السفير دكتور محمد حجازي يكتب : والتر سيسولو… مهندس المؤتمر الوطني الإفريقي ورفيق مانديلا الذي وجدت قضيته في القاهرة سندًا ثابتًا

إذا كان نيلسون مانديلا هو الوجه الأشهر للنضال ضد نظام الفصل العنصري، فإن والتر ماكس أوليسيس سيسولو ” والتر سيسولو ” كان العقل التنظيمي الذي أسهم في بناء الحركة الوطنية الجنوب إفريقية، ووضع أسسها السياسية والتنظيمية، حتى استحق لقب “مهندس المؤتمر الوطني الإفريقي”, فقد كرس حياته لبناء المؤسسات، وإعداد القيادات، وتوحيد الصف الوطني، وظل طوال أكثر من نصف قرن أحد أعمدة النضال ضد نظام الأبارتهايد , وكانت القاهرة، التي تبنت منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر قضية التحرر في جنوب إفريقيا، من أوائل العواصم التي دعمت المؤتمر الوطني الإفريقي وقياداته، وفي مقدمتهم سيسولو.
ولد والتر سيسولو في 18 مايو 1912 في بلدة إنغكوبو بإقليم الكيب الشرقي في جنوب إفريقيا , وعاش طفولة صعبة، اضطر خلالها إلى ترك الدراسة مبكرًا والعمل في مهن مختلفة، قبل أن ينتقل إلى جوهانسبرغ، حيث بدأ نشاطه السياسي، مدفوعًا بإدراكه لظلم نظام التمييز العنصري الذي حرم الأغلبية السوداء من أبسط حقوقها.
انضم إلى المؤتمر الوطني الإفريقي (ANC) في أربعينيات القرن الماضي، وكان أحد مؤسسي رابطة شباب المؤتمر عام 1944، إلى جانب نيلسون مانديلا وأوليفر تامبو وأنطون ليمبيدي, وأسهمت هذه المجموعة في نقل المؤتمر من حركة احتجاج محدودة إلى تنظيم جماهيري يقود النضال الوطني ضد سياسات الفصل العنصري.
وكان لسيسولو دور محوري في صياغة ميثاق الحرية عام 1955، الذي أصبح الوثيقة المرجعية للحركة الوطنية الجنوب إفريقية، ودعا إلى المساواة الكاملة بين المواطنين، وإنهاء التمييز العنصري، وإقامة دولة ديمقراطية تقوم على سيادة القانون.
ومع تصاعد القمع الذي مارسته حكومة بريتوريا، شارك سيسولو في تأسيس الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الإفريقي «أومخونتو وي سيزوي» عام 1961، إلى جانب مانديلا، بعد أن وصلت الحركة إلى قناعة بأن المقاومة السلمية وحدها لم تعد كافية في مواجهة العنف المنهجي الذي تمارسه سلطات الفصل العنصري.
وفي عام 1963، ألقت السلطات الجنوب إفريقية القبض عليه مع عدد من قيادات المؤتمر في مزرعة ريفونيا، وخضعوا جميعًا لمحاكمة تاريخية انتهت عام 1964 بالحكم عليهم بالسجن المؤبد. وقضى سيسولو خمسةً وعشرين عامًا في سجن روبن آيلاند إلى جانب نيلسون مانديلا، حيث تحولت الزنازين إلى مدرسة سياسية خرجت منها أجيال من قادة جنوب إفريقيا.
وخلال سنوات سجنه الطويلة، لم تتوقف مصر عن دعم قضية شعب جنوب إفريقيا. فقد جعلت القاهرة من مقاومة الفصل العنصري جزءًا من سياستها الإفريقية، وواصلت دعم المؤتمر الوطني الإفريقي في منظمة الوحدة الإفريقية، والأمم المتحدة، وحركة عدم الانحياز، كما لعبت إذاعة صوت العرب دورًا مهمًا في نقل أخبار المقاومة إلى أنحاء القارة، والدفاع عن حق شعب جنوب إفريقيا في الحرية والمساواة.
وكانت القاهرة أيضًا محطة مهمة لقيادات المؤتمر الوطني الإفريقي في الخارج، حيث استقبلت وفود الحركة، وأسهمت في حشد الدعم السياسي والإعلامي والدبلوماسي لها، في إطار سياسة مصر الثابتة في مساندة حركات التحرر الإفريقية.
أُفرج عن والتر سيسولو عام 1989، قبل أشهر من الإفراج عن نيلسون مانديلا، ليشارك في المفاوضات التي أنهت نظام الفصل العنصري، وأسهم في إعادة بناء المؤتمر الوطني الإفريقي استعدادًا لأول انتخابات ديمقراطية شهدتها البلاد عام 1994.
ورغم أنه لم يسع إلى المناصب التنفيذية، ظل سيسولو مرجعًا أخلاقيًا وسياسيًا للحركة الوطنية، ومصدرًا للحكمة في مرحلة الانتقال الديمقراطي، مؤمنًا بأن المصالحة الوطنية لا تعني نسيان الماضي، بل بناء مستقبل يقوم على العدالة والمساواة.
توفي والتر سيسولو في 5 مايو 2003 عن عمر ناهز واحدًا وتسعين عامًا، بعد أن شهد تحقيق الحلم الذي ناضل من أجله طوال حياته، وهو قيام جنوب إفريقيا الديمقراطية متعددة الأعراق.
وعندما نستعيد اليوم سيرته في إطار سلسلة «القاهرة عاصمة النضال الإفريقي»، فإننا نستعيد أيضًا صفحة مشرقة من التضامن المصري مع شعب جنوب إفريقيا، حين وقفت القاهرة إلى جانب قادة المؤتمر الوطني الإفريقي، سياسيًا ودبلوماسيًا وإعلاميًا، حتى تحقق الاستقلال السياسي وانتهى نظام الفصل العنصري.
لقد لم يكن والتر سيسولو خطيبًا جماهيريًا مثل مانديلا، ولا رئيسًا للدولة، لكنه كان أحد البنائين الحقيقيين للحركة الوطنية الجنوب إفريقية، والرجل الذي أسهم في إعداد جيل كامل من القادة. ولهذا يحتل مكانة بارزة في سلسلة «القاهرة عاصمة النضال الإفريقي»، باعتباره أحد أعمدة التحرر الإفريقي، وأحد القادة الذين ارتبط نضالهم بالدعم المصري المستمر لقضايا الحرية والاستقلال في أفريقيا .


طالع أيضا :




