الدكتور أحمد المفتي: تكرار إثيوبيا الحديث عن «السيادة على مياه النيل» يدين موقفها.. واتفاقية 1902 والإدارة المشتركة مخرج الأزمة

أكد الدكتور أحمد المفتي، الخبير السوداني في القانون الدولي وعضو مفاوضات سد النهضة الإثيوبي المستقيل، أن ترديد وزير المياه الإثيوبي الحديث عن السيادة على مياه النيل لا يدعم الموقف الإثيوبي، بل يدينه من الناحية القانونية، مشيرًا إلى أن مبدأ السيادة المنفردة على الموارد المائية المشتركة لم يعد مقبولًا في القانون الدولي.
وقال المفتي، في تصريحات خاصة لموقع أفرو نيوز 24، إن مبدأ السيادة على الموارد المائية المشتركة «قد تخلى عنه العالم بأجمعه»، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997، ومحكمة العدل الدولية التي قضت، بحسب المفتي، بأن الاتفاقية أصبحت قانونًا دوليًا عرفيًا يلزم جميع الدول، بما فيها الدول التي لم توافق عليها.
وأضاف ” أن القانون الدولي استبدل مبدأ السيادة المنفردة على الموارد المائية المشتركة بمبدأ الإخطار المسبق، كما استبدل مفهوم اقتسام المياه بمبدأ الاستخدام المنصف والمعقول للموارد المائية المشتركة.
وأوضح المفتي أن وزير المياه الإثيوبي «يبحر خارج القانون الدولي وهو لا يدري»، معتبرًا أن تكرار الحديث عن السيطرة والسيادة الإثيوبية المنفردة على مياه النيل يمثل تكرارًا لموقف لا يتوافق، بحسب رؤيته القانونية، مع القواعد المنظمة للأنهار الدولية.
بعد 15 عامًا من التفاوض.. المفتي: الإدارة المشتركة لسد النهضة هي المخرج
وفي استكمال لرؤيته بشأن تطورات أزمة سد النهضة، أشار الدكتور أحمد المفتي، إلى أن 15 عامًا من التفاوض انتهت بإعلان وزير المياه الإثيوبي مؤخرًا أن «السيطرة والتحكم في مياه النيل يكون بإرادة إثيوبية أحادية».
ويرى المفتي أن هذه التطورات تفرض إعادة تقييم المسار الذي اتبعته مصر والسودان في التعامل مع أزمة سد النهضة، خاصة بعد تعثر المسارات السياسية والقانونية والدبلوماسية المختلفة.
وأشار إلى أن مسارات عدة أخفقت، بحسب تقييمه، في تغيير النهج الإثيوبي الأحادي، مشيرًا إلى دور الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، ومجلس الأمن، والمجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة.
وخلص المفتي إلى أن النتيجة، من وجهة نظره، تتمثل في دخول السودان ومصر حاليًا في «ورطة» وجودية بسبب استمرار النهج الإثيوبي بشأن إدارة مياه النيل.
أحمد المفتي: انتهى زمن المطالبة باتفاق ملزم
وطرح الخبير السوداني مقترحًا للحكومة السودانية، يقوم على الانتقال من مرحلة المطالبة بالتوصل إلى اتفاق ملزم بشأن سد النهضة إلى طرح خيار الإدارة المشتركة للسد.
وقال إن «زمن نطالب باتفاق ملزم» قد انتهى، وبدأ، وفق رؤيته، زمن خيار آخر يتمثل في الإدارة المشتركة لسد النهضة، باعتبارها المخرج العملي الذي يمكن أن يحول دون استمرار السيطرة الأحادية على الموارد المائية.
واقترح المفتي أن تتخذ الحكومة السودانية، في حال موافقتها على هذا المقترح، ثلاث خطوات متزامنة، وصفها بأنها خطوات قانونية وسياسية ودبلوماسية حادة.
التصعيد القانوني أمام مجلس الأمن
تتمثل الخطوة الأولى، وفق مقترح المفتي، في التصعيد القانوني من خلال تقديم مذكرة عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي تحت عنوان:
«نزاع حول تفسير اتفاقية 1902 وتداعياتها على الأمن والسلم الدوليين».
وأوضح أن هذه الخطوة تستند، بحسب رؤيته، إلى اعتبار أن إثيوبيا أخلت بشرط في اتفاقية 1902 ينص على «عدم إقامة منشأة مائية دون إخطار السودان».
ويرى المفتي أن إعلان إثيوبيا عن سيطرتها على مياه النيل يمكن، في هذه الحالة، أن يتحول إلى عنصر في نزاع أوسع يتعلق بالأمن المائي لدول المصب، معتبرًا أن الأمر يتجاوز الجوانب الفنية المرتبطة بتشغيل سد النهضة إلى تداعيات سياسية وقانونية وأمنية أوسع.
التصعيد السياسي والدبلوماسي بين السودان ومصر
أما الخطوة الثانية، فتتمثل في التصعيد السياسي عبر إصدار إعلان مشترك سوداني مصري يوضح، وفق مقترحه، أن «السيطرة الأحادية على نهر دولي» تشكل تهديدًا مباشرًا للسلم والأمن الدوليين.
ويهدف هذا التحرك، بحسب المفتي، إلى إخراج ملف سد النهضة من نطاق التداول الفني فقط، ونقله إلى طاولة مجلس الأمن الدولي، مع المطالبة بالتعامل معه في إطار الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
وتتمثل الخطوة الثالثة في تقديم مشروع الإدارة المشتركة لسد النهضة إلى مجلس الأمن باعتباره حلًا لمنع تفاقم الأزمة، مع عدم الدخول، في المرحلة الأولى، في تفاصيل نموذج الإدارة المقترح.
وأكد المفتي أن الهدف الأساسي من الإدارة المشتركة، بحسب تصوره، هو «تقاسم المنافع، وليس تقاسم المياه».
وأوضح أن هذا التصور يمكن أن يقوم على تحقيق منافع مشتركة للدول الثلاث، بحيث تستفيد السودان من فرص التوسع الزراعي، وإثيوبيا من إنتاج الكهرباء، ومصر من اليد العاملة والتصنيع، بما يؤدي إلى تحقيق قيمة مضافة لكل نشاط، ويجعل الدول الثلاث مستفيدة من التعاون بدلًا من الصراع حول الموارد المائية.
ويرى الدكتور أحمد المفتي أن هذا المقترح يمكن أن يمثل مخرجًا للأزمة لعدة أسباب، في مقدمتها أنه، وفق رؤيته، ينقل القضية من كونها خلافًا فنيًا حول تشغيل سد النهضة إلى نزاع ذي أبعاد سياسية وقانونية وأمنية، بما يفرض، بحسب تقييمه، تحركًا دوليًا أوسع.
كما يرى أن طرح الإدارة المشتركة أمام المجتمع الدولي ينقل القرار إلى الجانب الإثيوبي، بحيث تصبح أمام خيارين: الموافقة على الإدارة المشتركة أو مواجهة ضغوط المجتمع الدولي.
ويعتقد المفتي كذلك أن هذا الطرح يمكن أن يوحد موقفي السودان ومصر حول هدف واحد واضح وقابل للتحقق، مع التأكيد على أن التصعيد المقترح لا يستهدف الخيار العسكري، وإنما يعتمد على التحرك السياسي والقانوني والدبلوماسي.
اتفاقية 1902.. مفتاح السودان في أزمة سد النهضة
وفي خلاصة رؤيته، قال المفتي إن إعلان إثيوبيا عن «السيطرة» على مياه النيل يجب أن يقابله طرح «الإدارة المشتركة»، معتبرًا أن اتفاقية 1902 تمثل، من وجهة نظره، «مفتاح الإجبار» الوحيد المتبقي في يد السودان.
وبحسب رؤية الخبير السوداني، فإن السودان ومصر أمام خيارين في التعامل مع التطورات الحالية: إما الوصول إلى صيغة لإدارة النهر مع إثيوبيا، أو الاستسلام لمنطق السيطرة الأحادية.
ويأتي هذا الطرح في ظل استمرار الخلافات بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، ومستقبل إدارة الموارد المائية لنهر النيل، في وقت تثير فيه التصريحات الإثيوبية بشأن السيادة والسيطرة على الموارد المائية المشتركة مخاوف متزايدة لدى دولتي المصب بشأن مستقبل الأمن المائي في المنطقة.
طالع أيضاً
خبير سوداني يرد على وزير المياه الإثيوبي: «السيطرة على مياه النيل» تكشف الهدف الحقيقي لسد النهضة




