أخبار عاجلةالرأي

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : إرث جمال عبد الناصر… لماذا بقي حاضرًا في ذاكرة مصر والعرب وإفريقيا ؟

يصعب أن نجد في التاريخ المصري الحديث شخصية أثارت من الجدل، بقدر ما أثاره جمال عبد الناصر, فمنذ رحيله في الثامن والعشرين من سبتمبر 1970، لم تتوقف الدراسات والكتب والمناظرات التي تناولت تجربته، واختلفت المدارس الفكرية في تقييم سياساته، لكن هذا الاختلاف نفسه يعكس حجم تأثيره؛ فالقادة العابرون لا يثيرون مثل هذا الجدل، أما القادة الذين يغيرون مجرى التاريخ، فإن آثارهم تبقى حاضرة في النقاش العام لعقود طويلة.

لقد جاء عبد الناصر في مرحلة انتقالية من تاريخ العالم، تزامنت مع نهاية الإمبراطوريات الاستعمارية التقليدية، وصعود الدولة الوطنية في آسيا وإفريقيا، واحتدام الحرب الباردة , وفي هذا السياق، لم يكتف بإدارة شؤون دولة خرجت حديثًا من حقبة الاحتلال، بل سعى إلى صياغة مشروع وطني يقوم على الاستقلال السياسي، والعدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، مع دور عربي وإفريقي ودولي يتجاوز حدود مصر الجغرافية.

وفي الداخل، أسهمت ثورة يوليو في إعادة تشكيل المجتمع المصري, فقد تغيرت خريطة الملكية الزراعية، واتسعت فرص التعليم، وصعدت شرائح اجتماعية جديدة إلى مواقع المسؤولية، ونمت الصناعة الوطنية، وتوسعت البنية الأساسية، وأصبح للدولة دور رئيسي في التنمية , ورغم أن كثيرًا من هذه السياسات خضع لاحقًا للمراجعة والتطوير، فإنها تركت أثرًا عميقًا في بنية الدولة الحديثة وفي مفهوم العدالة الاجتماعية الذي أصبح جزءًا من الثقافة السياسية المصرية.

أما على الصعيد العربي، فقد ارتبط اسم عبد الناصر بالدفاع عن قضايا التحرر والوحدة والاستقلال، وأصبح رمزًا لجيل كامل رأى في القاهرة مركزًا للحركة القومية العربية , وقد مرت المنطقة منذ ذلك الحين بتحولات كبرى، إلا أن مكانة مصر العربية التي ترسخت في تلك الحقبة ظلت أحد أهم مرتكزات سياستها الخارجية.

وفي إفريقيا، ربما يكون إرث عبد الناصر أكثر وضوحًا مما يدركه كثيرون , فقد كانت القاهرة في عهده مركزًا رئيسيًا لدعم حركات التحرر، ومنها انطلقت مبادرات سياسية وتعليمية وإعلامية أسهمت في استقلال عدد كبير من الدول الإفريقية. كما شاركت مصر في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، ورسخت مفهوم التضامن الإفريقي في مرحلة كانت القارة تخوض معركتها الكبرى ضد الاستعمار والتمييز العنصري.

ولعل هذه التجربة تفسر استمرار الرصيد الذي تتمتع به مصر لدى العديد من الشعوب الإفريقية حتى اليوم, فالعلاقات بين الدول لا تُبنى فقط على المصالح الآنية، وإنما تتشكل أيضًا من الذاكرة التاريخية، ومن المواقف التي تُسجل في لحظات التحول الكبرى. وقد كانت مصر، بقيادة عبد الناصر، حاضرة في تلك اللحظات بالنسبة لكثير من دول القارة.

وعلى المستوى الدولي، أسهم عبد الناصر في تأسيس حركة عدم الانحياز، التي مثلت صوتًا مستقلًا للدول النامية، ودافعت عن حقها في اختيار مساراتها بعيدًا عن الاستقطاب الدولي. ورغم تغير بنية النظام العالمي منذ نهاية الحرب الباردة، فإن المبادئ التي قامت عليها الحركة، وفي مقدمتها احترام السيادة، ورفض الهيمنة، وتعزيز التعاون بين دول الجنوب، ما زالت حاضرة في كثير من النقاشات الدولية المعاصرة.

غير أن القراءة المنصفة لتجربة عبد الناصر تقتضي أيضًا الاعتراف بأنها لم تكن خالية من الإخفاقات. فقد شكلت هزيمة يونيو 1967 صدمة كبرى، كما واجهت الدولة تحديات اقتصادية وإدارية وسياسية معقدة. إلا أن تقييم التجارب التاريخية الكبرى لا يقوم على حدث واحد، وإنما على حصيلة مسار كامل، بما فيه من نجاحات وإخفاقات، وإنجازات وأزمات.

ومن هذا المنطلق، يبقى جمال عبد الناصر أحد أبرز الشخصيات المؤسسة للدولة المصرية الحديثة. فقد أعاد ترسيخ مفهوم السيادة الوطنية، وربط بين الاستقلال السياسي والتنمية الاقتصادية، ومنح السياسة الخارجية المصرية أبعادًا عربية وإفريقية ودولية جعلت القاهرة لاعبًا رئيسيًا في قضايا عصرها.

واليوم، وبعد أربعة وسبعين عامًا على ثورة الثالث والعشرين من يوليو، لا يكون استحضار تجربة عبد الناصر استدعاءً للماضي بدافع الحنين، وإنما مناسبة للتأمل في الدروس التي تقدمها تلك المرحلة. فقد أثبتت التجربة أن قوة الدولة تبدأ من استقلال قرارها، وأن الاستثمار في الإنسان والتعليم والعلم هو الأساس الحقيقي للتنمية، وأن الدور الإقليمي لا يُبنى بالشعارات، بل بالقدرة على تقديم مبادرات، وصياغة رؤى، وبناء شراكات تحقق المصالح المشتركة.

وفي عالم يشهد تحولات متسارعة، وتنافسًا متزايدًا على النفوذ والموارد، تبدو بعض المبادئ التي دافع عنها عبد الناصر، مثل استقلال القرار الوطني، والانفتاح المتوازن على مختلف القوى الدولية، وتعزيز التعاون العربي والإفريقي، أكثر ارتباطًا بالحاضر مما قد يبدو للوهلة الأولى.

لقد رحل جمال عبد الناصر، لكن الأسئلة التي أثارتها تجربته ما زالت حية، كما بقيت إنجازاته وإخفاقاته جزءًا من الذاكرة الوطنية. وستظل ثورة يوليو، بما لها وما عليها، محطة مفصلية في تاريخ مصر الحديث، لأنها لم تغيّر شكل الحكم فقط، بل أعادت تعريف موقع مصر في محيطها العربي والإفريقي، ورسخت فكرة أن الدولة التي تمتلك مشروعًا وطنيًا واضحًا تستطيع أن تؤثر في محيطها، وأن تترك بصمة تتجاوز حدود الزمن.

وفي الذكرى الرابعة والسبعين لثورة يوليو، يبقى جمال عبد الناصر حاضرًا في التاريخ لا باعتباره رئيسًا سابقًا لمصر فحسب، بل باعتباره قائدًا ارتبط اسمه بإحدى أكبر موجات التحرر الوطني في القرن العشرين، ورمزًا لمرحلة أصبحت فيها القاهرة عاصمة القرار العربي، وشريكًا أساسيًا في صناعة استقلال إفريقيا، وصوتًا للعالم النامي في مواجهة الاستعمار والهيمنة. وتلك المكانة، بما تحمله من إنجازات وتحديات، هي التي تفسر استمرار حضوره في الذاكرة السياسية لمصر والعالم، وتمنحه موقعًا خاصًا بين كبار قادة القرن العشرين .

نسخة من البوم 2026 07 23T130441.553 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : إرث جمال عبد الناصر… لماذا بقي حاضرًا في ذاكرة مصر والعرب وإفريقيا ؟
ثورة 23 يوليو
نسخة من البوم 2026 07 24T210807.295 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : إرث جمال عبد الناصر… لماذا بقي حاضرًا في ذاكرة مصر والعرب وإفريقيا ؟
President Gamal Abdel Nasser

طالع أيضا :

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : من باندونغ إلى بلغراد… كيف أصبح جمال عبد الناصر صوت العالم الثالث؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى