحرر في أفريقيا.
جاء الدعم المصري للثورة الجزائرية منسجمًا مع عقيدة سياسية تبنّتها مصر بعد ثورة يوليو، وقادها جمال عبد الناصر، تقوم على أن معركة التحرر لا تتجزأ، وأن سقوط الاستعمار في أي بقعة من أفريقيا يقرّب القارة كلها من الاستقلال. ومن هذا المنطلق، لم تتعامل القاهرة مع الجزائر كملف خارجي، بل كجزء من معركة مصير مشتركة.
فتحت القاهرة أبوابها لقيادات جبهة التحرير الوطني الجزائرية، وفي مقدمتهم أحمد بن بلة، وتحولت إلى مركز سياسي وإعلامي ودبلوماسي لدعم الثورة. ومن القاهرة، جرى التعريف بالقضية الجزائرية في المحافل الدولية، وتدويل الصراع باعتباره قضية تصفية استعمار لا “شأنًا داخليًا” فرنسيًا، كما حاولت باريس الترويج.
لم يقتصر الدور المصري على الدعم السياسي والإعلامي، بل امتد إلى الدعم العملي والتنظيمي، في إطار شبكة تضامن أفريقية–عربية أوسع. فقد أدركت القاهرة أن نجاح الثورة الجزائرية سيشكّل ضربة قاصمة لبقايا الاستعمار في شمال أفريقيا وغربها، وسيبعث برسالة قوية إلى شعوب القارة بأن الاستقلال ممكن مهما بلغت كلفة المواجهة.
وكانت القاهرة في تلك المرحلة منبرًا لصوت الجزائر، كما كانت من قبل منبرًا لصوت أفريقيا. ومن خلال الإعلام، والاتصالات الدبلوماسية، والعلاقات التي نسجتها مصر مع قادة التحرر الأفريقي، تحوّلت القضية الجزائرية إلى قضية رأي عام أفريقي ودولي. ولم يكن هذا التحوّل سهلًا، إذ واجه ضغوطًا سياسية وتهديدات مباشرة، لكن القاهرة اختارت الاستمرار، إدراكًا منها أن التراجع في مثل هذه اللحظات يعني تقويض فكرة التضامن القاري برمتها.
هذا وقد مثل الالتقاء بين القاهرة والجزائر نموذجًا نادرًا في تاريخ التحرر الأفريقي، حيث تجاوزت الدولة المستقلة حديثًا منطق الحسابات الضيقة، ووضعت ثقلها السياسي في خدمة ثورة لم تكن قد حققت استقلالها بعد. وقد أسهم هذا الدعم في تعزيز شرعية جبهة التحرير الوطني، وفي تقليص قدرة الاستعمار الفرنسي على عزل الثورة أو تشويهها.
ومع استقلال الجزائر عام 1962، لم تُطوَ صفحة هذا الالتقاء، بل تحوّلت إلى ركيزة في بناء الدور الجزائري داخل أفريقيا، وفي دعم مسار منظمة الوحدة الأفريقية لاحقًا. وهكذا، لم تكن العلاقة بين القاهرة والجزائر علاقة ظرفية فرضتها ظروف الحرب، بل علاقة تأسيسية أسهمت في صياغة جزء من الوعي الأفريقي المعاصر.
إن استعادة هذا الفصل اليوم تحمل دلالة خاصة، لأنها تذكّر بأن القاهرة لم تكن عاصمة للنضال الأفريقي بالخطاب فقط، بل بالفعل والمخاطرة وتحمل الكلفة. فقد التقت ثورتان، وتشاركتا الخطر والأمل، وأسهمتا معًا في تغيير وجه القارة.

الحلقة السادسة من السلسلة، تُبرز كيف انتقلت القاهرة من قيادة التضامن إلى تأسيس المؤسسة القارية.
إقرأ المزيد :




