أخبار عاجلةالرأي

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : محمد فائق… “وزير إفريقيا” الذي حمل رسالة القاهرة إلى القارة السمراء

في تاريخ العلاقات المصرية الإفريقية، ارتبطت أسماء كثيرة بمرحلة دعم حركات التحرر الوطني، لكن اسم محمد فائق يظل واحدًا من أكثرها حضورًا وتأثيرًا,  فقد كان رجل الدولة الذي كرّس حياته لتعزيز الروابط بين مصر وإفريقيا، حتى أصبح يُعرف في الأوساط السياسية والإفريقية بلقب “وزير إفريقيا”، لما اضطلع به من دور محوري في دعم حركات التحرر، وبناء العلاقات مع الدول الإفريقية المستقلة، وترسيخ الحضور المصري في القارة.
وإذا كان فتحي الديب قد قاد، من خلف الكواليس، الجانب الاستراتيجي لدعم حركات التحرر، فإن محمد فائق كان الوجه السياسي والإعلامي والمؤسسي لهذا الدعم، وحلقة الوصل المباشرة بين القيادة المصرية وزعماء القارة.
ولد محمد فائق عام 1929، وانضم مبكرًا إلى تنظيم الضباط الأحرار، وشارك في ثورة 23 يوليو 1952, وبعد نجاح الثورة، اختاره الرئيس جمال عبد الناصر ليكون من أقرب معاونيه في الملفات الإفريقية، إدراكًا لما يتمتع به من رؤية سياسية وقدرة على بناء الثقة مع القيادات الإفريقية.
ومع تصاعد موجة التحرر الوطني في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، أوكل إليه عبد الناصر مسؤولية متابعة الشؤون الإفريقية، ليصبح المسؤول الأول عن التنسيق مع حركات التحرر، وزعماء الدول الإفريقية الناشئة، في مرحلة كانت القاهرة فيها عاصمةً للنضال الإفريقي ومركزًا لإسناد الشعوب الساعية إلى الاستقلال.
كان محمد فائق حاضرًا في معظم المحطات المفصلية للتحرر الإفريقي، حيث أقام علاقات وثيقة مع كبار القادة الأفارقة، وفي مقدمتهم نيلسون مانديلا، وجوليوس نيريري، وكوامي نكروما، وأحمد سيكو توري، وجومو كينياتا، وكينيث كاوندا، وأميلكار كابرال، وسام نجوما، وأجوستينيو نيتو، وأوليفر تامبو، وغيرهم من قادة التحرر الذين وجدوا في القاهرة سندًا سياسيًا وإعلاميًا ودبلوماسيًا.
ولم يقتصر دوره على الاتصالات السياسية، بل كان أحد مهندسي منظومة الدعم المصري لحركات التحرر، التي شملت توفير المنح الدراسية، والتدريب، والرعاية الإعلامية، والمساعدات الفنية، واستقبال قادة الحركات في القاهرة، التي أصبحت منصة للحوار والتنسيق بين حركات التحرر الإفريقية.
كما لعب دورًا بارزًا في تطوير إذاعة صوت إفريقيا والإذاعات الموجهة بلغات القارة المختلفة، لتكون وسيلة للتواصل مع الشعوب الإفريقية، وتعزيز قيم التحرر والوحدة، إلى جانب الدور التاريخي الذي أدته إذاعة صوت العرب في دعم قضايا التحرر الوطني.
وعقب إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963، كان محمد فائق من أبرز المسؤولين المصريين الذين عملوا على توثيق التعاون مع المنظمة، وتعزيز مشاركة مصر في صياغة السياسات الإفريقية المشتركة، بما رسخ مكانة القاهرة كأحد أهم مراكز العمل الإفريقي.
وفي عام 1970، عُين وزيرًا للإعلام، واستمر في الدفاع عن القضايا الإفريقية والعربية، مؤمنًا بأن الإعلام شريك أساسي في معركة التحرر والتنمية، وأن بناء الوعي لا يقل أهمية عن بناء الجيوش.
وبعد سنوات من العمل التنفيذي، واصل رسالته من خلال المجتمع المدني والفكر، فأسس وترأس الجمعية المصرية الإفريقية، التي أصبحت إحدى أهم المؤسسات الأهلية المعنية بتعزيز العلاقات المصرية الإفريقية، وتنظيم المؤتمرات والندوات، واستقبال الوفود، ودعم التعاون الثقافي والاقتصادي والعلمي بين مصر ودول القارة.
كما تولى رئاسة المجلس القومي لحقوق الإنسان، حيث عمل على ترسيخ ثقافة الحقوق والحريات، جامعًا بين خبرته السياسية وإيمانه بقيم العدالة والكرامة الإنسانية.
ترك محمد فائق عددًا من الكتب والمذكرات التي وثقت مرحلة فارقة من تاريخ العلاقات المصرية الإفريقية، ويأتي في مقدمتها كتابه «عبد الناصر والثورة الإفريقية»، الذي يعد من أهم المراجع لفهم الدور المصري في مساندة حركات التحرر الوطني، ويكشف كثيرًا من تفاصيل الاتصالات واللقاءات التي صنعت تاريخ القارة في النصف الثاني من القرن العشرين.
ورغم تغير الظروف الدولية، ظل محمد فائق حتى سنواته الأخيرة يدافع عن أهمية استعادة العمق الإفريقي للسياسة المصرية، وكان يؤكد أن مستقبل مصر لا ينفصل عن مستقبل إفريقيا، وأن ما جمع شعوب القارة في معركة التحرر يجب أن يتحول إلى شراكة في التنمية والتكامل.
وفي عام 2024، رحل محمد فائق، بعد مسيرة امتدت لأكثر من سبعة عقود في خدمة الوطن والقارة الإفريقية، تاركًا إرثًا دبلوماسيًا وسياسيًا وإنسانيًا كبيرًا، وشاهدًا على العصر الذهبي للعلاقات المصرية الإفريقية.
لقد كان محمد فائق أحد أبرز صناع القوة الناعمة المصرية في إفريقيا، وأحد الرجال الذين حافظوا على شعلة التضامن الإفريقي التي انطلقت من القاهرة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، فاستحق بجدارة أن يبقى اسمه جزءًا أصيلًا من تاريخ “القاهرة عاصمة النضال الإفريقي .

 

نسخة من البوم 2026 08 08T200524.766 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : محمد فائق… "وزير إفريقيا" الذي حمل رسالة القاهرة إلى القارة السمراء نسخة من البوم 2026 08 08T200440.712 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : محمد فائق… "وزير إفريقيا" الذي حمل رسالة القاهرة إلى القارة السمراء نسخة من البوم 2026 08 08T200345.733 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : محمد فائق… "وزير إفريقيا" الذي حمل رسالة القاهرة إلى القارة السمراء

 

WhatsApp Image 2026 07 27 at 6.59.12 PM السفير دكتور محمد حجازي يكتب : محمد فائق… "وزير إفريقيا" الذي حمل رسالة القاهرة إلى القارة السمراءWhatsApp Image 2026 07 27 at 7.03.09 PM السفير دكتور محمد حجازي يكتب : محمد فائق… "وزير إفريقيا" الذي حمل رسالة القاهرة إلى القارة السمراء

طالع أيضا :

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : جوزيه إدواردو دوس سانتوس… قائد أنغولا في مرحلة بناء الدولة وتعزيز الشراكة مع القاهرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى