الدكتور عبد الناصر سلم حامد يكتب : ما لا تقوله خريطة السودان .. مصر وإثيوبيا وحسابات الدولة والنيل والنفوذ
ليست أخطر نتائج الحروب هي الحدود التي تتغير، بل تلك التي تبقى في مكانها بينما تتغير الدولة داخلها. وهذا، في تقديري، هو المدخل الأهم لفهم ما يجري في السودان. فخلف المواجهة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع تدور معركة أعمق حول معنى الدولة نفسها: من يحتكر القوة؟ من يملك القرار؟ وهل يخرج السودان من الحرب بسيادة واحدة، أم بسلطات متعددة تتعايش داخل خريطة واحدة؟
لم تعد الأزمة السودانية، بهذا المعنى، شأنًا داخليًا صرفًا. طول الحرب واتساعها أدخلاها في حسابات الجوار، وربطا مستقبل السودان بمعادلات تمتد من وادي النيل إلى القرن الإفريقي والبحر الأحمر , وفي قلب هذه الدائرة تقف مصر وإثيوبيا؛ جاران لا يستطيع أي منهما تجاهل ما يحدث، لكن طريقة كل منهما في قراءة السودان ليست واحدة.
السؤال الذي يشغلني هنا ليس فقط: من يقف مع من؟ الأهم، في رأيي، هو سؤال آخر: أي سودان تحتاج إليه القاهرة، وأي سودان يناسب حسابات أديس أبابا؟
الإجابة تفسر جانبًا كبيرًا من الفارق بين الدورين, فالسودان الضعيف لا يمثل مكسبًا استراتيجيًا لمصر، بل يفتح أمامها سلسلة من المخاطر , أما إثيوبيا فحساباتها أكثر تعقيدًا؛ انهيار السودان الكامل ليس في مصلحتها، لكن عودة دولة سودانية قوية تعني أيضًا عودة جار قادر على ممارسة ثقله في النيل والفشقة وتوازنات القرن الإفريقي.
بالنسبة إلى مصر، تبدأ المسألة من الجغرافيا قبل السياسة, السودان ليس جارًا بعيدًا؛ هناك حدود مباشرة، ونيل مشترك، ومصالح في البحر الأحمر، وحركة بشرية وتجارية ممتدة، فضلًا عن أن السودان يمثل أحد أهم أبواب مصر إلى عمقها الإفريقي , ولهذا يصعب تصور أن يكون انهيار الدولة السودانية مكسبًا للقاهرة.
العكس أقرب إلى الواقع. فكل مساحة تنحسر عنها سلطة الدولة يمكن أن تتحول إلى بيئة للسلاح والتهريب والتدخلات الخارجية، وكل مركز عسكري مستقل يترسخ داخل السودان يضيف قدرًا جديدًا من عدم اليقين إلى الحدود الجنوبية المصرية.
لكن الخطر الأكبر ليس بالضرورة أن يتغير السودان على الخريطة. قد تبقى الحدود كما هي، بينما تتغير الدولة داخلها.
يمكن للسودان أن يحتفظ باسمه وعلمه ومقعده الدولي، ومع ذلك يصبح منقسمًا فعليًا إذا أصبحت هناك قوات وإدارات وموارد وعلاقات خارجية تعمل بعيدًا عن مركز واحد للسيادة. عندها نكون أمام دولة واحدة من الناحية القانونية، لكن أمام أكثر من سلطة فعلية على الأرض.
ومن هنا أفهم إصرار القاهرة على وحدة السودان ورفض الكيانات الموازية, فقد جددت مصر في يونيو 2026 دعمها لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، ورفضت إقامة كيانات موازية، بالتوازي مع الدعوة إلى هدنة إنسانية تقود إلى وقف مستدام لإطلاق النار وعملية سياسية سودانية.
هذا الموقف، في قراءتي، يتجاوز مسألة الاصطفاف مع طرف سوداني ضد آخر , القضية هي ألا تتحول خطوط الحرب إلى حدود سياسية، وألا تصبح السيطرة العسكرية المؤقتة أساسًا لشرعيات موازية للدولة.
فالحروب الطويلة لا تنتج جبهات فقط. مع الوقت تنشأ حول مناطق السيطرة إدارات ومصالح اقتصادية وشبكات تمويل وعلاقات مع الخارج ,وإذا استمر ذلك سنوات، فقد يجد السودان نفسه أمام أخطر أنواع التقسيم: تقسيم حدث بالفعل قبل أن يعلنه أحد.
وهذا يفسر جانبًا مهمًا من المقاربة المصرية , فالقاهرة تراهن على إعادة تجميع السيادة داخل الدولة، لا على إدارة توازن دائم بين مراكز مسلحة متنافسة, مصر تحتاج إلى جهة سودانية واحدة تستطيع ضبط الحدود والتحدث باسم السودان في ملفات النيل والأمن والتجارة والبحر الأحمر.
وهناك جانب آخر لا يأخذ حقه دائمًا في قراءة الموقف المصري , مصر تحملت بالفعل جزءًا كبيرًا من التداعيات الإنسانية للحرب باستقبال أعداد ضخمة من السودانيين الفارين منها , وبحلول منتصف 2026 كان مئات الآلاف من السودانيين مسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر، فضلًا عن أعداد أكبر دخلت البلاد منذ اندلاع القتال.
وهذه ليست مسألة إنسانية منفصلة عن السياسة ,ضعف السودان لا يبقى داخل حدوده؛ جزء من كلفته يصل إلى مصر مباشرة . والعكس صحيح: عودة الدولة والاستقرار في السودان تخفف عن القاهرة أعباء لا تستطيع الجغرافيا أن تعزلها عنها.
لهذا لا تحتاج إيجابية الدور المصري إلى كثير من المبالغة في وصفها , بنية المصالح نفسها تقول الكثير, مصر لا تستفيد من استمرار النزوح، ولا من انتشار السلاح، ولا من تعدد السلطات على حدودها , السيناريو الأكثر اتساقًا مع أمنها هو أن يستعيد السودان دولة تستطيع ضبط أرضها وحدودها وإدارة مواردها واتخاذ قرارها.
بل إن الفرصة المصرية الأكبر ربما تبدأ بعد الحرب.
السودان سيحتاج إلى طرق وكهرباء وسكك حديدية ومستشفيات ومدارس، وإلى إعادة تشغيل الزراعة والصناعة والتجارة, وهنا تمتلك مصر أدوات مختلفة: القرب الجغرافي، والسوق، والطاقة، والنقل، والتعليم، والصحة، والخبرة في مشروعات البنية الأساسية، فضلًا عن الروابط الإنسانية بين الشعبين.
إذا تحولت هذه العناصر إلى مشروعات ومصالح حقيقية، تستطيع القاهرة الانتقال من دعم بقاء الدولة أثناء الحرب إلى المشاركة في استعادة قدرتها بعدها, وهذا النوع من النفوذ، في رأيي، أبقى من النفوذ الذي تصنعه ساحات القتال؛ لأن الطرق والتجارة والكهرباء والمصالح اليومية بين مجتمعين تعيش عادة أطول من موازين الحرب.
لكن الصورة لا تكتمل من القاهرة وحدها.
عندما ننظر إلى السودان من زاوية الحسابات الإثيوبية، تصبح المعادلة أكثر تعقيدًا , لا أعتقد أن من الدقة القول إن أديس أبابا تريد انهيار السودان؛ فالفوضى الكاملة على حدودها الغربية ستجلب إليها السلاح واللاجئين وعدم الاستقرار, لكن السودان بالنسبة إلى إثيوبيا ليس مجرد جار تريد له الهدوء. هناك النيل وسد النهضة، والفشقة، وبني شنقول–قمز، ومصر وإريتريا، ثم توازنات القرن الإفريقي.
لذلك لا يتوقف السؤال الإثيوبي عند: هل يستقر السودان؟ هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا استعاد السودان قوته، ماذا سيفعل بهذه القوة؟
السودان الذي يستعيد مؤسساته واقتصاده وقدرته على اتخاذ القرار سيكون أكثر حضورًا في ملف النيل، وأكثر قدرة على إدارة موقفه في الفشقة، وأكثر حرية في بناء علاقاته الإقليمية, وإذا اقترنت هذه العودة بعلاقة قوية مع مصر، فستكون أديس أبابا أمام جار مختلف عن السودان الذي أنهكته الحرب.
هنا تكمن المفارقة. إثيوبيا تحتاج إلى ألا ينهار السودان، لكنها ليست بالضرورة مرتاحة إلى كل النتائج التي يمكن أن تنتج عن عودة دولة سودانية قوية , هناك فرق بين أن تريد لجارك الاستقرار، وبين أن تكون مرتاحًا إلى استعادته كامل قدرته على التأثير.
وزادت حساسية هذه المسألة بعد تحقيق نشرته رويترز في فبراير 2026، أفاد بوجود معسكر في إقليم بني شنقول–قمز الإثيوبي لتدريب مقاتلين لصالح قوات الدعم السريع, وقال التحقيق إن نحو 4300 مقاتل كانوا يتدربون هناك مطلع يناير، مستندًا إلى مصادر ووثائق وصور أقمار صناعية.
ولا أرى أن هذه المعلومات تسمح وحدها بالقول إن إثيوبيا تريد تقسيم السودان. هذا استنتاج يتعلق بالنوايا ويحتاج إلى أدلة مختلفة, لكن هناك سؤالًا مشروعًا لا يمكن تجاوزه: ما أثر مثل هذا التحرك على الأرض؟
إذا حصلت قوة مسلحة موازية للدولة على مزيد من المقاتلين والتدريب، فإن قدرتها على مواصلة الحرب ترتفع, وإذا طال بقاؤها، طال معه عمر الانقسام العسكري والسياسي.
وهنا يظهر فارق مهم بين المسارين, القاهرة تراهن على إعادة تجميع السيادة داخل الدولة السودانية، بينما يثير ما كشفه تحقيق رويترز بشأن إثيوبيا سؤالًا جديًا حول أثر هذه التحركات في تعزيز قدرة قوة عسكرية موازية للدولة على الاستمرار.
ولا نحتاج إلى افتراض النوايا لكي نلاحظ الفارق بين النتيجتين.
ثم يأتي النيل, الحرب السودانية ليست حربًا بسبب سد النهضة، ومن الخطأ اختزالها في ذلك, لكن السودان المنهك أقل قدرة على ممارسة ثقله في حوض النيل من السودان المستقر, والأمر نفسه ينطبق على الفشقة؛ فالدولة التي تستعيد مؤسساتها واقتصادها ودبلوماسيتها تستطيع الدفاع عن مصالحها بصورة مختلفة عن دولة تستنزفها حرب داخلية.
وعندما نضع النيل والفشقة وبني شنقول وإريتريا في صورة واحدة، يظهر سؤال أكبر بالنسبة إلى أديس أبابا: ما مقدار القوة التي سيستعيدها السودان بعد الحرب، وأين سيضعها في ميزان الإقليم؟
لكن لهذا الحساب مخاطره أيضًا ,فالحروب تنتهي، بينما تبقى ذاكرة الشعوب, وإذا ترسخ لدى قطاعات من السودانيين انطباع بأن إثيوبيا دعمت قوة موازية للدولة في لحظة كانت فيها وحدة البلاد مهددة، فقد يتحول ما يبدو مكسبًا تكتيكيًا إلى عبء استراتيجي.
فالنفوذ لدى فصيل لا يساوي النفوذ لدى دولة.
ما لا تقوله الخريطة
في النهاية، لا أرى أن المقارنة الحقيقية بين مصر وإثيوبيا تُقاس فقط بحجم نفوذ كل منهما داخل السودان اليوم , الأهم هو ما الذي تمثله نهاية الحرب في حسابات الطرفين.
بالنسبة إلى مصر تبدو المعادلة واضحة ,السودان الذي يستعيد دولته ومؤسساته وقراره ليس جارًا ينبغي إضعافه، بل جارًا تحتاج القاهرة إلى استقراره , الدولة السودانية القادرة تعني حدودًا أكثر أمنًا، ونزوحًا أقل، ومساحة أضيق أمام السلاح والتدخلات الخارجية، وفرصًا أوسع للتجارة والطاقة والنقل وإعادة الإعمار.
أما إثيوبيا، فالمعادلة أكثر تركيبًا, فهي لا تحتاج إلى انهيار السودان، لكن عودة السودان بكامل ثقله تعني عودة لاعب مؤثر في النيل والفشقة والقرن الإفريقي.
وهنا، بالنسبة لي، تكمن المسافة الحقيقية بين الحسابين.
مصر لا تحتاج إلى ضعف السودان لكي تكون أقوى فيه؛ بل تحتاج إلى سودان أقوى لكي تكون أكثر أمنًا بجواره.
ولهذا فإن السؤال الذي سيبقى عندما تتوقف المدافع لن يكون فقط من انتصر في مدينة، أو من سيطر على طريق . السؤال الأهم سيكون: من يمتلك القرار السوداني؟
إذا عادت الإجابة إلى دولة واحدة، بمؤسسات واحدة وسيادة لا ينازعها سلاح موازٍ، سيكون السودان قد بدأ بالفعل الخروج من الحرب, وعندها ستصبح المواقف الإقليمية أكثر وضوحًا.
فالقاهرة لا تحتاج إلى خريطة سودانية جديدة، ولا إلى سلطات متعددة على حدودها، ولا إلى جار يستمد الآخرون نفوذهم من ضعفه , ما تحتاج إليه هو السودان نفسه: موحدًا، مستقرًا، قادرًا على حماية أرضه واتخاذ قراره واستعادة دولته.
وبين من يرى قوته في عودة السودان، ومن قد يجد بعض أوراقه في هشاشته، تكمن الحقيقة الأعمق التي لا تقولها الخريطة.
- الدكتور عبد الناصر سلم حامد .. مدير برنامج السودان وشرق أفريقيا بمركز “فوكس السويد” .
طالع أيضا :
الدكتور عبد الناصر سلم حامد يكتب : في عيد الجيش الثاني والسبعين… ما رأيته في الكدرو




