أخبار عاجلةالرأي

الدكتورة مروة عبد الرؤوف سلطان تكتب: سد جوليوس نيريري بعد اكتماله.. هل يعيد السد رسم خريطة الحضور المصري في شرق أفريقيا؟

لم يعد سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية مجرد مشروع ضخم لتوليد الطاقة في تنزانيا، وإنما أصبح، مع افتتاحه رسميًا في 22 أغسطس 2026، نقطة التقاء بين اعتبارات التنمية والطاقة من جهة، وحسابات الشراكة والتعاون الإقليمي من جهة أخرى. فقد مثّل المشروع، الذي جرى تنفيذه بواسطة تحالف مصري ضم شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك، أحد أكبر مشروعات البنية التحتية التي ارتبطت بالتعاون المصري–التنزانـي خلال السنوات الأخيرة، كما اكتسب افتتاحه دلالة سياسية واضحة مع مشاركة رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في مراسم الافتتاح إلى جانب الرئيسة التنزانية سامية حسن.

وتتجاوز أهمية المشروع قدرته المستهدفة التي تبلغ نحو 2115 ميجاوات، إذ يرتبط بصورة مباشرة بأحد التحديات الرئيسية التي تواجهها تنزانيا والمتمثلة في توفير احتياجاتها المتزايدة من الطاقة ودعم مسار التصنيع والتنمية الاقتصادية، وفي الوقت نفسه، يقع المشروع في حوض نهر روفيجي، وهو حوض تتداخل فيه استخدامات المياه بين توليد الطاقة والزراعة والرعي والحفاظ على النظم البيئية والحياة البرية، الأمر الذي يجعل السد جزءًا من عملية أوسع لإعادة تنظيم استخدام الموارد المائية في البلاد.

وتؤكد الأدبيات الأكاديمية الحديثة أن تاريخ مشروع السد نفسه يعكس تداخل الطموحات التنموية مع الاعتبارات البيئية والسياسية، حيث تعود فكرة استغلال منطقة شتيلر جورج لإنتاج الطاقة إلى عقود سابقة قبل أن تدخل حيز التنفيذ بصورة فعلية في السنوات الأخيرة.

ومن ناحية أخرى، يكتسب المشروع أهمية خاصة بالنسبة لمصر، ليس فقط باعتباره تجربة ناجحة لشركات مصرية في تنفيذ مشروع استراتيجي خارج الحدود، وإنما باعتباره نموذجًا لنمط متطور من الحضور المصري في القارة الأفريقية يقوم على مشروعات البنية التحتية والطاقة باعتبارها أدوات للتعاون والتنمية، ومن ثم، فإن اكتمال سد جوليوس نيريري يطرح تساؤلًا يتجاوز حدود المشروع ذاته: إلى أي مدى يمكن أن يتحول هذا الإنجاز من مشروع تنموي تنزاني إلى رصيد استراتيجي في العلاقات المصرية–التنزانـية، وإلى مدخل لتوسيع الحضور المصري في شرق أفريقيا؟

وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا المقال إلى تحليل الأبعاد التنموية والسياسية لسد جوليوس نيريري بعد دخوله مرحلة التشغيل والافتتاح الرسمي، من خلال الوقوف على أهمية المشروع بالنسبة لمسار التنمية والطاقة في تنزانيا، وتحليل دلالات المشاركة المصرية في تنفيذه، ثم بحث حدود انعكاس هذا المشروع على مستقبل العلاقات المصرية–التنزانـية وموقع مصر في خريطة التعاون الاقتصادي والتنـموي في شرق أفريقيا.

المحور الأول: سد جوليوس نيريري ودوره في إعادة تشكيل منظومة الطاقة والتنمية في تنزانيا

FB IMG 1787401629097 الدكتورة مروة عبد الرؤوف سلطان تكتب: سد جوليوس نيريري بعد اكتماله.. هل يعيد السد رسم خريطة الحضور المصري في شرق أفريقيا؟يمثل سد ومحطة جوليوس نيريري تحولًا مهمًا في سياسة تنزانيا تجاه استغلال مواردها المائية في إنتاج الطاقة، إذ جاء المشروع في إطار توجه طويل المدى لزيادة الاعتماد على الطاقة الكهرومائية باعتبارها أحد المصادر الرئيسية لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء ودعم عملية التصنيع.

وتنبع أهمية المشروع من موقعه داخل حوض نهر روفيجي، الذي لا يمثل مجرد مورد مائي لتوليد الكهرباء، وإنما منظومة مائية واقتصادية وبيئية متعددة الاستخدامات، تتداخل فيها احتياجات إنتاج الطاقة مع الزراعة والثروة الحيوانية والحفاظ على الحياة البرية، فضلًا عن ارتباطه بمنشآت كهرومائية قائمة بالفعل في الحوض.

وتشير دراسة أكاديمية حديثة إلى أن حوض روفيجي ظل منذ ستينيات القرن العشرين مجالًا لتنافس وتفاوض مستمر حول أولويات استخدام المياه، وأن مشروع جوليوس نيريري جاء ليعيد طرح هذه المسألة على نطاق أوسع في إطار رؤية تنموية تقودها الدولة. 

وتتضح أهمية السد بصورة أكبر بالنظر إلى حجم الطاقة التي يضيفها إلى منظومة الكهرباء التنزانية؛ إذ تضم المحطة تسع وحدات توليد، تبلغ قدرة كل منها 235 ميجاوات، بما يرفع القدرة الإجمالية للمشروع إلى 2115 ميجاوات.

كما يرتبط المشروع بشبكة النقل الوطنية من خلال منظومة نقل بجهد 400 كيلوفولت، بما يسمح بإيصال الكهرباء المنتجة إلى الشبكة بدل بقاء القدرة التوليدية الجديدة منفصلة عن مراكز الاستهلاك، وقد اكتسب هذا الجانب أهمية خاصة مع اقتراب المشروع من التشغيل الكامل، إذ أكدت السلطات التنزانية أن تطوير خطوط النقل بالتوازي مع إنشاء المحطة كان ضروريًا للاستفادة الفعلية من الكهرباء المنتجة، وليس مجرد زيادة القدرة الاسمية لتوليد الطاقة.

ولا تقتصر دلالة هذه الزيادة في القدرة التوليدية على قطاع الكهرباء وحده، وإنما تمتد إلى البنية الاقتصادية للتنمية التنزانية. فتوفر الكهرباء بصورة أكثر استقرارًا يمثل شرطًا مهمًا لتوسيع النشاط الصناعي وتحسين قدرة المنشآت الإنتاجية على العمل، كما يمكن أن يدعم الأنشطة التجارية والخدمية ويحد من الآثار الاقتصادية الناتجة عن انقطاعات الكهرباء.

وقد ارتبطت التوقعات التنزانية بالمشروع تحديدًا بقدرته على تحسين إمدادات الكهرباء للأسر والأنشطة الاقتصادية، ودعم التصنيع والتجارة والزراعة والري، فضلًا عن خلق فرص اقتصادية جديدة في المناطق المرتبطة بالمشروع، ومن ثم، فإن القيمة التنموية للسد لا تتمثل في كمية الكهرباء المنتجة فقط، وإنما في تأثير هذه الطاقة على القطاعات التي تعتمد عليها عملية التحول الاقتصادي.

وتكتسب مسألة الطاقة أهمية خاصة في الحالة التنزانية لأن الدولة لا تنظر إلى التوسع في توليد الكهرباء باعتباره هدفًا منفصلًا عن مشروعها التنموي، وإنما كأحد المتطلبات الأساسية للانتقال نحو اقتصاد أكثر تصنيعًا وقدرة على استيعاب الاستثمارات.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى سد جوليوس نيريري باعتباره استثمارًا في البنية التحتية الأساسية للتنمية؛ فزيادة القدرة على إنتاج الكهرباء تتيح توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي، بينما يؤدي تحسن موثوقية الإمداد الكهربائي إلى تقليل القيود التي يمكن أن تواجهها المنشآت الصناعية والتجارية. ولهذا اكتسب المشروع مكانة خاصة داخل الخطاب التنموي التنزاني، باعتباره مشروعًا يتجاوز إنتاج الكهرباء إلى توفير قاعدة مادية لسياسات التصنيع والنمو الاقتصادي.

غير أن تقييم الدور التنموي للمشروع لا ينبغي أن ينفصل عن طبيعة حوض روفيجي نفسه، فالمياه التي يعتمد عليها السد تؤدي وظائف متعددة قبل وصولها إلى الخزان والمحطة، وهو ما يجعل تخصيصها لإنتاج الطاقة مرتبطًا بتوزيع المياه بين قطاعات اقتصادية وبيئية مختلفة.

فالدراسات الأكاديمية تشير إلى استخدام مياه الحوض في الزراعة والرعي، إلى جانب استخدامها في الحفاظ على الحياة البرية والنظم البيئية، فضلًا عن تشغيل مشروعات كهرومائية أخرى مثل سدي متيرا وكيداتـو ، وبالتالي، فإن التوسع الكبير في استخدام مياه روفيجي لإنتاج الطاقة يفرض ضرورة تحقيق قدر من التوازن بين الاستخدامات المتنافسة للمورد المائي، خاصة أن أي تغير في نظام تدفق النهر يمكن أن يمتد أثره إلى المناطق الواقعة أسفل السد.

ويبرز هنا أحد أهم الأبعاد التي تجعل سد جوليوس نيريري مشروعًا تنمويًا ذا طبيعة مركبة؛ فالمشروع يعكس المفاضلة بين المكاسب الاقتصادية المباشرة للطاقة الكهرومائية وبين التكاليف البيئية والاجتماعية المحتملة المرتبطة بتغيير النظام الهيدرولوجي لحوض روفيجي.

وقد أظهرت الأدبيات العلمية السابقة أن التدفقات الموسمية لنهر روفيجي تؤدي وظائف مهمة بالنسبة للأراضي الزراعية والمصايد والنظم البيئية في المناطق الواقعة أسفل النهر، ولذلك فإن تنظيم تدفق المياه بواسطة السد يمكن أن تكون له آثار تتجاوز موقع المشروع ذاته.

وهذه المسألة لا تعني بالضرورة إلغاء القيمة التنموية للمشروع، لكنها تجعل تقييم نجاحه مرتبطًا بمدى قدرة الدولة على إدارة الآثار المصاحبة له وتحقيق التوازن بين متطلبات الطاقة والحفاظ على الموارد الطبيعية وسبل معيشة المجتمعات المحلية.

كما أن أهمية المشروع تتجاوز اللحظة الحالية، إذا ما وضع في سياقه التاريخي؛ ففكرة استغلال منطقة شتيلر جورج (Stiegler’s Gorge) لإنتاج الطاقة ليست وليدة السنوات الأخيرة، وإنما تعود إلى عقود سابقة، وشهدت مراحل متعددة من الدراسات والمقترحات قبل أن تنتقل إلى التنفيذ الفعلي.

وتوضح دراسة أكاديمية حديثة أن تاريخ المشروع يكشف عن استمرار حضور الطاقة الكهرومائية داخل تصورات الدولة التنزانية للتنمية، مع تغير الأطراف والمؤسسات والرؤى التي شاركت في صياغة المشروع عبر الزمن، ومن ثم، فإن اكتمال سد جوليوس نيريري يمكن فهمه باعتباره تحولًا من فكرة تنموية مؤجلة إلى مشروع استراتيجي مكتمل ضمن رؤية الدولة لاستغلال مواردها الطبيعية في تحقيق أهدافها الاقتصادية.

وبذلك، يمكن القول إن افتتاح سد جوليوس نيريري لا يمثل نهاية مشروع هندسي استغرق سنوات طويلة فحسب، وإنما بداية مرحلة جديدة ستخضع فيها جدوى المشروع للاختبار العملي من خلال قدرته على تحويل الزيادة الكبيرة في الطاقة إلى مكاسب تنموية مستدامة، فنجاح المشروع لن يقاس فقط بقدرته على تشغيل وحداته وتغذية الشبكة الوطنية، وإنما بمدى انعكاس ذلك على التصنيع والاستثمار والزراعة والخدمات، وبقدر قدرة الحكومة التنزانية في الوقت ذاته على إدارة التحديات البيئية والاجتماعية المرتبطة بحوض روفيجي.

ومن هنا يصبح السد نموذجًا واضحًا للترابط بين أمن الطاقة والتنمية الاقتصادية وإدارة الموارد المائية في أفريقيا، وهي أبعاد ستحدد في النهاية حجم العائد الحقيقي للمشروع على الاقتصاد التنزاني.

المحور الثاني: المشاركة المصرية في سد جوليوس نيريري وتحول أدوات الحضور المصري في شرق أفريقيا

FB IMG 1787401813148 الدكتورة مروة عبد الرؤوف سلطان تكتب: سد جوليوس نيريري بعد اكتماله.. هل يعيد السد رسم خريطة الحضور المصري في شرق أفريقيا؟لا تقتصر أهمية سد جوليوس نيريري بالنسبة لمصر على كونه مشروعًا نفذته شركات مصرية خارج الحدود، وإنما تكمن دلالته الأوسع في كونه نموذجًا لتحول أدوات الحضور المصري في أفريقيا من الأطر السياسية والدبلوماسية التقليدية إلى مسارات أكثر ارتباطًا بالتنمية والبنية التحتية ونقل الخبرات.

فقد جاء إسناد تنفيذ المشروع إلى تحالف مصري يضم شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك في سياق تطور ملحوظ للعلاقات المصرية–التنزانـية، بما جعل المشروع أحد أبرز مظاهر التعاون الاقتصادي والفني بين البلدين خلال السنوات الأخيرة, وقد ارتبط توقيع عقد المشروع عام 2018 بتوجه مصري نحو دعم مشروعات البنية التحتية في أفريقيا، وبالتوازي مع تنامي الاهتمام التنزاني بالاستفادة من الخبرة المصرية في تنفيذ المشروعات الكبرى.

وتكتسب المشاركة المصرية في المشروع خصوصيتها من طبيعة السد وحجمه؛ فتنفيذ محطة كهرومائية بقدرة تبلغ 2115 ميجاوات في بيئة جغرافية وهيدرولوجية معقدة يتطلب خبرات هندسية وتمويلية وإدارية متقدمة، وهو ما أتاح للشركات المصرية اختبار قدراتها في تنفيذ مشروع استراتيجي داخل سوق أفريقية خارج مصر، وقد شارك في تنفيذ المشروع نحو 12 ألف عامل، من بينهم قرابة 1700 مهندس وفني مصري، وفق ما أعلنه رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال زيارته لتنزانيا بمناسبة افتتاح المشروع.

ومن ثم، فإن القيمة السياسية للمشاركة المصرية لا تنفصل عن القيمة المهنية التي أتاحها المشروع للشركات والخبرات المصرية، إذ أصبحت التجربة نفسها جزءًا من صورة القدرات المصرية التي يمكن تقديمها للشركاء الأفارقة في مشروعات البنية التحتية الكبرى.

وقد انعكست هذه المشاركة كذلك على مستوى العلاقات السياسية بين القاهرة ودار السلام؛ إذ لم يكن سد جوليوس نيريري مشروعًا منفصلًا عن مسار العلاقات الثنائية، بل أصبح أحد الملفات التي حظيت بمتابعة مباشرة من القيادتين المصرية والتنزانـية. فقد أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه الرئيسة التنزانية سامية حسن في ديسمبر 2023، أهمية الاستفادة من الخبرات المصرية في تنفيذ المشروعات الكبرى، مشيرًا بصورة خاصة إلى المشاركة المصرية الفعالة في إنشاء سد جوليوس نيريري، كما أكد متابعته لمراحل تنفيذ المشروع، ويكشف ذلك عن انتقال المشروع من مستوى التعاون بين الشركات والحكومات إلى مستوى أعلى أصبح فيه السد أحد الملفات المرتبطة مباشرة بإدارة العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.

وتزداد أهمية هذا البعد مع افتتاح المشروع في أغسطس 2026، إذ شارك رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في مراسم الافتتاح ممثلًا للرئيس السيسي، إلى جانب الرئيسة التنزانية سامية حسن، في مشهد يعكس المكانة السياسية التي اكتسبها المشروع بعد اكتماله.

ولم تعد المشاركة المصرية مرتبطة بمرحلة الإنشاء فقط، وإنما أصبح افتتاح المشروع مناسبة لإعادة التأكيد على طبيعة الشراكة بين البلدين، وعلى قدرة التعاون المصري–التنزانـي على إنتاج مشروعات استراتيجية ذات أثر مباشر على الاقتصاد والتنمية. وقد وصف الجانب المصري المشروع بأنه نموذج للتعاون التنموي بين مصر والدول الأفريقية، بينما أكدت القيادة التنزانية تقديرها للدور المصري في إنجاز المشروع.

ولا تنفصل هذه التطورات عن التحول الأوسع في مفهوم السياسة المصرية تجاه أفريقيا، حيث أصبحت مشروعات التنمية والبنية الأساسية إحدى أدوات بناء الشراكات طويلة المدى. فبدل أن تظل العلاقات قائمة بصورة أساسية على الاتصالات السياسية أو المساعدات الفنية المحدودة، تسمح المشروعات الكبرى بخلق مصالح اقتصادية ومؤسسية متبادلة تستمر حتى بعد انتهاء المشروع.

وفي حالة جوليوس نيريري، فإن هذه المصالح تمتد من الحكومة التنزانية إلى شركات المقاولات والطاقة المصرية، والكوادر الفنية، وشبكات الكهرباء، ومجالات التدريب ونقل الخبرة، وهو ما يمنح التعاون طابعًا أكثر استدامة من مجرد التعاون السياسي الظرفي.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى سد جوليوس نيريري باعتباره إحدى أدوات القوة الناعمة الاقتصادية المصرية في شرق أفريقيا، فالقوة الناعمة لا تتشكل فقط من خلال الثقافة أو الدبلوماسية العامة، وإنما يمكن أن تتعزز أيضًا عندما ترتبط صورة الدولة لدى شركائها بقدرتها على تقديم حلول عملية لمشكلات التنمية.

وفي هذا السياق، فإن نجاح الشركات المصرية في تنفيذ مشروع تنموي بهذا الحجم يمنح القاهرة فرصة لتقديم نفسها كشريك قادر على المساهمة في معالجة تحديات الطاقة والبنية التحتية، وليس فقط كدولة تتبنى مواقف سياسية تجاه القضايا الأفريقية.

وقد أكد مصطفى مدبولي، بالتزامن مع افتتاح المشروع، أن التجربة تعكس قدرات الشركات المصرية وحضور مصر المتنامي في أفريقيا، واعتبر المشروع نموذجًا للقوة الناعمة المصرية.

كما تكتسب هذه الشراكة أهمية إضافية من الموقع الجغرافي والسياسي لتنزانيا داخل شرق أفريقيا؛ فالدولة تتمتع بموقع يربط منطقة البحيرات العظمى بالمحيط الهندي، كما أنها جزء من منظومة دول حوض النيل، الأمر الذي يجعل تطوير العلاقات معها ذا أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية المباشرة. وفي هذا الإطار، يوفر التعاون التنموي مدخلًا لتوسيع مجالات التواصل المصري مع دولة ذات وزن إقليمي في شرق أفريقيا، خاصة أن العلاقات المصرية–التنزانـية تستند إلى خلفية تاريخية تعود إلى مرحلة التحرر الأفريقي، وشهدت خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا في مستوى الزيارات والاتصالات والتعاون الاقتصادي والفني.

وتبرز خصوصية سد جوليوس نيريري بصورة أكبر عند وضعه في سياق العلاقات المصرية مع دول حوض النيل، فالمشروع يسمح لمصر بإظهار أن موقفها من مشروعات التنمية المائية في دول الحوض لا يقوم على رفض التنمية أو الاعتراض على إقامة مشروعات لتوليد الطاقة، وإنما يرتبط، وفق الخطاب المصري، بضرورة ألا تؤدي المشروعات إلى الإضرار بالمصالح المائية للدول الواقعة أسفل النهر.

وقد برز هذا البعد بصورة واضحة في تصريحات مصطفى مدبولي بالتزامن مع افتتاح السد، حين قدم المشروع باعتباره دليلًا على دعم مصر للتنمية في دول حوض النيل، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة حماية مصالح دول المصب.

وهنا تبرز إحدى أهم الدلالات السياسية للمشروع؛ إذ يمنح سد جوليوس نيريري مصر فرصة لإعادة صياغة خطابها تجاه التنمية في حوض النيل من خلال نموذج عملي للتعاون مع دولة من دول الحوض. فوجود الشركات المصرية في مشروع تنموي ضخم في تنزانيا، ومشاركة القيادة المصرية في افتتاحه، يوفران للقاهرة مساحة لإظهار أن التعاون في مجال المياه والطاقة يمكن أن يكون مجالًا للشراكة بدلًا من أن يتحول بالضرورة إلى مصدر للتوتر.

وفي الوقت نفسه، فإن هذه الدلالة لا ينبغي المبالغة فيها؛ فنجاح النموذج المصري–التنزانـي في مشروع جوليوس نيريري لا يعني تلقائيًا إمكانية تكراره في جميع دول حوض النيل، لأن طبيعة العلاقات والمصالح والهياكل السياسية والمائية تختلف من دولة إلى أخرى.

ومن ثم، فإن القيمة الاستراتيجية للمشاركة المصرية في سد جوليوس نيريري تتجاوز حدود المشروع نفسه؛ فهي تفتح أمام القاهرة إمكانية تحويل الخبرة المكتسبة من تنفيذه إلى قاعدة لتوسيع التعاون مع تنزانيا في مجالات أخرى، كما تمنح الشركات المصرية سجلًا عمليًا يمكن الاستناد إليه عند التنافس على مشروعات بنية تحتية جديدة في القارة. وقد أظهرت الاتصالات المصرية–التنزانـية خلال عام 2026 اهتمامًا بتوسيع نطاق التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري والصناعي والتنموي، وهو ما يشير إلى أن السد قد يمثل نقطة انطلاق لشراكة أوسع، وليس مجرد مشروع انتهى بانتهاء أعمال الإنشاء.

وبذلك، يكشف سد جوليوس نيريري عن تحول مهم في طبيعة الحضور المصري في شرق أفريقيا؛ فالمشروع يجمع بين الدبلوماسية السياسية والخبرة الفنية والمصالح الاقتصادية والتعاون التنموي في إطار واحد. وإذا كانت القاهرة قد استفادت من المشروع في تعزيز صورتها كشريك تنموي يمتلك خبرات في تنفيذ المشروعات الكبرى، فإن التحدي الحقيقي بعد الافتتاح يتمثل في قدرة مصر على تحويل هذا الرصيد إلى تعاون مؤسسي طويل الأمد، بحيث لا يظل نجاح جوليوس نيريري حالة منفردة، وإنما يصبح مدخلًا لتوسيع الشراكة المصرية–التنزانـية وتعزيز حضور الشركات والخبرات المصرية في شرق أفريقيا.

يكشف مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري أن المشروعات الكبرى للبنية التحتية في أفريقيا لم تعد تقتصر دلالاتها على قدرتها على توفير الخدمات الأساسية، وإنما أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بأهداف أوسع تتعلق بالتنمية الاقتصادية، وأمن الطاقة، وإدارة الموارد الطبيعية، وبناء الشراكات الإقليمية. فبالنسبة إلى تنزانيا، يمثل دخول المشروع مرحلة التشغيل والافتتاح الرسمي خطوة مهمة في مسار توسيع قدراتها في مجال توليد الكهرباء، وتوفير قاعدة أكثر ملاءمة للتوسع الصناعي والاقتصادي، وإن كانت الاستفادة الكاملة من هذه الإمكانات ستظل مرتبطة بقدرة الدولة على إدارة الموارد المائية للحوض بصورة تحقق التوازن بين احتياجات الطاقة والزراعة والرعي والحفاظ على النظم البيئية.

وفي المقابل، يمثل المشروع بالنسبة إلى مصر تجربة مختلفة في توظيف الخبرة الفنية والشركات الوطنية في دعم العلاقات مع الدول الأفريقية، فقد أتاح تنفيذ مشروع بهذا الحجم في تنزانيا انتقال التعاون المصري–التنزانـي من مستوى العلاقات السياسية والدبلوماسية إلى شراكة عملية ترتبط بمشروع تنموي استراتيجي، وهو ما يمنح مصر رصيدًا يمكن البناء عليه في توسيع التعاون في مجالات البنية التحتية والطاقة والاستثمار ونقل الخبرات، كما أن المشاركة المصرية في المشروع تتيح للقاهرة تقديم نموذج عملي يؤكد أن دعم التنمية في دول حوض النيل يمكن أن يمثل مجالًا للتعاون والشراكة، وليس بالضرورة مصدرًا للتنافس.

ومع ذلك، فإن نجاح سد جوليوس نيريري لا يعني بصورة تلقائية تحولًا جذريًا في موقع مصر داخل شرق أفريقيا، وإنما يوفر فرصة استراتيجية يتوقف استثمارها على ما ستفعله القاهرة بعد اكتمال المشروع ،فإذا استطاعت مصر تحويل النجاح الهندسي إلى شراكات اقتصادية وتنموية مستدامة، وتوسيع حضور شركاتها وخبراتها في مشروعات جديدة، فقد يصبح السد نقطة انطلاق لنمط أكثر اتساعًا من الحضور المصري في المنطقة، أما إذا ظل التعاون مرتبطًا بمشروع واحد وانتهى بانتهاء مرحلة التنفيذ، فإن أثره السياسي والاستراتيجي سيظل محدودًا.

ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لسد جوليوس نيريري لا تكمن فقط في حجم الطاقة التي سيضيفها إلى منظومة الكهرباء التنزانية، وإنما في قدرته المحتملة على إنتاج مسار جديد من الشراكة المصرية–التنزانـية يقوم على المصالح الاقتصادية والتنموية المتبادلة ،وفي هذا السياق، يظل التحدي الأساسي أمام البلدين هو الانتقال من نجاح مشروع واحد إلى بناء نموذج متكامل للتعاون، يمكن أن يمتد إلى قطاعات أخرى، بما يعزز قدرة تنزانيا على تحقيق أهدافها التنموية، ويفتح في الوقت نفسه أمام مصر آفاقًا أوسع للحضور الاقتصادي والتنموي في شرق أفريقيا.

الهوامش

Chuhila, Maxmillian Julius. “Contested Waters: Watering Agriculture, Pastoralism, Conservation and Hydropower in the Rufiji Basin Complex, 1960 to the Present.” Journal of Eastern African Studies 19, no. 1 (2025): 69–89. https://doi.org/10.1080/17531055.2025.2572258⁠.

Minja, Emma Athanasio, and Detlef Müller-Mahn. “Reviving a Ghost Project: The Long History of the Nyerere Dam in Tanzania.” Third World Quarterly 47, no. 1 (2026): 82–103. https://doi.org/10.1080/01436597.2025.2566953⁠.

 

 

Tanzania, Egypt Unveil Commemorative Plaque for Julius Nyerere Hydroelectric Dam & Power Station Project.” 22 August 2026.

Ahram Online. “Julius Nyerere Dam Debunks Claims Egypt Opposes Nile Basin Development: PM Madbouly.” August 22, 2026.

Ahram Online. “In Photos: PM Madbouly and President Samia Suluhu Hassan Inaugurate Julius Nyerere Hydropower Station and Dam in Tanzania.” August 22, 2026.

Msafiri, Sanjito. “High Hopes in Coast Region as 2,115MW Nyerere Project 

Set for Launch.” The Citizen, August 20, 2026.

Political Relations between Egypt and Tanzania.

  10-رئاسة جمهورية مصر العربية. «الرئيس السيسي يستقبل رئيسة تنزانيا». 21 ديسمبر 2023

 

طالع أيضاً 

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : فتحي الديب… مهندس العلاقات المصرية مع حركات التحرر الإفريقية .. ورجل المهام الإستراتيجية في عهد عبد الناصر 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى