السفير دكتور محمد حجازي يكتب: سد جوليوس نيريري.. نموذج جديد للقوة الناعمة المصرية في إفريقيا
تمثل مشاركة رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، نيابة عن الرئيس عبد الفتاح السيسي، في افتتاح مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية بتنزانيا ، محطة مهمة في مسار العلاقات المصرية الإفريقية، ليس فقط باعتبارها مناسبة لافتتاح أحد أكبر مشروعات البنية الأساسية والطاقة في تنزانيا، وإنما لما تحمله من دلالات سياسية واقتصادية واستراتيجية تتجاوز حدود المشروع نفسه، وتكشف عن تطور مهم في طبيعة الحضور المصري في إفريقيا، من الحضور السياسي والدبلوماسي إلى الشراكة التنموية والاستثمارية ونقل الخبرة وبناء القدرات.
فهذا المشروع الذي نفذه تحالف مصري يضم شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك، يؤكد أن التعاون المصري مع الدول الإفريقية لم يعد يقتصر على المساعدات أو المشروعات محدودة النطاق، وإنما أصبح يمتد إلى تنفيذ مشروعات قومية واستراتيجية كبرى تعتمد على الخبرة والقدرات الهندسية المصرية، وتبلغ قيمة المشروع نحو 2.9 مليار دولار، وتصل قدرته الإنتاجية إلى 2115 ميجاوات، مع إنتاج سنوي مقدر بنحو 6307 جيجاوات/ساعة، بما يجعله أكبر مشروع لتوليد الكهرباء من الطاقة الكهرومائية في تنزانيا، ويستهدف دعم الشبكة القومية وتوفير مصدر مستدام للطاقة اللازمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
ومن أهم مكتسبات المشروع أنه لم يعتمد فقط على الخبرة المصرية في تنفيذ الأعمال الهندسية، وإنما أتاحة الشركات المصرية الفرصة امام مشاركة واسعة للعمالة والمهندسين والفنيين التنزانيين، ويعمل بعضهم الان في غرف تشغيل وادارة السد وهو ما يسهم في توطين المعرفة وبناء القدرات المحلية، ويحول المشروع من مجرد عملية إنشاء إلى مدرسة عملية لنقل الخبرة والتكنولوجيا، فقد أشارت بيانات الشركة المنفذة إلى توفير آلاف فرص العمل للتنزانيين خلال مراحل التنفيذ، وهو ما يعزز القيمة التنموية للمشروع ويؤكد أن الشراكة المصرية الإفريقية يمكن أن تقوم على بناء القدرات المحلية وليس مجرد تصدير الخدمات الهندسية.
وتكتسب أبعاد المشروع الهندسية أهمية خاصة، فهو يتضمن سدًا رئيسيًا على نهر روفيجي، يبلغ طوله نحو 1025 مترًا وارتفاعه أكثر من 130 مترًا، إضافة إلى سدود مكملة وخزان مائي ضخم تصل سعته إلى نحو 34 مليار متر مكعب، وهو ما يتيح تنظيم تدفقات نهر روفيجي، والحد من مخاطر الفيضانات، وتوفير قدر أكبر من انتظام المياه اللازمة للزراعة والاستخدامات المختلفة، إلى جانب إنتاج الكهرباء.
ولا تقتصر أهمية المشروع على إنتاج الكهرباء، فآثاره تمتد إلى قطاعات الزراعة والمياه ومكافحة الفيضانات والحفاظ على البيئة، ومن المتوقع أن يسهم في معالجة جانب مهم من احتياجات تنزانيا المتزايدة إلى الطاقة، وأن يوفر كهرباء نظيفة لملايين المواطنين، بما يدعم التصنيع والاستثمار والخدمات، ويرفع قدرة الاقتصاد التنزاني على تحقيق معدلات أعلى من النمو، وهو ما يجعل المشروع أحد مكونات البنية الأساسية للتنمية الوطنية في تنزانيا، وليس مجرد محطة لتوليد الكهرباء.
وتكتسب مشاركة رئيس الوزراء المصري في افتتاح المشروع أهمية سياسية خاصة، لأنها تعكس تقدير الدولة المصرية لهذا الإنجاز باعتباره نموذجًا للتعاون التنموي بين مصر وتنزانيا، ورسالة واضحة بأن مصر تنظر إلى إفريقيا باعتبارها فضاءً للشراكة والتنمية والمصالح المشتركة، وليس مجرد نطاق للتحرك الدبلوماسي، كما أن حضور رئيس الوزراء في هذه المناسبة يحمل رسالة تقدير للعلاقات المصرية التنزانية، ويؤكد أن المشروعات التنموية الكبرى يمكن أن تصبح جسورًا جديدة للعلاقات بين الدول والشعوب.
والأهم أن مشروع جوليوس نيريري يقدم ردًا عمليًا على بعض التصورات التي حاولت تصوير الموقف المصري من مشروعات التنمية في دول حوض النيل باعتباره موقفًا معارضًا للتنمية، فمصر تدعم حق دول حوض النيل في التنمية والاستفادة من مواردها، وفي الوقت نفسه تتمسك بحقوقها المائية ومصالحها الوطنية وحقوق دولتي المصب، وهو موقف يميز بوضوح بين دعم التنمية من ناحية، وضرورة الالتزام بقواعد التعاون وعدم الإضرار بالمصالح الحيوية للدول الأخرى من ناحية أخرى.
ومن هنا فإن سد جوليوس نيريري يحمل دلالة مهمة في إدارة مصر لملف مياه النيل، فهو يبرهن بالفعل لا بالكلمات فقط على أن القاهرة ليست ضد إقامة المشروعات المائية في دول الحوض، وإنما تسعى إلى أن تكون هذه المشروعات جزءًا من منظومة تعاون إقليمي تحقق التنمية وتحافظ في الوقت نفسه على مصالح جميع دول النهر، وهو ما يعزز مفهوم النهر باعتباره مجالًا للتعاون والتنمية المشتركة، وليس ساحة للصراع أو التنافس الصفري.
ويكتسب المشروع أهمية إضافية بسبب موقعه في منطقة كانت تعرف تاريخيًا باسم محمية سيلوس، وهي منطقة ذات قيمة بيئية وبيولوجية استثنائية، وقد أثار إنشاء المشروع تحديات بيئية كبيرة بسبب وجوده داخل موقع مدرج ضمن التراث العالمي لليونسكو، الأمر الذي جعل تنفيذ المشروع يتطلب التعامل مع اعتبارات حماية الحياة البرية والموائل الطبيعية وإدارة الآثار البيئية والاجتماعية للمشروع، وقد أعربت اليونسكو ولجنة التراث العالمي عن مخاوف بشأن الآثار طويلة المدى للمشروع على القيمة العالمية الاستثنائية للموقع، وهو ما يوضح أن التحدي لم يكن هندسيًا وتمويليًا فقط، وإنما كان أيضًا تحديًا بيئيًا ومجتمعيًا بالغ التعقيد.
وهنا تبرز أهمية التجربة المصرية في التعامل مع مشروع بهذا الحجم داخل منطقة طبيعية حساسة، إذ كان على فرق العمل أن توازن بين متطلبات إنشاء واحدة من أكبر منشآت الطاقة في تنزانيا وبين اعتبارات حماية البيئة والحياة البرية، إلى جانب التحديات الفنية المرتبطة بتحويل مجرى نهر روفيجي، وإنشاء السدود المساعدة والخزان ومحطة التوليد وشبكات الربط الكهربائي، وهي تحديات تعكس حجم وتعقيد المشروع. وقد وصف مسؤولون مصريون المشروع بأنه واجه تحديات هندسية وبيئية متعددة خلال سنوات التنفيذ.
أما من الناحية التمويلية، فقد مثل المشروع تحديًا كبيرًا بسبب ضخامة تكلفته، التي تبلغ نحو 2.9 مليار دولار، وقد تولت الحكومة التنزانية تمويل المشروع بالكامل، وهو ما يعكس حجم الرهان التنزاني على المشروع باعتباره مشروعًا قوميـًا استراتيجيًا طويل الأجل، كما تكشف البيانات الرسمية التنزانية عن أن قيمة المشروع بلغت نحو 6.56 تريليون شلن تنزاني، وأن المدفوعات للمقاول وصلت إلى مستويات مرتفعة مع تقدم التنفيذ، وهو ما يوضح حجم الالتزام المالي الذي تحملته الدولة التنزانية لإنجاز المشروع.
ولم يكن طريق التنفيذ سهلًا، فقد كان المشروع مخططًا في البداية للانتهاء منه في يونيو 2022، ثم تأجلت مواعيد الإنجاز نتيجة التحديات والتعديلات المرتبطة بحجم المشروع وتعقيداته الفنية والتنفيذية، قبل أن تمتد المواعيد مرة أخرى، وهو ما يعكس طبيعة المشروعات العملاقة التي تتداخل فيها الاعتبارات الجيولوجية والهيدرولوجية والبيئية والتمويلية واللوجستية، ويجعل إنجاز المشروع في حد ذاته شهادة على قدرة التحالف المصري على التعامل مع مشروع بهذا الحجم وفي هذه البيئة المعقدة.
كما أن نجاح الشركات المصرية في تنفيذ مشروع بهذا الحجم يمثل إضافة مهمة إلى القوة الناعمة المصرية في إفريقيا، فالقوة الناعمة لا تُبنى فقط من خلال الثقافة والتعليم والدبلوماسية، وإنما أيضًا من خلال القدرة على تقديم الخبرة والتكنولوجيا وتنفيذ المشروعات التي تترك أثرًا مباشرًا في حياة الشعوب، وعندما ترى دولة إفريقية مشروعًا استراتيجيًا على أراضيها نفذته شركات مصرية، وتشارك في تنفيذه كوادرها الوطنية، فإن ذلك يخلق رصيدًا من الثقة يتجاوز العلاقات الرسمية إلى علاقة مباشرة بين مصر والشعب الإفريقي.
ومن الناحية الاقتصادية، يفتح المشروع الباب أمام مرحلة أوسع من تصدير الخبرة المصرية إلى إفريقيا، سواء في مجالات الطاقة والبنية الأساسية والنقل والمياه أو في المدن الجديدة والرقمنة والخدمات الهندسية، كما يوفر نجاح انشاء سد جوليوس نيريري فرصة أمام الشركات المصرية لتوسيع حضورها في الأسواق الإفريقية، والاستفادة من الخبرة المتراكمة في تنفيذ مشروعات البنية الأساسية الكبرى، وتحويلها إلى منصة لمشروعات جديدة في دول القارة.
وتبرز كذلك دلالة اختيار مشروع يحمل اسم الزعيم التنزاني جوليوس نيريري، أحد أبرز رموز التحرر والوحدة الإفريقية، وهو ما يمنح المشروع بعدًا رمزيًا إضافيًا في الذاكرة المشتركة بين مصر وتنزانيا، ويعيد التأكيد على أن العلاقات بين البلدين لها جذور سياسية وتاريخية عميقة، ارتبطت بمساندة حركات التحرر الإفريقية وبالدور المصري في دعم استقلال القارة، ومن ثم فإن المشروع يحمل اسمًا يعكس تاريخًا مشتركًا، بينما يجسد في الوقت ذاته مستقبلًا جديدًا للعلاقات يقوم على التنمية والشراكة الاقتصادية.
ومن ثم فإن زيارة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إلى تنزانيا لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد مشاركة في مراسم افتتاح مشروع، وإنما باعتبارها رسالة سياسية واستراتيجية متكاملة، مصر تدعم التنمية الإفريقية، وتملك القدرة على المشاركة في تنفيذ المشروعات الكبرى، وتسعى إلى بناء شراكات اقتصادية مستدامة مع دول القارة، وفي الوقت نفسه تتمسك بحقوقها المائية ومصالحها الوطنية، وتطرح نموذجًا يقوم على الجمع بين الدبلوماسية والتنمية والاستثمار ونقل المعرفة.
إن «جوليوس نيريري» يمكن أن يتحول إلى نموذج مصري إفريقي قابل للتكرار، يجمع بين الدبلوماسية والتنمية والاستثمار والخبرة الهندسية وبناء القدرات، ويجسد مفهومًا أكثر تقدمًا للقوة الناعمة المصرية، قوامه أن أفضل وسيلة لتعزيز الحضور المصري في إفريقيا هي أن تكون مصر شريكًا في بناء مستقبل القارة، وأن تتحول العلاقات السياسية التاريخية إلى مشروعات ومصالح مشتركة تعود بالنفع على الشعوب.
وفي هذا السياق، فإن افتتاح سد جوليوس نيريري يمثل أكثر من إنجاز هندسي، إنه شهادة على قدرة مصر على العمل مع إفريقيا ومن أجل إفريقيا، ورسالة بأن التنمية يمكن أن تكون أحد أهم جسور السياسة الخارجية المصرية في القارة، كما أنه يقدم نموذجًا لما يمكن أن تفعله الشركات المصرية عندما تتكامل الخبرة الوطنية مع الإرادة السياسية والعلاقات التاريخية، ويؤكد أن النيل وموارد المياه والطاقة يمكن أن تتحول من ملفات للتنافس إلى مجالات للتعاون وبناء المصالح المشتركة، متى توافرت الإرادة السياسية واحترام حقوق جميع دول الحوض.

طالع أيضاً




