أخبار عاجلةمصر

السفير الدكتور محمد حجازي: مصر والصين.. سبعة عقود من الثقة وشراكة تصنع المستقبل

لا تمثل زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة مجرد محطة جديدة في سجل العلاقات المصرية الصينية، وإنما تحمل دلالة أعمق تتجاوز إطار العلاقات الثنائية التقليدية، فهي تأتي في لحظة دولية فارقة، يتغير فيها العالم بوتيرة غير مسبوقة، وتتعاظم فيها الحاجة إلى شركاء يمتلكون رؤية مستقلة، وإرادة سياسية، وقدرة على بناء جسور التعاون بعيداً عن منطق الاستقطاب والصراعات.

إن مرور سبعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين ليس مجرد مناسبة زمنية للاحتفال، بل هو شهادة على خصوصية علاقة استطاعت أن تحافظ على استمراريتها وتطورها رغم التحولات الكبرى التي شهدها العالم، فقد التقت القاهرة وبكين مبكراً على مبادئ الاستقلال الوطني، واحترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والإيمان بحق الشعوب في اختيار مساراتها التنموية والسياسية.

واليوم، وبعد سبعين عاماً، تنتقل هذه العلاقة إلى مرحلة أكثر عمقاً ونضجاً، لأن مصر والصين لا تنظران إلى التعاون باعتباره مجرد تبادل للمصالح، بل باعتباره شراكة بين حضارتين عريقتين تمتلك كل منهما رؤية خاصة للمستقبل.

لقد قدمت الصين للعالم خلال العقود الماضية واحدة من أكثر التجارب التنموية أهمية في التاريخ المعاصر، فلم يكن الصعود الصيني مجرد نمو اقتصادي أو توسع صناعي، وإنما كان تعبيراً عن قدرة دولة وحضارة على إعادة اكتشاف ذاتها، فالحديث يجب ان يكون حول عودة الصين لتبؤ مكانتها الرائدة علي المستوي العالمي كما كانت منتصف القرن التاسع عشر ، ومصر كذلك مؤهلة للعودة لريادتها الحضارية وبناء مجتمع واقتصاد وطني مزدهر مبني علي قواعد وخصائص التميز والريادة المصرية عبر العصور ، وتوظيف خصوصيتها الوطنية في بناء نموذج تنموي حديث ، وهذا ربما هو أحد أهم الدروس التي تقدمها التجربة الصينية للدول النامية: أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تكون نسخة مستوردة، وإنما يجب أن تنطلق من خصوصية كل مجتمع، ومن ثقافته وإمكاناته وأولوياته الوطنية.

ومن هنا تكتسب التجربة الصينية أهمية خاصة بالنسبة لمصر والدول الإفريقية والعربية، فالصين لم تقدم نفسها باعتبارها نموذجاً مطلوبا تقليده، وإنما قدمت تجربة تثبت أن لكل دولة الحق في البحث عن طريقها الخاص نحو التقدم.

وفي المقابل، تمثل مصر نموذجاً لدولة تمتلك عمقاً حضارياً وجغرافياً واستراتيجياً استثنائياً، فهي ليست فقط دولة تقع في قلب الشرق الأوسط وأفريقيا والعالم العربي، وإنما هي نقطة التقاء بين دوائر حضارية واقتصادية وسياسية متعددة، ولذلك فإن الشراكة المصرية الصينية تكتسب أهمية تتجاوز حدود البلدين، لتصبح جسراً للتواصل بين الصين والمنطقة العربية والقارة الإفريقية.

إن العالم اليوم يعيش مرحلة انتقالية دقيقة، فالنظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية يتعرض لاختبارات عميقة، وهناك أسئلة كبرى تُطرح حول مستقبل الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة والغذاء، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، وقواعد الحوكمة الدولية، وفي ظل هذه التحولات، أصبح واضحاً أن العالم لا يمكن أن يدار بعقلية الهيمنة الأحادية أو بسياسات فرض الإرادة.

وهنا تبرز أهمية الحوار بين القوى الصاعدة والدول ذات الحضارات العريقة، وفي مقدمتها مصر والصين.

إن ما يجمع القاهرة وبكين اليوم هو إدراك مشترك بأن السلام شرط أساسي للتنمية، وأن التنمية المستدامة هي أفضل ضمان للاستقرار، وأن احترام سيادة الدول ليس مبدأً قانونياً فقط، وإنما ضرورة لحماية النظام الدولي من الفوضى.

كما أن البلدين يشتركان في رؤية تؤمن بأهمية الحوار بدلاً من المواجهة، والتعاون بدلاً من الاستقطاب، وبناء المصالح المشتركة بدلاً من سياسة المحاور.

ومن هذا المنطلق، تكتسب المبادرات الصينية الكبرى، سواء في مجال التنمية أو الأمن أو الحوار الحضاري، أهمية خاصة في النقاش الدولي المعاصر، فالعالم لا يحتاج فقط إلى إعادة ترتيب موازين القوة، وإنما يحتاج قبل ذلك إلى إعادة تعريف مفهوم القوة نفسها.

القوة في القرن الحادي والعشرين لا ينبغي أن تقاس فقط بحجم الاقتصاد أو القدرات العسكرية، بل بقدرة الدول على بناء السلام، وإنتاج المعرفة، وتحقيق التنمية، وتقديم حلول للمشكلات المشتركة للبشرية.

ومن هنا يأتي مفهوم بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية باعتباره محاولة فكرية وسياسية للبحث عن أرضية جديدة للعلاقات الدولية، تقوم على إدراك أن التحديات الكبرى لم تعد تعرف الحدود، فتغير المناخ، والأوبئة، وأمن الغذاء والمياه والطاقة، والإرهاب، والهجرة غير الشرعية، والأزمات الاقتصادية، كلها تحديات لا تستطيع دولة واحدة مهما بلغت قوتها أن تواجهها بمفردها.

إن مستقبل العالم لن يُبنى على إقصاء طرف أو محاصرة دولة أو تقسيم العالم إلى معسكرات متصارعة، وإنما على إيجاد مساحات أوسع للتفاهم والعمل المشترك والشراكة من اجل مواجهة جماعية لتحديات عابرة للحدود .

ولعل هذه هي الرسالة الأهم التي يمكن أن تحملها زيارة الرئيس شي جين بينغ إلى القاهرة: أن الشراكات الحقيقية لا تقوم فقط على المصالح الآنية، وإنما على الثقة والرؤية المشتركة للمستقبل.

إن العلاقات المصرية الصينية تمتلك اليوم كل المقومات للانتقال إلى آفاق أرحب ، فهناك فرص واسعة للتعاون الاقتصادي والاستثماري، وفي مجالات الصناعة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والنقل والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي والتعليم والثقافة والسياحة.

لكن القيمة الحقيقية لهذه الشراكة تكمن في قدرتها على أن تكون نموذجاً لعلاقات دول الجنوب العالمي، تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة ونقل الخبرات وبناء القدرات، بعيداً عن العلاقات غير المتكافئة التي عرفها العالم النامي لعقود طويلة.

إن صعود الجنوب العالمي يمثل أحد أهم التحولات في النظام الدولي المعاصر، ولم يعد الجنوب مجرد مفهوم جغرافي، بل أصبح قوة سياسية واقتصادية وفكرية تبحث عن صوت أكبر في إدارة الشؤون الدولية.

وفي هذا السياق، تملك مصر والصين مسؤولية خاصة، فالصين أصبحت قوة اقتصادية عالمية كبرى، بينما تمثل مصر بثقلها الحضاري والسياسي والجغرافي أحد أهم مراكز التأثير في العالم العربي وأفريقيا والشرق الأوسط.

ومن هنا، فإن الحوار المصري الصيني يمكن أن يقدم نموذجاً لكيفية بناء شراكات بين دول الجنوب، لا تقتصر على التجارة والاستثمار، وإنما تمتد إلى صياغة رؤى مشتركة بشأن مستقبل النظام الدولي.

إننا أمام لحظة تاريخية تتطلب من الجميع أن يفكروا خارج الصندوق التقليدي للعلاقات الدولية، فالعالم لم يعد يحتمل مزيداً من الحروب والصراعات والاستقطاب ، وما تحتاجه البشرية اليوم هو عقلية جديدة تعترف بالتنوع وتحترم الاختلاف وتبحث عن القواسم المشتركة.

وقد علمتنا الحضارتان المصرية والصينية أن الحضارات العظيمة لا تخاف من التواصل، بل تزداد قوة بالانفتاح والتفاعل مع الآخرين.

فكما كانت طرق التجارة القديمة تربط الشرق بالغرب، وكما كان طريق الحرير جسراً للتبادل ليس فقط للسلع وإنما للأفكار والثقافات، فإن العالم اليوم يحتاج إلى جسور جديدة للحوار بين الحضارات.

وهذا هو المعنى الأعمق للشراكة بين القاهرة وبكين.

إن زيارة الرئيس شي جين بينغ إلى مصر ليست مجرد زيارة بين رئيسي دولتين صديقتين، وإنما هي لقاء بين حضارتين تمتدان لآلاف السنين، وبين رؤيتين تؤمنان بأن المستقبل لا يجب أن يكون حكراً على قوة واحدة، وأن التنمية حق للجميع، وأن السلام مسؤولية مشتركة.

وبعد سبعين عاماً من العلاقات الدبلوماسية، تبدو الرسالة واضحة: لقد نجحت مصر والصين في بناء علاقة قائمة على الثقة والاحترام، واليوم أصبح المطلوب هو تحويل هذا الرصيد التاريخي إلى قوة دافعة للمستقبل.

فالعالم يتغير، والجنوب العالمي ينهض، والحاجة إلى نظام دولي أكثر عدلاً وتوازناً أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

وفي قلب هذه التحولات، يمكن لمصر والصين أن تواصلا معاً بناء نموذج للشراكة يقوم على الحكمة والموروث الذي جمع بين حضارتين اسهما معا في صياغة مسار الإنسانية وظل يمدها بقيم التعايش والعلم والمعرفة ، والاستقلال الوطني، والتنمية المشتركة، والإيمان بأن الحوار والتعاون هما الطريق الحقيقي نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للبشرية.

 

طالع أيضاً 

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : فتحي الديب… مهندس العلاقات المصرية مع حركات التحرر الإفريقية .. ورجل المهام الإستراتيجية في عهد عبد الناصر 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى