أخبار عاجلةالرأي

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : « إذاعة صوت أفريقيا »… عندما تحوّل الأثير إلى جبهة تحرر عابرة للحدود ” 4 “

في معارك التحرر الوطني، لا يقل السلاح المعنوي أثرًا عن السلاح العسكري، ولا تقل الكلمة خطورة عن الرصاصة. وقد أدركت القاهرة هذه الحقيقة مبكرًا، فإلى جانب احتضانها لقيادات حركات التحرر الأفريقية وتوفيرها منصات سياسية وتنظيمية لهم، استخدمت الإعلام بوصفه أداة استراتيجية في معركة الوعي والتحرر. وفي قلب هذا الدور، برزت إذاعة «صوت أفريقيا» كواحدة من أهم أدوات الكفاح السلمي ضد الاستعمار في القارة السمراء.

جاء تأسيس «صوت أفريقيا» في سياق رؤية شاملة صاغتها مصر في عهد جمال عبد الناصر، انطلاقًا من قناعة بأن الاستعمار لا يسيطر بالقوة العسكرية فقط، بل عبر احتكار السردية وتشويه الوعي وفرض خطاب الهزيمة. ومن هنا، كان كسر هذا الاحتكار هدفًا مركزيًا، لا يقل أهمية عن الدعم السياسي أو الدبلوماسي أو حتى اللوجستي.

بثّت «صوت أفريقيا» من القاهرة بلغات أفريقية متعددة، لتصل رسائلها إلى شعوب ما زالت خاضعة للاستعمار في غرب وشرق وجنوب القارة. لم تكن الإذاعة مجرد وسيلة إخبارية، بل منبرًا تحرريًا يقدّم خطابًا بديلًا، يزرع الثقة في النفس، ويُعيد الاعتبار لفكرة الاستقلال، ويكسر عزلة حركات التحرر التي حاولت القوى الاستعمارية فرضها عليها.

من خلال هذا الأثير، سمع الأفارقة أصوات قادتهم، وتعرّفوا على تجارب شعوب أخرى في التحرر، واكتشفوا أن معركتهم ليست منعزلة ، بل جزء من مسار قاري أوسع، لذا كانت الرسالة واضحة: الاستعمار ليس قدرًا، والتحرر ممكن، والتضامن الأفريقي حقيقة ملموسة لا شعارًا عاطفيًا.

لم يكن هذا الدور الإعلامي منفصلًا عن العلاقات التي نسجتها القاهرة مع قادة التحرر الأفريقي، مثل كوامي نكروما و**أحمد سيكوتوريه** وغيرهما، الذين أدركوا قيمة الإعلام في معركة بناء الوعي الوطني. فقد شكّلت القاهرة حلقة وصل بين هذه القيادات والجماهير، وحوّلت الرسائل السياسية إلى خطاب جماهيري عابر للحدود.

نظرت القوى الاستعمارية إلى «صوت أفريقيا» بقلق بالغ، واعتبرتها أداة تحريض تهدد سيطرتها المعنوية قبل السياسية. ولم يكن هذا القلق من فراغ؛ فالإذاعة أسهمت في كسر حاجز الخوف، وفي فضح الممارسات الاستعمارية، وفي دعم شرعية حركات التحرر في الوعي العام الأفريقي. وهنا، يتجلّى بوضوح كيف تحوّل الإعلام من وسيلة اتصال إلى ساحة مواجهة استراتيجية.

لذا ، تكتسب تجربة «صوت أفريقيا» دلالة خاصة لأنها عبّرت عن إدراك مصري مبكر لمفهوم القوة الناعمة قبل أن يصبح مصطلحًا شائعًا في الأدبيات السياسية. فقد استخدمت مصر صوتها وإمكاناتها الإعلامية لتعزيز استقلال القارة، دون فرض وصاية أو وصم هذا الدعم بأي مقابل سياسي مباشر، ما أكسب القاهرة مصداقية واسعة في الوجدان الأفريقي.

اليوم، ومع تصاعد حروب المعلومات والتضليل الإعلامي، تبدو تجربة «صوت أفريقيا» أكثر راهنية من أي وقت مضى. فهي تذكير بأن معركة الوعي لا تقل خطورة عن معارك السلاح، وأن القاهرة، حين جعلت من الإعلام أداة تحرر، أسهمت في صياغة جزء أساسي من الوعي الأفريقي الحديث، ورسّخت موقعها كعاصمة للنضال لا بالبيانات وحدها، بل بالكلمة الحرة.

picture2 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : « إذاعة صوت أفريقيا »… عندما تحوّل الأثير إلى جبهة تحرر عابرة للحدود " 4 "

نسخة من البوم 2026 05 21T141927.783 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : « إذاعة صوت أفريقيا »… عندما تحوّل الأثير إلى جبهة تحرر عابرة للحدود " 4 "

Screenshot ٢٠٢٦ ٠٥ ١٢ ٢١ ٣٦ ١٤ ٢٥ 96b26121e545231a3c569311a54cda96 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : « إذاعة صوت أفريقيا »… عندما تحوّل الأثير إلى جبهة تحرر عابرة للحدود " 4 "

الحلقة الخامسة من السلسلة، تُبرز أحد أكثر فصول الدور المصري عمقًا وتأثيرًا في أفريقيا: التقاء ثورتين في معركة واحدة.

 

إقرأ المزيد :

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : أحمد سيكوتوريه وغينيا… الاستقلال الصعب والدعم المصري ” 3 “

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى