أخبار عاجلةالرأي

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : كريس هاني… المناضل الذي عجّل استشهاده بسقوط الفصل العنصري ورسّخ التزام القاهرة بقضية جنوب إفريقيا

في تاريخ الشعوب، هناك شخصيات يصبح رحيلها نقطة تحول تفوق في تأثيرها سنوات طويلة من النضال. ويعد كريستوفر ثيمبيليلي “كريس” هاني واحدًا من هؤلاء القادة، فقد كان أحد أبرز رموز المقاومة المسلحة ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وأحد أكثر القادة شعبية داخل المؤتمر الوطني الإفريقي، حتى إن اغتياله عام 1993 كاد يدفع البلاد إلى حرب أهلية، لكنه تحول إلى لحظة فارقة عجلت بإنهاء نظام الأبارتهايد وقيام جنوب إفريقيا الديمقراطية, وكانت القاهرة، التي وقفت لعقود إلى جانب نضال شعب جنوب إفريقيا، من العواصم التي تابعت هذه اللحظة التاريخية باعتبارها محطة حاسمة في استكمال مسيرة التحرر الإفريقي.

ولد كريس هاني في 28 يونيو 1942 في بلدة كومفيمفابا بإقليم الكيب الشرقي، في أسرة عانت من سياسات التمييز العنصري , ومنذ سنوات شبابه، انضم إلى المؤتمر الوطني الإفريقي (ANC)، ثم أصبح عضوًا في الحزب الشيوعي الجنوب إفريقي، مقتنعًا بأن النضال ضد العنصرية لا ينفصل عن النضال من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة.

ومع حظر المؤتمر الوطني الإفريقي في ستينيات القرن الماضي، التحق هاني بالجناح العسكري للحركة «أومخونتو وي سيزوي»، الذي كان قد أسسه نيلسون مانديلا ووالتر سيسولو وآخرون , وتلقى تدريبات عسكرية خارج البلاد، وشارك في تنظيم عمليات المقاومة ضد نظام الفصل العنصري، قبل أن يتولى مواقع قيادية داخل الجناح العسكري، ويصبح أحد أبرز قادته.

وخلال سنوات المنفى، عمل هاني من قواعد المؤتمر الوطني الإفريقي في زامبيا وأنغولا، وأسهم في تدريب المقاتلين، وإدارة العمليات، وتعزيز التعاون مع حركات التحرر في الجنوب الإفريقي. وفي تلك المرحلة، واصلت مصر دعمها السياسي والدبلوماسي للمؤتمر الوطني الإفريقي، ورفضها لنظام الفصل العنصري، سواء في منظمة الوحدة الإفريقية أو الأمم المتحدة أو حركة عدم الانحياز، كما استمرت إذاعة صوت العرب ووسائل الإعلام المصرية في إبراز عدالة القضية الجنوب إفريقية.

ومع بدء المفاوضات لإنهاء نظام الفصل العنصري مطلع التسعينيات، عاد كريس هاني إلى جنوب إفريقيا، وأصبح من أكثر الشخصيات شعبية داخل الحركة الوطنية، خاصة بين الشباب والعمال , وكان يُنظر إليه باعتباره أحد القادة الذين يمكن أن يتولوا أدوارًا رئيسية في الدولة الجديدة، لما امتلكه من حضور جماهيري ومكانة نضالية.

لكن في 10 أبريل 1993، اغتيل هاني أمام منزله في جوهانسبرغ على يد متطرف يميني معارض لإنهاء الفصل العنصري. وكادت الجريمة أن تشعل موجة واسعة من العنف، إلا أن نيلسون مانديلا وجه خطابًا تاريخيًا دعا فيه الشعب إلى ضبط النفس، مؤكدًا أن أفضل رد على الاغتيال هو استكمال طريق الديمقراطية.

وقد أدى اغتيال هاني إلى تسريع المفاوضات بين الحكومة والمؤتمر الوطني الإفريقي، وأسهم في تحديد موعد أول انتخابات ديمقراطية متعددة الأعراق عام 1994، التي أوصلت مانديلا إلى رئاسة الجمهورية، منهيةً رسميًا نظام الفصل العنصري.

وفي القاهرة، تابعت الأوساط السياسية والإعلامية هذه التطورات باهتمام بالغ، ورأت في نجاح الانتقال السلمي انتصارًا للمبادئ التي دافعت عنها مصر منذ خمسينيات القرن الماضي، عندما جعلت من دعم حركات التحرر الإفريقية ركيزة أساسية لسياستها الخارجية , فقد كانت جنوب إفريقيا واحدة من أهم القضايا التي حظيت بتأييد مصري ثابت، سواء عبر المواقف الدبلوماسية أو الدعم السياسي والإعلامي للمؤتمر الوطني الإفريقي.

ورغم أن كريس هاني لم يتولَّ أي منصب في الدولة الديمقراطية التي ناضل من أجلها، فإن اسمه بقي حاضرًا في الذاكرة الوطنية الجنوب إفريقية باعتباره أحد شهداء الحرية، وأحد القادة الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لإنهاء نظام الفصل العنصري.

وعندما نستعيد اليوم سيرته في إطار سلسلة «القاهرة عاصمة النضال الإفريقي»، فإننا نستحضر مرحلة بلغت فيها معركة التحرر ذروتها، وانتقلت جنوب إفريقيا من عقود التمييز إلى عهد الديمقراطية والمصالحة الوطنية , كما نستعيد الدور المصري الذي ظل ثابتًا في دعم حق الشعوب الإفريقية في الحرية والاستقلال، حتى تحقق هذا الهدف في آخر معاقل الفصل العنصري بالقارة.

لقد كان كريس هاني قائدًا ميدانيًا، ومناضلًا سياسيًا، ورمزًا للتضحية من أجل الوطن. وقد أثبتت الأحداث أن اغتياله لم يوقف مسيرة التحرير، بل سرّع نهايتها، وجعل منه أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ جنوب إفريقيا الحديث , ولهذا يحتل مكانة متميزة في سلسلة «القاهرة عاصمة النضال الإفريقي»، باعتباره أحد شهداء الحرية الذين ارتبطت قضيتهم بالدعم المصري التاريخي لمسيرة التحرر الإفريقي . 

نسخة من البوم 2026 07 29T223256.291 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : كريس هاني… المناضل الذي عجّل استشهاده بسقوط الفصل العنصري ورسّخ التزام القاهرة بقضية جنوب إفريقيا

طالع أيضا 

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : إرث جمال عبد الناصر… لماذا بقي حاضرًا في ذاكرة مصر والعرب وإفريقيا ؟

زر الذهاب إلى الأعلى