السفير دكتور محمد حجازي يكتب : أحمد سيكوتوريه وغينيا… الاستقلال الصعب والدعم المصري ” 3 “

مثّلت لحظة استقلال غينيا عام 1958 واحدة من أكثر اللحظات جرأة في تاريخ التحرر الأفريقي، ليس فقط لأنها كسرت إرادة القوة الاستعمارية الفرنسية في غرب أفريقيا، بل لأنها دشّنت مسارًا جديدًا للاستقلال يقوم على القرار الوطني الحر مهما كانت كلفته. وفي قلب هذه اللحظة، برز اسم أحمد سيكوتوريه بوصفه زعيمًا اختار المواجهة بدل المساومة، ووجد في القاهرة سندًا سياسيًا ومعنويًا حاسمًا في واحدة من أكثر مراحل الاستقلال الأفريقي صعوبة.
حين صوّت الشعب الغيني بـ«لا» في الاستفتاء الذي طرحته فرنسا ضمن مشروع “الجماعة الفرنسية”، كان ذلك قرارًا غير مسبوق في أفريقيا الفرنكوفونية. جاء الرد الاستعماري قاسيًا: انسحاب إداري مفاجئ، تفريغ للمؤسسات، قطع للمساعدات، ومحاولة خنق الدولة الوليدة اقتصاديًا وسياسيًا. في تلك اللحظة الحرجة، أدركت القاهرة أن استقلال غينيا ليس شأنًا محليًا، بل اختبارًا لإرادة أفريقيا بأسرها.
تحركت مصر، بقيادة جمال عبد الناصر، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن نجاح التجربة الغينية أو فشلها سيبعث برسالة إلى بقية القارة: إما أن الاستقلال ممكن، أو أن كلفته أعلى من أن تُحتمل. ومن هنا، لم يكن الدعم المصري لغينيا دعمًا تضامنيًا عابرًا، بل قرارًا استراتيجيًا لحماية فكرة التحرر ذاتها.
قدّمت القاهرة دعمًا سياسيًا مكثفًا لغينيا في المحافل الدولية، وساهمت في كسر عزلتها، وفتحت منابرها الإعلامية لإيصال صوت كوناكري إلى العالم، مؤكدة أن ما جرى في غينيا هو تعبير شرعي عن إرادة شعب. كما وفّرت مصر منصات للتواصل والتنسيق بين سيكوتوريه وقادة حركات التحرر الأفريقية، في سياق شبكة دعم كانت القاهرة أحد محاورها الرئيسية.
تميّزت العلاقة بين عبد الناصر وسيكوتوريه بكونها شراكة مبادئ قبل أن تكون تحالف مصالح. فقد جمعتهما قناعة مشتركة بأن الاستقلال السياسي لا يكتمل دون استقلال اقتصادي وثقافي، وأن الضغوط الخارجية، مهما بلغت شدتها، لا يجب أن تُفضي إلى التراجع عن خيار السيادة. وفي هذا الإطار، شكّلت القاهرة ملاذًا سياسيًا ومعنويًا للقيادة الغينية في سنواتها الأولى، وأسهمت في تثبيت حضور غينيا داخل الفضاء الأفريقي والدولي.
لم تكن تجربة غينيا سهلة، ولم تكن خالية من التحديات والضغوط، لكن دلالتها التاريخية ظلت عميقة. فقد أظهرت أن الدعم القاري المتبادل قادر على تقليص كلفة الاستقلال، وأن القاهرة كانت مستعدة لتحمّل نصيبها من هذه الكلفة دفاعًا عن مشروع تحرري أوسع. ومن هذه الزاوية، اكتسبت العلاقة المصرية–الغينية بُعدًا رمزيًا جعلها نموذجًا يُحتذى في التضامن الأفريقي.
اليوم، ومع إعادة طرح أسئلة السيادة والاستقلال في أفريقيا في ظل تنافس دولي متصاعد، تكتسب تجربة غينيا وسيكوتوريه بدعم مصري واضح أهمية متجددة. فهي تذكير بأن التحرر لا يُمنح، بل يُنتزع، وأن العواصم التي امتلكت شجاعة المساندة في لحظات الاختبار، كانت هي نفسها التي أسهمت في رسم ملامح أفريقيا المستقلة.



في الحلقة الرابعة القادمة تُبرز أحد أكثر أدوار القاهرة تأثيرًا وعمقًا في مسار التحرر الأفريقي: الإعلام كسلاح تحرر.
- السفير دكتور محمد حجازي .. مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية .
إقرأ المزيد :
الجمعية الأفريقية: ٥ شارع أحمد حشمت – الزمالك .. عندما كانت القاهرة مقرًّا لحركات التحرر الأفريقية



