أخبار عاجلةاقتصاد افريقي

رامي زهدي يكتب : من الجوار إلى الشراكة .. التكامل العربي الإفريقي ضرورة استراتيجية في عالم يعيد تشكيل أركانه

>> رامي زهدي يقترح “مجلس عربي إفريقي للقطاع الخاص” يعمل بصورة دائمة ويضم مجموعات عمل قطاعية في الزراعة والغذاء والطاقة والصناعة والدواء والتكنولوجيا والنقل والخدمات المالية والسياحة

 

لم يعد الحديث عن التعاون العربي الإفريقي ترفا دبلوماسيا، ولا مناسبة موسمية تتكرر في بيانات القمم والمؤتمرات، ولا مجرد استدعاء للتاريخ والجغرافيا والروابط الثقافية التي تجمع بين ضفتي البحر الاحمر وشمال القارة وامتداداتها الشرقية والغربية، فنحن أمام مساحة استراتيجية يمكن أن تصبح واحدة من أهم دوائر النمو الاقتصادي والسياسي في العالم خلال العقود المقبلة، إذا انتقلنا من فكرة التعاون بوصفها عنوانا عاما، إلى مفهوم التكامل بوصفه سياسة ومؤسسات ومصالح ومشروعات قابلة للقياس والتنفيذ.

المشكلة الحقيقية ليست في غياب المقومات، بل ربما في وفرتها دون أن تتحول بالقدر الكافي إلى منظومة متماسكة، فالعالم العربي وإفريقيا يمتلكان معا كتلة بشرية واقتصادية وجغرافية وموارد طبيعية وأسواقا واعدة وممرات بحرية وموقعا استراتيجيا بين آسيا وأوروبا، ومع ذلك لا تزال العلاقات الاقتصادية بين الجانبين أقل كثيرا من الامكانات التي تتيحها هذه المعطيات.

وهنا تحديدا يجب أن نعيد تعريف السؤال، لم يعد السؤال: ماذا يمكن أن يقدم العرب لإفريقيا، أو ماذا يمكن أن تقدم إفريقيا للعرب؟ السؤال الأكثر نضجا هو: كيف يمكن أن يبني الطرفان قيمة مشتركة داخل سلاسل انتاج وتجارة واستثمار تمتد من الخليج وشمال إفريقيا إلى شرق وغرب ووسط وجنوب القارة؟

هذه النقلة في طريقة التفكير ليست لغوية، بل اقتصادية وسياسية واستراتيجية.

إفريقيا تدخل العقد الحالي بثقل ديموغرافي غير مسبوق، فقد تجاوز عدد سكان القارة 1.5 مليار نسمة وفقا للتقديرات الحديثة، بينما تشير التوقعات إلى اقتراب العدد من 2.5 مليار نسمة خلال العقود الثلاثة المقبلة، كما أن القارة تتميز بتركيبة سكانية شابة للغاية، بما يجعلها ليست فقط سوقا استهلاكية ضخمة في المستقبل، وإنما أيضا قاعدة هائلة للعمالة والانتاج وريادة الأعمال والخدمات الرقمية.

هذه الأرقام تعني ببساطة أن من يريد أن يقرأ اقتصاد المستقبل لا يستطيع أن يتعامل مع إفريقيا باعتبارها هامشا في النظام الاقتصادي العالمي، إفريقيا ستكون جزءا أساسيا من معادلة الطلب العالمي، ومن سوق العمل، ومن سلاسل الامداد، ومن معادلات الغذاء والطاقة والمعادن الاستراتيجية، ومن الاقتصاد الرقمي.

وفي المقابل يمتلك العالم العربي عناصر قوة لا تقل أهمية، بداية من الموقع الجغرافي الذي يربط آسيا بإفريقيا وأوروبا، مرورا برؤوس الاموال والصناديق السيادية والخبرات في البنية التحتية والطاقة واللوجستيات، وصولا إلى شبكات الموانئ والمناطق الاقتصادية والمطارات وشركات الخدمات المالية والاستثمارية.

وعندما تلتقي هذه المزايا مع الموارد الطبيعية والبشرية والأسواق الإفريقية، لا تكون النتيجة مجرد زيادة في حجم التجارة، وإنما امكانية بناء منظومة اقتصادية جديدة.

لكن علينا أن نكون صريحين، حجم التجارة البينية الإفريقية نفسها لا يزال أقل من الامكانات، ووفقا لتقرير التجارة الإفريقية لعام 2025، لا تزال التجارة داخل القارة تمثل نحو 14% فقط من اجمالي صادرات وواردات إفريقيا الرسمية، رغم التحسن الذي شهدته في السنوات الأخيرة، وفي 2024 ارتفعت التجارة البينية الإفريقية بقوة إلى نحو 220.3 مليار دولار، بزيادة 12.4%، مقارنة بنحو 192.2 مليار دولار في 2023.

هذه ليست أرقاما محبطة بقدر ما هي مؤشر على حجم الفرصة، فحين تكون قارة تضم أكثر من 50 دولة ويقترب سكانها من 1.5 مليار نسمة، ثم لا تزال نسبة التجارة الداخلية فيها عند حدود محدودة، فهذا يعني أن هناك مساحة ضخمة غير مستغلة لتوطين الانتاج، وتحسين سلاسل الامداد، وتطوير النقل، وربط الأسواق، وتوحيد المعايير، وتسهيل المدفوعات، وبناء صناعات عابرة للحدود.

وهنا تظهر قيمة التعاون العربي الإفريقي، والافضل من وجهة نظري ألا ننظر إلى الدول العربية باعتبارها سوقا خارجية لإفريقيا، ولا الى القارة باعتبارها مجرد سوق للصادرات العربية، النموذج الأكثر فاعلية هو أن يتحول الطرفان إلى شريكين في الانتاج.

فبدلا من أن تستورد دولة عربية سلعة إفريقية خاما وتعيد تصديرها أو تصنيعها في مكان آخر، يمكن أن يتم بناء سلسلة قيمة مشتركة، وبدلا من أن تنظر دولة إفريقية إلى المستثمر العربي باعتباره ممولا لمشروع منفرد، يمكن أن تنظر إليه باعتباره شريكا في منظومة صناعية أو زراعية أو لوجستية متكاملة، وهذا الفارق هو الذي يصنع التنمية المستدامة، فالأمن الغذائي على سبيل المثال يمثل أحد أكبر ميادين التكامل العربي الإفريقي، العالم العربي يمتلك طلبا متزايدا على الغذاء، بينما تمتلك إفريقيا مساحات زراعية وموارد مائية ومناخية وامكانات ضخمة لزيادة الانتاج الزراعي، لكن القضية ليست في شراء الأرض أو تصدير المحاصيل، بل في بناء منظومة متكاملة تبدأ من البحث الزراعي والبذور والري الحديث والتصنيع الغذائي وسلاسل التبريد والتخزين والنقل والتأمين والتمويل وتنتهي بالسوق، وهذا النموذج يمكن أن يحول العلاقة من تجارة غذاء إلى شراكة في الأمن الغذائي، وهو ما يجعل الزراعة واحدة من أهم القطاعات التي يجب أن تتصدر أجندة التعاون العربي الإفريقي، خصوصا في ظل هشاشة سلاسل الامداد العالمية التي كشفتها الأزمات المتلاحقة خلال السنوات الأخيرة .

ولا يقل عن ذلك أهمية قطاع الطاقة، فإفريقيا تمتلك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز والمعادن والطاقة المتجددة، بينما يمتلك عدد من الدول العربية خبرات وتمويلا وقدرات تنفيذية واسعة في قطاعات الطاقة التقليدية والمتجددة، وبالتالي يمكن الانتقال من بيع الطاقة وشراء الطاقة إلى بناء صناعات الطاقة نفسها، بما في ذلك الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية وطاقة الرياح وشبكات النقل والتخزين ومكونات التكنولوجيا المرتبطة بها، والقضية هنا ليست فقط انتاج الكهرباء، وإنما تحويل الطاقة إلى ميزة تنافسية صناعية، فالدولة التي تمتلك كهرباء رخيصة ومستقرة تستطيع جذب صناعة، والدولة التي تطور الموانئ والطرق تستطيع جذب تجارة، والدولة التي تمتلك صناعة تحويلية تستطيع مضاعفة قيمة مواردها، والدولة التي تربط كل ذلك بالتمويل الرقمي تستطيع بناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة.

من هنا يصبح الاستثمار العربي في إفريقيا، والاستثمار الأفريقي في الدول العربية، جزءا من استراتيجية إعادة تشكيل سلاسل القيمة وليس مجرد حركة رؤوس أموال، وتكشف بيانات مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية عن اتساع مساحة الاستثمار في إفريقيا , فقد ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى القارة إلى نحو 97 مليار دولار في 2024، مقابل 55.4 مليار دولار في 2023، بزيادة بلغت نحو 75%.

كما ارتفعت التدفقات إلى شمال إفريقيا بصورة كبيرة، مدفوعة بصورة رئيسية بالقفزة الكبيرة في مصر، وهذه الأرقام لا تعني أن إفريقيا حلت مشكلة التمويل، بل تعني العكس تماما: السوق الإفريقية تجذب مزيدا من رؤوس الأموال، والمنافسة على الفرص الإفريقية تتزايد، ومن لا يبني حضورا اقتصاديا منظما اليوم قد يجد نفسه غدا خارج قطاعات كاملة من اقتصاد القارة، وهنا يجب أن ننتقل من الاستثمار الفردي إلى الاستثمار المؤسسي، فنحن في حاجة الى صناديق استثمار عربية إفريقية مشتركة، وإلى منصات لتمويل المشروعات العابرة للحدود، وإلى ضمانات ائتمانية، وإلى آليات لتقليل مخاطر الاستثمار، وإلى تأمين التجارة، وإلى أدوات تمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإلى ربط المؤسسات المالية العربية مثل الصناديق السيادية والبنوك التنموية والمؤسسات المتخصصة بنظيراتها الإفريقية.

وهناك بالفعل بنية مؤسسية يمكن البناء عليها، فبرنامج جسور التجارة العربية الإفريقية يعمل على دعم التجارة والاستثمار، وتشارك فيه مؤسسات مالية وتنموية عربية وإفريقية واسلامية، فيما تمثل مؤسسات مثل المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا جسرا مؤسسيا تاريخيا بين الطرفين، كما ركزت المبادرات العربية الأفريقية على قطاعات مثل الأمن الغذائي والبنية التحتية والتمويل والتجارة.

لكن التحدي هو الانتقال من تعدد المبادرات إلى تكاملها، فلدينا مؤسسات كثيرة، وبرامج كثيرة، ومنتديات كثيرة، ومذكرات تفاهم كثيرة، لكننا لا نزال بحاجة إلى آلية عربية إفريقية أكثر قدرة على تحويل الأفكار الى مشروعات، والمشروعات إلى استثمارات، والاستثمارات إلى وظائف وقيمة مضافة.

وهنا اقترح أن يكون التفكير في تأسيس منظومة عربية إفريقية للتنمية والاستثمار والتجارة البينية أكثر جرأة من مجرد عقد منتدى سنوي، منظومة تستطيع أن تحدد المشروعات ذات الأولوية، وتجمع بيانات الأسواق، وتحدد احتياجات كل دولة، وتربط المستثمر بالفرصة، وتقدم دراسات الجدوى والضمانات والتمويل، وتتابع التنفيذ، وتقيس العائد التنموي والاقتصادي.

نحن بحاجة إلي بنك مشروعات عربي أفريقي، وليس مجرد بنك معلومات، نحتاج إلى قاعدة بيانات حية تقول للمستثمر العربي: هذه الدولة تحتاج إلى مصنع أسمدة، وهذه تحتاج إلى محطة طاقة، وهذه تحتاج إلى صوامع، وهذه تحتاج إلى منطقة لوجستية، وهذه لديها خامات تحتاج إلى التصنيع، وهذه لديها سوق استهلاكية قابلة للنمو.

وفي الاتجاه الآخر تقول للمستثمر الإفريقي: هذه الأسواق العربية تحتاج إلى منتجاتك، وهذه الشركات العربية تبحث عن شركاء، وهذه الموانئ يمكن أن تكون بوابتك، وهذه المؤسسات المالية قادرة على تمويل توسعك.

الاقتصاد الحديث لا يتحرك فقط بالموارد، بل بالمعلومة التي تصل إلى صاحب القرار في الوقت المناسب، ومن هنا يأتي ملف التجارة الرقمية والمدفوعات العابرة للحدود، ولا يمكن بناء تجارة عربية إفريقية كبيرة بينما تظل حركة الأموال بين الدول أكثر تعقيدا من حركة البضائع نفسها، ولذلك فإن تطوير أنظمة الدفع والتسوية، والاستفادة من المنصات الإفريقية وربطها مستقبلا بشبكات دفع عربية، يمكن أن يخفض تكلفة التجارة ويقلل الاعتماد المفرط على العملات الوسيطة، ويفتح الباب أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة لدخول الأسواق، والشركات الصغيرة والمتوسطة يجب أن تكون في قلب هذه المعادلة، لانها الأكثر قدرة على الانتشار السريع والابتكار وخلق الوظائف .

وفي هذا السياق، فإن التجارة العربية الإفريقية يجب ألا تظل تجارة حكومات وشركات عملاقة فقط، يجب أن تصبح تجارة رجال أعمال، ومصنعين، ومزارعين، وشركات تكنولوجيا، وشركات لوجستيات، وشباب ورواد أعمال، وهنا يمكن لمصر أن تلعب دورا محوريا، فمصر ليست فقط دولة عربية وإفريقية في الوقت ذاته، بل تمتلك موقعا فريدا يؤهلها للعمل كمنصة اتصال بين الخليج وشمال إفريقيا وشرق القارة وامتداداتها جنوبا، قناة السويس، والموانئ المصرية، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وشبكة الطرق والمطارات، والقاعدة الصناعية، والعضوية في منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، كلها عناصر يمكن أن تجعل مصر مركزا للتجارة والاستثمار العربي الافريقي.

والأرقام تؤكد وجود قاعدة يمكن البناء عليها، فقد ارتفع حجم التجارة بين مصر ودول الاتحاد الإفريقي الى 9.8 مليار دولار في 2024 مقابل 9.2 مليار دولار في 2023، بزيادة 6.5%. وبلغت الصادرات المصرية إلى الدول الإفريقية نحو 7.7 مليار دولار، بينما بلغت الواردات 2.1 مليار دولار.

لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه في مصر ليس: هل زادت الصادرات؟ السؤال الأهم هو: هل نستطيع أن نضاعفها؟ وهل نستطيع أن نجعل مصر منصة لاعادة تصدير المنتجات الإفريقية إلى الأسواق العربية والآسيوية، ومنصة لدخول المنتجات العربية إلى إفريقيا وهل نستطيع أن نبني سلاسل انتاج مصرية إفريقية مشتركة بدلا من الاكتفاء بالتجارة التقليدية؟ وهل نستطيع أن نحول الموانئ والمناطق الاقتصادية إلى مراكز تصنيع وتوزيع، لا مجرد نقاط عبور؟

هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تكون على طاولة الدولة والقطاع الخاص والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، والتكامل العربي الإفريقي يحتاج كذلك إلى اعادة النظر في مفهوم البنية التحتية، فالموانئ والطرق وحدها لا تكفي، نحتاج إلى بنية تحتية متكاملة للتجارة: ممرات اقتصادية، مناطق لوجستية، مخازن، صوامع، سلاسل تبريد، مراكز جمركية، نظم رقمية، تأمين، تمويل، وخدمات نقل متعددة الوسائط.

والممر التجاري الحقيقي لا يبدأ من الطريق ولا ينتهي عند الميناء، بل يبدأ من المنتج وينتهي عند المستهلك، وهذا يفتح الباب أمام فكرة استراتيجية أكبر تتمثل في ربط الممرات العربية الافريقية، خاصة تلك التي تصل البحر الأحمر بشرق إفريقيا، بالموانئ المصرية وشمال إفريقيا، ثم بالأسواق الأوروبية.

إن الموقع الجغرافي لا يصنع القيمة وحده، القيمة تصنعها القدرة على تشغيل الموقع، وهنا تأتي أهمية البحر الأحمر، الذي يجب ألا ينظر إليه فقط باعتباره ممرا للملاحة، بل باعتباره فضاء اقتصاديا مشتركا بين الدول المطلة عليه والدول المرتبطة بحركته التجارية، مصر والسودان والسعودية وجيبوتي والصومال واليمن ودول شرق إفريقيا يمكن أن تكون جزءا من منظومة اقتصادية أوسع، إذا تم التعامل مع البحر الأحمر كمنطقة اتصال لا كخط فاصل، ومن الضروري إيضا ألا يقتصر التعاون العربي الإفريقي على الاقتصاد بمعناه التقليدي، التعليم والتدريب ونقل التكنولوجيا والصحة والدواء والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والأمن السيبراني والبحث العلمي كلها مجالات يمكن أن تتحول إلى مساحات جديدة للشراكة.

إفريقيا لا تحتاج فقط إلى تمويل المشروعات، بل تحتاج إلى المعرفة التي تجعل المشروعات أكثر كفاءة، والعالم العربي لا يحتاج فقط إلى أسواق، بل يحتاج إلى بناء شبكات انتاج وخدمات طويلة المدى، لذلك فإن تأسيس برامج عربية إفريقية للتدريب المهني والتقني، وربط الجامعات ومراكز البحث، وانشاء برامج مشتركة في التكنولوجيا الزراعية والذكاء الاصطناعي والطاقة والدواء، يمكن ان يكون اكثر تأثيرا من عشرات المؤتمرات التقليدية.

وفي تقديري، فإن اكبر خطأ يمكن ان تقع فيه العلاقات العربية الإفريقية هو استمرار التعامل مع إفريقيا باعتبارها ملفا سياسيا أو دبلوماسيا فقط، فافريقيا اقتصاد، إفريقيا سوق، إفريقيا موارد، إفريقيا قوة بشرية، إفريقيا ممرات وموانئ، إفريقيا مستقبل صناعي وغذائي وطاقة ومعادن.

وفي الوقت نفسه، فإن العالم العربي ليس فقط ممولا أو مستثمرا، بل هو أيضا سوق كبير وموقع استراتيجي وخبرة صناعية وتمويلية ولوجستية يمكن أن تتكامل مع القدرات الإفريقية،ومن هنا يجب أن تكون العلاقة ندية، لا تقوم على فكرة المانح والمتلقي، نحن لا نحتاج إلى علاقة تقوم على مساعدات متقطعة بقدر حاجتنا إلى شراكات تنتج الثروة، لا نحتاج إلى تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات النهائية، بل إلى تصنيع مشترك، لا نحتاج إلى مشروعات منفردة، بل إلى سلاسل قيمة، لا نحتاج إلى عشرات مذكرات التفاهم، بل إلى عقود ومشروعات ونتائج، لا نحتاج إلى قمم أكثر، بقدر حاجتنا إلى تنفيذ أكثر، وهذا تحديدا ما ينبغي أن يكون عليه التفكير العربي الإفريقي في المرحلة المقبلة.

العالم يتغير بسرعة. مراكز القوة الاقتصادية تتوزع، وسلاسل الامداد يعاد تشكيلها، والمنافسة على المعادن والطاقة والغذاء والاسواق تزداد، والحماية التجارية تتصاعد، والتكنولوجيا تعيد تعريف عناصر القوة الاقتصادية، وفي مثل هذا العالم، فإن الإقليم الذي لا يبني شبكاته الاقتصادية الخاصة يصبح مضطرا إلى استخدام شبكات الآخرين، وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية للتكامل العربي الإفريقي.

ليس المطلوب انشاء كتلة مغلقة في مواجهة العالم، وإنما بناء كتلة منفتحة قادرة على التفاوض من موقع أقوى.

القارة الإفريقية تحتاج إلى شركاء يساعدونها على الانتقال من تصدير الموارد الى تصنيعها، والعالم العربي يحتاج إلى أسواق واستثمارات وشراكات جديدة تقلل مخاطر الاعتماد على عدد محدود من الأسواق العالمية.

وهذه ليست علاقة مساعدات، هذه علاقة مصالح متبادلة، ومن المفيد أيضا النظر إلى التجارب القائمة، فالاتجاه نحو سلاسل القيمة الإقليمية يتزايد، والمنتديات الاقتصادية العربية الإفريقية بدأت تركز بصورة أكبر على الاستثمار والتجارة والأمن الغذائي والبنية التحتية، وكذلك فتح مساحات عملية للتجارة والتمويل والاستثمار، في حين تبرز مؤسسات التمويل الإفريقية والعربية كأدوات يمكن تطويرها لخدمة مرحلة جديدة من التعاون،لكن النجاح لن يتحقق إذا ظل القطاع العام وحده هو المحرك، القطاع الخاص يجب أن يكون في غرفة صناعة القرار الاقتصادي العربي الإفريقي، لا في الصفوف الأخيرة من المؤتمرات، ورجال الأعمال يجب ان يكونوا شركاء في صياغة الأولويات، وليسوا مجرد مدعوين لتوقيع مذكرات،كما أن الغرف التجارية واتحادات الصناعات والمصدرين والمستثمرين تحتاج إلى شبكات دائمة وليست فعاليات مؤقتة.

ومن هنا يمكن التفكير في إنشاء مجلس عربي إفريقي للقطاع الخاص، يعمل بصورة دائمة، ويضم مجموعات عمل قطاعية في الزراعة والغذاء والطاقة والصناعة والدواء والتكنولوجيا والنقل والخدمات المالية والسياحة.

ويمكن لهذا المجلس أن يصدر بصورة دورية خريطة للفرص الاستثمارية والتجارية، مع تحديد حجم السوق والمخاطر والتمويل المطلوب والشركاء المحتملين.

هذا النوع من الأدوات هو الذي ينقل التعاون من مستوى الخطاب إلى مستوى الاقتصاد الحقيقي.

وفي مصر، يمكن أن تكون لدينا مبادرة وطنية أوسع تحت عنوان “مصر بوابة الاستثمار العربي في إفريقيا”، لا تقوم على تسويق مصر فقط، وإنما على تقديمها باعتبارها منصة لتجميع رأس المال والخبرة العربية مع الفرص الإفريقية.

ويمكن ربط ذلك بموانئ البحر المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس والمنطقة الاقتصادية والمناطق الصناعية وشبكات النقل المصرية، مع تطوير خدمات مالية وقانونية ولوجستية مخصصة للمستثمرين الراغبين في التوسع داخل إفريقيا.

وهذا يتطلب أيضا تطوير الكفاءة المصرية في فهم الأسواق الإفريقية، فالأفريقيا ليست سوقا واحدة، ولا يجوز التعامل معها بمنطق واحد، شرق إفريقيا يختلف عن غربها، ووسط القارة يختلف عن الجنوب، والدول الناطقة بالفرنسية لها بيئة أعمال مختلفة عن الدول الأنجلوساكسونية، والاقتصادات الساحلية تختلف عن الدول الحبيسة.

لذلك فإن النجاح يحتاج إلى تخصص جغرافي وقطاعي عميق، والمستثمر الذي يدخل إفريقيا دون دراسة البيئة السياسية والتشريعية والثقافية واللوجستية والمالية للسوق قد يتحول مشروعه إلى تكلفة بدلا من ان يكون فرصة، وهنا تظهر أهمية مراكز الأبحاث والدراسات والاستشارات المتخصصة في الشأن الإفريقي، ودورها في توفير المعلومات وتحليل المخاطر وبناء السيناريوهات.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة، فالتجارة تحتاج الى استقرار، والاستثمار يحتاج إلى ثقة، والثقة تحتاج إلى علاقات سياسية مستقرة ومؤسسات فعالة، ومن ثم فإن التكامل العربي الإفريقي يجب أن يكون له بعد سياسي واستراتيجي واضح، خاصة في ملفات الأمن الغذائي والمائي والطاقة وأمن البحر الأحمر ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية وتغير المناخ، وهذه الملفات لا تعترف بالحدود السياسية، والدولة التي تتعامل معها منفردة ستدفع تكلفة أعلى من الدولة التي تبني تحالفات إقليمية ذكية، ولعل أحد اهم الدروس التي ينبغي استخلاصها هو أن الجغرافيا لا تكفي لبناء التكامل، كما ان التاريخ وحده لا يصنع المصالح.

المصالح تحتاج إلى مؤسسات، والأفكار تحتاج إلى تمويل، والاتفاقات تحتاج إلى آليات تنفيذ، والطموحات تحتاج إلى مؤشرات قياس.

لذلك فإنني أرى ان المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على خمسة تحولات كبرى في التفكير العربي الإفريقي: من المساعدات إلى الاستثمار، ومن تصدير المواد الخام إلى القيمة المضافة، ومن التجارة الثنائية إلى سلاسل القيمة الاقليمية، ومن المؤتمرات إلى منصات التنفيذ، ومن العلاقات الحكومية وحدها إلى شراكة كاملة بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات المالية والجامعات ومراكز الابحاث والمجتمع المدني.

واذا نجحنا في تحقيق هذه التحولات، فإن البحر الأحمر يمكن أن يتحول من منطقة توتر ومخاطر إلى محور اقتصادي، وشمال افريقيا يمكن أن تصبح منصة صناعية ولوجستية، وشرق إفريقيا يمكن أن تصبح مركزا للانتاج والتجارة، والخليج يمكن أن يكون أحد مصادر التمويل والاستثمار، ومصر يمكن أن تلعب دور حلقة الوصل والمنصة اللوجستية والصناعية، بينما تمتلك أفريقيا العمق السكاني والموارد والاسواق والفرص.

عندها فقط يصبح الحديث عن التكامل العربي الإفريقي حديثا عن مشروع اقتصادي حقيقي.

ولعل اللحظة الراهنة هي الأكثر ملاءمة لإعادة طرح هذا المشروع، ليس باعتباره حلما سياسيا، وإنما باعتباره استجابة عقلانية للتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

إفريقيا تحتاج إلى شراكات طويلة الأجل، والعالم العربي يحتاج إلى دوائر جديدة للنمو، والعالم كله يحتاج إلى اسواق وممرات وسلاسل امداد أكثر تنوعا.

المعادلة موجودة، الموارد موجودة، الأسواق موجودة، رؤوس الاموال موجودة، الخبرات موجودة، وحتى المؤسسات موجودة.

ما ينقصنا هو أن نجمع هذه العناصر في استراتيجية واحدة.

فالتكامل لا يبدأ عندما تتطابق المصالح، بل يبدأ عندما ندرك ان اختلاف المصالح يمكن أن يتحول إلى توزيع أكثر ذكاء للادوار.

وهنا بالضبط تكمن الفرصة.

أن ننتقل من علاقة جوار تاريخي إلى شراكة اقتصادية استراتيجية، ومن تعاون متقطع إلى تكامل مؤسسي، ومن تبادل السلع إلى بناء القيمة، ومن التعامل مع إفريقيا باعتبارها مساحة للفرص إلى التعامل معها باعتبارها أحد مراكز الثقل في الاقتصاد العالمي القادم.

إن العالم لا ينتظر من يملك الموارد فقط، بل من يعرف كيف يربطها، ولا ينتصر في الاقتصاد من يملك السوق فقط، بل من يستطيع الوصول إليها، ولا يصنع النفوذ من يرفع الشعارات، بل من يبني المصالح التي يصعب الاستغناء عنها، وهذا هو المعنى الحقيقي للتكامل العربي الإفريقي، انه ليس مشروعا للعاطفة، بل مشروع للمصلحة، ليس استعادة للماضي، بل استثمار في المستقبل، وليس محاولة لصناعة تحالف جديد في عالم قديم، بل محاولة لبناء موقع عربي إفريقي أكثر قوة في عالم يتغير كل يوم.

ومن موقعي كسياسي مصري وخبير بالشأن الافريقي والاقتصاد والتجارة والاستثمار البيني، أرى ان مصر قادرة على أن تكون أحد العقول المحركة لهذا التحول، لا باعتبارها دولة تريد أن تقود إفريقيا أو العالم العربي، وانما باعتبارها دولة تستطيع أن تصل بين دوائر متعددة من المصالح، وأن تحول موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية، وعلاقاتها السياسية إلى شراكات استثمارية، وعضويتها العربية والافريقية إلى ميزة تنافسية.

المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى مزيد من الكلام عن وحدة المصير فقط، تحتاج إلى بناء مصالح مشتركة تجعل وحدة المصير حقيقة اقتصادية يومية.

 

طالع أيضا :

رامي زهدي يكتب : عندما تتحول التنمية إلى ذريعة لفرض الأمر الواقع .. قراءة استراتيجية في الخطاب الإثيوبي المُختلق حول سد النهضة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى