يوسف العومي يكتب: ابن قرية “النمسا” بالصعيد الجواني الذي تحدثت عنه الصخور.. سيرة عالم مصري في الجيولوجيا والتاريخ والمعرفة
زكريا هميمي.. عاشق الصخور والخرائط.. كيف أصبح ابن قرية بصعيد مصر أحد أبرز علماء الجيولوجيا العرب والعالم؟

في زمن تتراجع فيه الحكايات الملهمة أمام ضجيج الحياة اليومية، تظل بعض السير الذاتية شاهدة على أن الإرادة والعلم قادران على حمل الإنسان من قرية صغيرة على ضفاف النيل إلى أكبر المنصات العلمية في العالم. ومن بين هذه النماذج يبرز اسم الأستاذ الدكتور زكريا السيد عبد الله هميمي، أحد أبرز علماء الجيولوجيا وعلوم الأرض في العالم العربي، والذي بدأت رحلته من قرية النمسا التابعة لمركز إسنا جنوب الأقصر، قبل أن يصبح اسمًا معروفًا في الجامعات والمؤسسات العلمية الدولية.

ولد زكريا هميمي في العاشر من أكتوبر عام 1962 داخل بيت علم وتعليم. كان والده المربي الكبير السيد عبد الله هميمي من رموز التعليم في إسنا، ولذلك نشأ الابن في بيئة تجمع بين المعرفة والانضباط والقيم الدينية والإنسانية. وفي مجلس والده الذي كان يجتمع فيه العلماء والمعلمون وأهل الرأي، تشكلت ملامح شخصيته الأولى، فتعلق باللغة العربية والقرآن الكريم قبل أن يتعلق لاحقًا بعلوم الأرض والصخور.
كانت قرية النمسا آنذاك نموذجًا للقرية الصعيدية الأصيلة، حيث تتداخل الأنساب والعائلات وتترابط المصائر، وحيث كان التعليم رسالة يؤديها المعلم بإخلاص لا ينتظر عليه مقابلًا. وفي مدرسة الوحدة المجمعة بالنمسا تلقى هميمي أول دروسه على أيدي معلمين آمنوا بأن بناء الإنسان أهم من أي مكسب مادي، فغرسوا فيه حب المعرفة والانضباط والاجتهاد.
انتقل بعد ذلك إلى مدينة إسنا لمواصلة دراسته الإعدادية والثانوية، وهناك اتسعت آفاقه الفكرية والعلمية. وبين أساتذة اللغة العربية والعلوم والرياضيات، تشكل وعيه العلمي والثقافي، وكان من حسن حظه أن تتلمذ على أيدي نخبة من المعلمين الذين تركوا أثرًا عميقًا في شخصيته ومسيرته.
وعندما حان وقت اختيار التخصص الجامعي، لم يتردد في الاتجاه نحو الجيولوجيا بكلية العلوم بأسوان التابعة آنذاك لجامعة أسيوط. كان اسم العالم المصري الكبير الدكتور فاروق الباز يتردد كثيرًا في صعيد مصر خلال تلك الفترة، كما أن شغفه بالعلوم الطبيعية دفعه نحو دراسة الأرض وتاريخها وتكويناتها. وهناك وجد نفسه وسط نخبة من كبار أساتذة الجيولوجيا في مصر، الذين أسهموا في تشكيل شخصيته العلمية وصقل موهبته البحثية.
في عام 1984 تخرج هميمي حاصلاً على بكالوريوس الجيولوجيا بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، متصدرًا دفعته والكلية بأكملها. لكن طريق النجاح لم يكن مفروشًا بالورود؛ إذ حالت سياسات التعيين آنذاك دون تعيينه معيدًا في جامعته الأم رغم تفوقه، غير أن ما بدا في حينه عقبة تحول لاحقًا إلى نقطة انطلاق جديدة، بعدما وقع بين يديه إعلان عن وظائف معيدين بكلية العلوم ببنها، ليبدأ هناك فصلًا جديدًا من حياته العلمية.
في جامعة بنها، اختار التخصص في الجيولوجيا البنائية أو التركيبية، وهو أحد أكثر فروع الجيولوجيا تعقيدًا وارتباطًا بالعمل الحقلي، أنجز رسالة الماجستير حول منطقة جبل الحديد بالصحراء الشرقية المصرية، ثم واصل أبحاثه الميدانية المكثفة حتى حصل على درجة الدكتوراه عام 1992 بعد دراسات موسعة في جنوب الصحراء الشرقية، وهي المنطقة التي أصبحت فيما بعد أحد أهم مجالات خبرته العلمية.
شكلت فترة إعارته إلى جامعة صنعاء في اليمن بين عامي 1995 و1998 محطة فارقة في حياته، فهناك لم يكتف بالتدريس والبحث العلمي، بل تعمق في دراسة البنية الجيولوجية المعقدة لليمن، وأقام علاقات علمية وإنسانية واسعة تركت أثرًا كبيرًا في مسيرته. وقد بلغ تقدير زملائه له أن حاول مجلس القسم إقناعه بالعدول عن قرار إنهاء الإعارة عندما اضطر للعودة إلى مصر بسبب مرض والدته.
ومع نهاية التسعينيات كان هميمي قد رسخ مكانته العلمية كباحث متخصص في الجيولوجيا البنائية والتكتونية. وفي عام 2004 انتقل إلى جامعة الملك عبد العزيز بالمملكة العربية السعودية، حيث بدأت مرحلة جديدة من التألق العلمي والأكاديمي. وهناك أسهم في تطوير البرامج التعليمية، والمشاركة في الاعتماد الأكاديمي الدولي، والإشراف على أجيال جديدة من الجيولوجيين، حتى أصبح من أكثر الأساتذة تأثيرًا ومحبة بين طلابه وزملائه.
ولم تقتصر إنجازاته على التدريس والبحث العلمي فقط، بل امتدت إلى العمل المؤسسي والعلمي الدولي. فقد تولى عضوية ورئاسة العديد من اللجان العلمية في أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والجمعيات الجيولوجية العربية والدولية، كما شغل منصب رئيس اللجنة الوطنية للعلوم الجيولوجية بمصر، ونائب رئيس الاتحاد الدولي لأخلاقيات علوم الأرض عن قارة أفريقيا.
أما على مستوى الإنتاج العلمي، فقد نشر عشرات الأبحاث المحكمة في الدوريات الدولية المتخصصة، وأشرف على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه، وشارك في مشروعات بحثية قومية تتعلق بالثروات المعدنية والخرائط الجيولوجية والنشاط الزلزالي واستشعار الأرض عن بعد. كما ساهم في تحرير عشرة كتب علمية دولية صدرت عن دار النشر العالمية “سبرنجر”، وهي من أهم دور النشر الأكاديمية في العالم.
وتكشف قائمة مؤلفاته عن عالم موسوعي لا يكتفي بالتخصص الضيق. فمن كتب الجيولوجيا والتكتونية والأحجار الكريمة والزلازل إلى مؤلفات عن الإعجاز العلمي والمدينة المنورة والحرم المكي والشيخ عبد الباسط عبد الصمد والثأر في صعيد مصر، تتجلى شخصية مثقف واسع الأفق يجمع بين العلم والإنسان والتراث.
ومثل مصر رسميًا في عدد من أهم المؤتمرات الجيولوجية العالمية، وشارك في فعاليات علمية في الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وروسيا وإسبانيا وإيطاليا وجنوب أفريقيا وتايلاند وغيرها. كما تولى رئاسة وإدارة العديد من المؤتمرات العلمية الدولية والإقليمية، وأسهم في تدريب أجيال من الباحثين والجيولوجيين الشباب داخل مصر وخارجها.
ورغم هذا السجل العلمي الحافل، فإن أكثر ما يلفت الانتباه في مسيرة زكريا هميمي هو احتفاظه بجذوره الصعيدية. فما زال يتحدث بفخر عن قريته النمسا، وعن معلميه الأوائل، وعن والده الذي غرس فيه قيمة العلم، وعن والدته التي كانت تدعو له دائمًا أن يحبه الله ويحببه إلى الناس.
إن سيرة الدكتور زكريا هميمي ليست مجرد قصة نجاح فردية، بل نموذج لما يمكن أن تصنعه القرية المصرية عندما تلتقي قيمها الأصيلة مع التعليم الجيد والإرادة الصلبة. إنها رحلة عالم حمل اسم قريته وإسنا والأقصر وصعيد مصر إلى الجامعات العالمية والمحافل الدولية، ليؤكد أن المعرفة لا تعترف بالمكان، وأن أبناء القرى البعيدة قادرون على الوصول إلى أعلى قمم العلم إذا توفرت لهم الفرصة وأحسنوا استثمارها.
لماذا يستحق زكريا هميمي أن يكون ضمن أبرز علماء مصر المعاصرين؟
لأن قيمة العلماء لا تُقاس بعدد الشهادات أو المناصب فقط، بل بحجم التأثير الذي يتركونه في مجالاتهم العلمية وفي الأجيال التي تتعلم على أيديهم. وعلى مدار أكثر من أربعة عقود، نجح هميمي في أن يجمع بين الباحث الميداني الذي جاب صحارى مصر واليمن والجزيرة العربية، والأستاذ الجامعي الذي خرّج أجيالًا من الجيولوجيين، والمؤلف الذي أثرى المكتبة العربية بعشرات الكتب والمراجع العلمية، والعالم الذي حمل اسم مصر إلى المؤتمرات والمحافل الدولية. وتكفي الإشارة إلى توليه رئاسة تحرير مجلة «Journal of African Earth Sciences» الدولية، إحدى أبرز الدوريات المتخصصة في علوم الأرض بالقارة الأفريقية، فضلًا عن عضويته في لجان علمية دولية وإقليمية مرموقة، وتمثيله الرسمي لمصر في عدد من أهم المؤتمرات الجيولوجية العالمية. وهي إنجازات لا تعكس نجاحًا شخصيًا فحسب، بل تؤكد حضور المدرسة المصرية في علوم الأرض وقدرتها على المنافسة والتأثير في الساحة العلمية الدولية. ومن هنا فإن سيرة زكريا هميمي ليست مجرد سيرة عالم ناجح، وإنما قصة وطنية ملهمة تؤكد أن المعرفة والجد والاجتهاد قادرة على أن تنقل ابن قرية صغيرة في أقصى الصعيد إلى مصاف العلماء المؤثرين في العالم.

اقرأ المزيد:-
وزير المعادن يكشف لـ«أرض السودان» أين يُباع الذهب السوداني
إمبراطورية الأشانتي.. كيف حافظ الكرسي الذهبي على سيادة واحدة من أعظم الحضارات الإفريقية عبر القرون؟
تجارة الذهب غير المشروعة في الكونغو تُشعل أزمة إيبولا وسط حالة تاهب عالمية




