السفير دكتور محمد حجازي يكتب : صندوق المقايضة الأفريقي… آلية مبتكرة لتحرير التجارة البينية من أزمة العملات الأجنبية

رغم مرور سنوات على إطلاق منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، لا تزال التجارة البينية بين الدول الأفريقية من أقل المعدلات على مستوى العالم، إذ لا تتجاوز نسبة محدودة من إجمالي تجارة القارة مع العالم, ولا يرجع ذلك إلى ضعف الإنتاج أو غياب الفرص، وإنما إلى مجموعة من التحديات، يأتي في مقدمتها نقص العملات الأجنبية، وارتفاع تكاليف التمويل، وصعوبة تسوية المدفوعات بين الدول الأفريقية.
ففي كثير من الأحيان تمتلك دولة أفريقية منتجات يحتاجها جيرانها، بينما تمتلك الدولة الأخرى سلعاً أو خدمات يمكن أن تستوردها الدولة الأولى، إلا أن الصفقة تتعطل بسبب عدم توافر الدولار أو اليورو، رغم توافر السلع نفسها. وهنا تبرز الحاجة إلى التفكير خارج الأطر التقليدية، والبحث عن أدوات مالية وتجارية تتناسب مع واقع الاقتصادات الأفريقية.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشهد منتدى العلمين أفريقيا إطلاق “صندوق المقايضة الأفريقي”، باعتباره إحدى المبادرات الرائدة لتعزيز التجارة البينية، وتوفير آلية عملية لتبادل السلع والخدمات دون الاعتماد الكامل على العملات الأجنبية، من خلال نظام مقاصة وتسوية يعتمد على مبدأ تبادل المنافع والقيمة المتكافئة.
وتقوم الفكرة على إنشاء مؤسسة مالية وتجارية تتولى تسجيل الصفقات، وتقييم قيمتها وفق الأسعار الدولية، وإدارة عمليات المقاصة بين الدول والشركات، بحيث يمكن، على سبيل المثال، أن تصدر مصر الأدوية أو مواد البناء أو المعدات الزراعية إلى إحدى الدول الأفريقية، مقابل الحصول على النحاس أو الكاكاو أو البن أو القطن أو الذهب أو الماشية أو الأخشاب أو غيرها من المنتجات التي تتميز بها تلك الدولة، دون الحاجة إلى تدفقات نقدية كبيرة بالعملات الصعبة.
ولا تقتصر الاستفادة على الحكومات، بل يمتد النظام ليشمل القطاع الخاص، بما يسمح للشركات الأفريقية بإبرام صفقات تبادل تجاري تحت مظلة مؤسسية توفر الضمانات القانونية والمالية، وتقلل مخاطر عدم السداد، وتخفض تكاليف التمويل والتأمين.
ويمكن للصندوق أن يعمل بالتنسيق مع منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، والبنك الأفريقي للتصدير والاستيراد، والبنوك المركزية الأفريقية، وأن يعتمد منصة رقمية متطورة لتسجيل العقود، ومتابعة تنفيذها، وإجراء التسويات بصورة شفافة، بما يضمن سرعة الإنجاز والثقة بين جميع الأطراف.
كما يمكن أن يخصص جزء من نشاطه لتكوين احتياطي من السلع الاستراتيجية الأفريقية، مثل الحبوب والزيوت والأسمدة واللحوم والمعادن، بما يساعد على استقرار الأسواق، ومواجهة التقلبات العالمية، وتعزيز الأمن الغذائي للقارة.
وتتمثل إحدى المزايا المهمة لهذه المبادرة في أنها تشجع التصنيع داخل أفريقيا، بدلاً من تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات المصنعة. فحين تصبح المقايضة قائمة على القيمة المضافة، ستتجه الدول إلى تطوير صناعاتها الوطنية لتحقيق أفضل عائد من التبادل التجاري.
وبالنسبة لمصر، يمثل صندوق المقايضة فرصة لتعظيم الاستفادة من قدراتها الصناعية، وزيادة صادراتها من الدواء، والأجهزة الطبية، والأسمدة، ومواد البناء، والصناعات الهندسية والغذائية، مقابل الحصول على المواد الخام والثروات الطبيعية التي تحتاجها الصناعة المصرية، وهو ما يعزز الأمن الاقتصادي ويقلل فاتورة الواردات من الأسواق البعيدة.
وليس الهدف من هذه المبادرة إلغاء التعامل بالعملات الأجنبية، وإنما توفير أداة إضافية تمنح الاقتصادات الأفريقية مرونة أكبر في إدارة تجارتها، وتحد من تأثرها بالأزمات المالية العالمية وتقلبات أسعار الصرف، وتدعم توجه القارة نحو التكامل الاقتصادي الحقيقي.
لقد آن الأوان لأن تمتلك أفريقيا أدواتها المالية والتجارية التي تنبع من احتياجاتها الخاصة، وأن تبتكر حلولاً تناسب واقعها الاقتصادي، بدلاً من الاكتفاء باستنساخ نماذج لا تعالج مشكلاتها الفعلية.
وإذا كان منتدى العلمين يسعى إلى أن يصبح “دافوس أفريقيا”، فإن إطلاق صندوق المقايضة الأفريقي من دورته الأولى سيبعث برسالة واضحة مفادها أن القارة لم تعد تكتفي بتشخيص المشكلات، بل بدأت تقدم حلولاً عملية ومبتكرة تعزز التجارة، وتفتح آفاقاً جديدة للاستثمار، وتدعم أهداف أجندة أفريقيا 2063.
وفي المقال المقبل من سلسلة “نحو العلمين”، نتناول مبادرة “بورصة أسوان الأفريقية للحوم والثروة الحيوانية”… وكيف يمكن لمصر أن تصبح المركز الإقليمي لتجارة وتصنيع وتصدير الثروة الحيوانية الأفريقية.
طالع أيضا :
السفير دكتور محمد حجازي يكتب : قمة العلمين الاقتصادية.. لماذا تحتاج أفريقيا إلى “دافوس”خاص بها؟



