سماح منصور تكتب : نسائم التغيير في القارة السمراء .. كيف تجمع إفريقيا شتات اقتصادها لإنعاش الاستثمار؟

لطالما عُرفت القارة الإفريقية بثرائها الفريد ومواردها الهائلة، لكنها في المقابل ظلت لعقود طويلة تعاني من مفارقة غريبة: أرض غنية بالفرص، وقلة في تدفقات رؤوس الأموال. والسبب لم يكن يوماً نقصاً في الشغف أو الموارد، بل في تجزؤ الأسواق وتعقد الإجراءات بين الحدود.
اليوم، تبدو الصورة مختلفة تماماً؛ فإفريقيا لم تعد تنتظر الحلول من الخارج، بل قررت أن تصنع فرصتها بيديها من خلال تكتلاتها الاقتصادية وعملها الجماعي المشترك.
رحلة البحث عن سوق واحدة
عندما تنظر إلى القارة الإفريقية اليوم، تجد أن فكرة “العمل الفردي” أصبحت من الماضي , التكتلات الإقليمية مثل “الكوميسا” في الشرق والجنوب، و”الإيكواس” في الغرب، و”مجموعة شرق إفريقيا”، أدركت أن المستثمر العالمي لا ينجذب لدولة صغيرة بمفردها، بل ينجذب لسوق قاري واسع يضم أكثر من مليار و 300 مليون مستهلك.
ومن هنا جاء الحلم الأكبر: منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA). هذه الاتفاقية لم تكن مجرد حبر على ورق، بل توجت بإطلاق بروتوكول الاستثمار الموحد , هذا البروتوكول يمثل رسالة طمأنة لكل مستثمر: “قواعد اللعبة أصبحت واحدة، وحقوقك محمية عبر القارة بأكملها دون الحاجة للدخول في متاهات القوانين المحلية المتباينة”.
شراكات حية على أرض الواقع: قطاعات تشكل المستقبل
ولأن الأرقام والوعود السياسية لا تكفي وحدها لجلب الاستثمار، ترجمت التكتلات الإفريقية هذه الرؤية إلى مشروعات حية تشهدها القارة يومياً عبر قطاعات استراتيجية متعددة:
1- الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر:
تقود القارة تحولاً عالمياً نحو الطاقة النظيفة عبر مبادرات ربط إقليمية؛ حيث تجسد ذلك في “التحالف الإفريقي للهيدروجين الأخضر” والتعاون بين مصر والمغرب وموريتانيا وناميبيا، لبناء مشروعات عملاقة لتوليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وإنتاج الهيدروجين الأخضر لتغذية المصانع القارية والتصدير للخارج.
2- التعدين والصناعات الثقيلة (بطاريات السيارات الكهربائية):
في خطوة غير مسبوقة، قررت زامبيا والمغرب والجمهورية الديمقراطية للكونغو إنشاء منطقة اقتصادية مشتركة لتصنيع بطاريات السيارات الكهربائية. بدلاً من تصدير المعادن النادرة كالبالت والليثيوم خاماً بأرخص الأسعار، اتفقت الدولتان على تصنيعها محلياً لجذب كبرى شركات السيارات العالمية.
3- الممرات اللوجستية والموانئ البحرية:
في شرق وغرب إفريقيا، لم تعد البضائع تقف أياماً طويلة على الحدود. ممر اللوجستيات الشمالي الذي يربط بين ميناء مومباسا في كينيا ودول مثل يوغندا ورواندا، إلى جانب ميناء ليبرفيل وموانئ غرب إفريقيا، خفض تكلفة ونقل البضائع بشكل ملحوظ وجعل الدول المغلقة أكثر جاذبية للاستثمار.
4- البنية التحتية للسياحة والتطوير العقاري القاري:
أطلقت التكتلات الإقليمية تيسيرات لإصدار “التأشيرة الموحدة” (مثل تأشيرة شرق إفريقيا الموحدة)، مما شجع على تطوير مشروعات الفندقة العالمية والمجمعات العمرانية والمدن الذكية عبر حدود الدول، لخدمة حركة السياحة والأعمال البينية.
5- التجارة بالعملات المحلية (منصة PAPSS):
كان المستثمر الإفريقي يواجه عقبة كبرى في توفير العملات الأجنبية للتجارة. اليوم، ومن خلال نظام المدفوعات والتسوية الإفريقي الذي دعمه بنك تصدير واستيراد إفريقيا (Afreximbank)، أصبحت الشركات تستطيع الشراء والاستثمار عبر الحدود باستخدام عملاتها الوطنية بسهولة.
6- الأمن الغذائي والسلاسل الزراعية:
عبر دعم “الممرات الزراعية المشتركة” بجهود الكوميسا، يجري تأسيس مزارع نموذجية ومجمعات لتصنيع الأغذية (مثل التعاون بين مصر والكونغو الديمقراطية) لتأمين الاحتياجات الغذائية القارية وجذب الاستثمارات الزراعية الكبرى.
7- التحول الرقمي والتكنولوجيا المالية (FinTech):
التوسع القاري لنظم الدفع الرقمي وتكامل شبكات الاتصالات شجع كبرى شركات التكنولوجيا المالية العالمية والإقليمية على الاستثمار في بناء بنية رقمية موحدة للخدمات المصرفية.
8- الأمن الصحي والسيادة الدوائية:
إنشاء وكالة الأدوية الإفريقية (AMA) والتنسيق بين التكتلات لتوطين صناعة اللقاحات والأدوية داخل القارة (كما في مصر والمغرب والسنغال)، لتقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي.
نحو مستقبل استثماري واعد
إن تضافر الجهود الإفريقية ليس مجرد شعار سياسي، بل هو ضرورة اقتصادية للحياة. عندما تتكامل التشريعات، وترتبط شبكات الطرق والكهرباء، وتتسهل المعاملات المالية، يصبح الاستثمار في إفريقيا خياراً طبيعياً وليس مجازفة.
إن الشركات المصرية الرائدة والواعدة — من عملاقة البورسلين، والحديد والصلب، إلى قطاعات التشييد والبناء وباقي المحركات الاقتصادية — التي نذكر نجاحاتها اليوم بملء الفم، تضعنا أمام سؤال جوهري: ألم يأن الأوان لبناء نظائر وشراكات لها تعبر الحدود نحو عمقنا الإفريقي؟ ألم يحن الوقت لتكون التجربة والصناعة المصرية حاضرة وبقوة، كعلامة بارزة تقود قطاعات التنمية في قلب القارة السمراء؟
إن القارة تكتب اليوم فصلاً جديداً من تاريخها؛ فصل يعتمد على التكامل بدلاً من الشتات، وعلى بناء الشراكات بدلاً من انتظار المساعدات، وهو ما يجعلها الوجهة الأكثر إثارة للاستثمار في العالم اليوم.
- سماح منصور .. باحث اقتصادي ومتخصصة في الشؤون الإفريقية .
طالع أيضا :




