السفير دكتور محمد حجازي يكتب : يوسف السباعي… الأديب الذي جعل الثقافة المصرية جسرًا للتحرر الإفريقي
إذا كان الكفاح من أجل استقلال إفريقيا قد احتاج إلى السلاح والدبلوماسية، فإنه احتاج أيضًا إلى الثقافة والفكر والقوة الناعمة , وفي هذا المجال، يبرز اسم يوسف السباعي بوصفه أحد أبرز الشخصيات المصرية التي أسهمت في ترسيخ البعد الثقافي للعلاقات المصرية الإفريقية، وجعلت من القاهرة منارة للمثقفين والمبدعين وقادة الفكر القادمين من مختلف أنحاء القارة.
ولد يوسف محمد محمد عبد الوهاب السباعي في القاهرة في 17 يونيو 1917، وتخرج في الكلية الحربية عام 1937، وتدرج في المناصب العسكرية حتى أصبح مديرًا للمتحف الحربي. غير أن شهرته الأوسع جاءت من عالم الأدب، حيث أصبح واحدًا من أشهر الروائيين المصريين في القرن العشرين، حتى لُقب بـ “فارس الرومانسية”، بعدما قدم عشرات الروايات والقصص التي تحولت إلى أفلام شكلت جزءًا من الوجدان العربي.
لكن دور يوسف السباعي تجاوز الأدب إلى العمل الثقافي والسياسي، خصوصًا في مرحلة المد القومي وحركات التحرر الوطني التي قادتها مصر في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
آمن السباعي بأن الثقافة ليست ترفًا، بل إحدى أدوات التحرر الوطني وبناء الهوية، ولذلك عمل على توظيف المؤسسات الثقافية المصرية لخدمة التقارب مع الشعوب الإفريقية والآسيوية. وعندما تولى وزارة الثقافة عام 1973، سعى إلى توسيع الحضور الثقافي المصري في إفريقيا، وتشجيع التبادل الثقافي، واستقبال الوفود الأدبية والفنية الإفريقية، وإبراز التراث الإفريقي في الأنشطة الثقافية المصرية.
كما تولى رئاسة المؤسسة المصرية العامة للكتاب، ثم رئاسة الهيئة المصرية العامة للكتاب، وأسهم في تطوير حركة النشر والترجمة، وفتح المجال أمام التعريف بالأدب الإفريقي، في وقت كانت القاهرة تمثل مركزًا فكريًا للعالمين العربي والإفريقي.
وكان السباعي من أبرز الداعمين لفكرة أن التحرر السياسي لا يكتمل إلا بالتحرر الثقافي، ولذلك شاركت المؤسسات الثقافية المصرية في عهده في تنظيم المعارض والندوات والملتقيات التي جمعت الأدباء والمثقفين الأفارقة، وأسهمت في بناء جسور الحوار بين شعوب القارة.
كما لعب دورًا مهمًا في منظمة التضامن الأفروآسيوي، التي تأسست في القاهرة عقب مؤتمر باندونغ، وأصبحت إحدى أهم المنصات الدولية الداعمة لحركات التحرر في إفريقيا وآسيا. ومن خلال هذه المنظمة، استضافت القاهرة عشرات المؤتمرات واللقاءات التي جمعت قادة الفكر والأدب والنضال من مختلف دول الجنوب.
وكان يوسف السباعي مؤمنًا بأن الأدب والثقافة قادران على مقاومة الاستعمار بقدر ما تستطيع السياسة أن تفعل، ولذلك حرص على أن تكون القاهرة عاصمة للكتاب والمسرح والفنون، بالتوازي مع دورها السياسي في دعم حركات التحرر.
وخلال مسيرته الأدبية، كتب أكثر من عشرين رواية ومجموعة قصصية، من أشهرها “رد قلبي”، و**“نادية”، و“إني راحلة”، و“بين الأطلال”، و“أرض النفاق”، و“العمر لحظة”**، وقد تحولت معظم أعماله إلى أفلام سينمائية ناجحة، مما عزز مكانته كأحد رموز الثقافة المصرية الحديثة.
وفي عام 1978، وبينما كان يشارك في مؤتمر منظمة التضامن الأفروآسيوي في العاصمة القبرصية نيقوسيا، تعرض لعملية اغتيال أثناء أداء رسالته الثقافية والدبلوماسية، ليسدل الستار على حياة أحد أبرز رموز الفكر والثقافة في مصر والعالم العربي.
ورغم مرور عقود على رحيله، لا يزال يوسف السباعي يمثل نموذجًا للمثقف الذي آمن بأن الثقافة قوة وطنية، وأن بناء الجسور بين الشعوب لا يقل أهمية عن بناء التحالفات السياسية. وقد أسهم، من خلال الأدب والعمل الثقافي، في ترسيخ مكانة القاهرة مركزًا للحوار بين إفريقيا والعالم العربي، ومقرًا للمؤسسات التي احتضنت قضايا التحرر والاستقلال.
لقد كانت القاهرة، في زمن يوسف السباعي، عاصمة لا تحتضن الساسة والثوار فقط، بل أيضًا الأدباء والمفكرين والفنانين الذين جعلوا من الثقافة رافعة للتحرر والتضامن الإنساني، ولذلك يستحق يوسف السباعي أن يكون أحد رموز سلسلة “القاهرة عاصمة النضال الإفريقي” .

طالع أيضا :




