الدكتورة روضة المعلاوي تكتب : الجزائر ومالي: من القطيعة إلى الحوار… هل تتحول المصالحة إلى شراكة استراتيجية في الساحل؟

لم تكن زيارة الوزير الأول ورئيس حكومة مالي، اللواء عبد الله مايغا، إلى الجزائر في 24 أوت ” أوغسطس ” 2026 مجرد زيارة رسمية عابرة. صحيح أنها جاءت تحت عنوان “زيارة عمل”، لكن توقيتها وسياقها والرسائل التي رافقتها تجعل منها محطة مهمة في مسار العلاقات الجزائرية-المالية، بعد فترة من التوتر والقطيعة أثرت في علاقة دولتين يصعب، بحكم الجغرافيا والتاريخ، أن تكونا منفصلتين عن بعضهما.
فالجزائر ومالي تشتركان في حدود طويلة، وفي فضاء صحراوي شديد الحساسية، حيث تتداخل قضايا الأمن والهجرة والتهريب والإرهاب مع التجارة والتنمية والطاقة وحركة الأشخاص والبضائع. ولذلك فإن أي توتر بينهما لا يبقى مجرد خلاف دبلوماسي، كما أن أي انفراج لا يمكن أن يظل محصوراً في لغة البيانات والمصافحات.
ما حدث خلال الأشهر الأخيرة يستحق، في تقديري، قراءة أعمق.
ففي يوليو عادت العلاقات الدبلوماسية تدريجياً إلى مسارها الطبيعي مع عودة السفراء وإعادة فتح المجال الجوي بين البلدين. وكانت تلك أول إشارة عملية إلى أن الطرفين قررا تجاوز مرحلة القطيعة.
ثم جاءت زيارة عبد الله مايغا إلى الجزائر في أغسطس لتمنح هذا المسار بعداً سياسياً جديداً.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط: هل عادت العلاقات الجزائرية-المالية؟
بل: هل تستطيع هذه العودة أن تتحول إلى شراكة أكثر عمقاً، يكون فيها الأمن مدخلاً إلى التنمية، ويصبح الاقتصاد جسراً لإعادة بناء الثقة؟
زيارة مايغا… صفحة جديدة ولكن بحسابات واقعية
أهمية زيارة مايغا تكمن أولاً في أنها جاءت بعد مرحلة لم تكن سهلة على البلدين.
وقد حمل رئيس الحكومة المالية رسالة من الرئيس أسيمي غويتا إلى الرئيس عبد المجيد تبون، والتقى خلال الزيارة المسؤولين الجزائريين، في مشهد يعكس رغبة واضحة في إعطاء فرصة جديدة للحوار. وكانت الحكومة المالية قد تحدثت عن “ديناميكية جديدة” في العلاقات، فيما ركز الخطاب الصادر عن باماكو قبل الزيارة على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وهذه النقطة مهمة جداً.
فالمصالحة لا تعني أن الخلافات السابقة اختفت، ولا أن البلدين أصبحا متطابقين في كل الملفات. لكنها تعني أن هناك قراراً سياسياً بإدارة الاختلاف بطريقة مختلفة.
وهذا في حد ذاته تطور مهم.
في العلاقات الدولية، ليست قوة الدول في قدرتها على منع الخلافات دائماً، وإنما في قدرتها على منع الخلاف من التحول إلى قطيعة دائمة.
وهنا يبدو أن الجزائر ومالي بدأتا في اختبار هذا الخيار من جديد.
لماذا تهم مالي الجزائر بهذا القدر؟
قد تبدو الإجابة للوهلة الأولى بسيطة: لأن مالي دولة جارة.
لكن المسألة أعمق من ذلك.
مالي تقع في قلب الساحل، وأي اضطراب أمني فيها يمكن أن يمتد تأثيره إلى دول الجوار. والجزائر، بحكم موقعها الجغرافي، تجد نفسها أمام واقع لا يسمح لها بالتعامل مع منطقة الساحل باعتبارها مجرد فضاء يقع خارج حدودها.
إن أمن الجنوب الجزائري مرتبط بدرجة كبيرة بما يحدث في المحيط الساحلي.
ولهذا فإن العلاقة مع مالي بالنسبة إلى الجزائر ليست علاقة دبلوماسية تقليدية، بل جزء من تصور أوسع للأمن الإقليمي.
فالحدود لا تتوقف عند الخطوط المرسومة على الخرائط. في المناطق الصحراوية، تتحرك الجماعات والسكان وشبكات التجارة غير الرسمية والتهريب عبر فضاءات واسعة، ولذلك يصبح التعاون بين الدول ضرورة أكثر منه خياراً.
من هنا يمكن فهم أهمية عودة الحوار.
فالقطيعة السياسية قد توقف الاتصالات، لكنها لا توقف المخاطر الموجودة على الأرض.
بل ربما تجعل إدارتها أكثر صعوبة.
الجزائر… قوة استراتيجية لا تختزل في القوة العسكرية
عندما نتحدث عن الدور الجزائري في الساحل، يجب ألا نختزل مفهوم القوة في البعد العسكري.
الجزائر تمتلك مجموعة من عناصر القوة التي تمنحها وزناً استراتيجياً واضحاً في المنطقة: مساحة جغرافية كبيرة، موقع يربط شمال إفريقيا بالعمق الإفريقي، قدرات عسكرية، موارد طاقية، بنية تحتية، منفذ متوسطي، وشبكة من العلاقات والخبرة الدبلوماسية المتراكمة في القضايا الإفريقية.
وهذا يجعل الجزائر أكثر من مجرد دولة حدودية بالنسبة إلى مالي.
إنها، من منظور جيوسياسي، يمكن أن تكون حلقة وصل بين الساحل والبحر المتوسط.
وهنا تحديداً تظهر أهمية النظر إلى العلاقات الجزائرية-المالية من زاوية مختلفة.
فبدلاً من أن نسأل فقط: ماذا تستطيع الجزائر أن تقدم لمالي أمنياً؟
يمكن أن نسأل أيضاً: ماذا يمكن أن تبنيه الدولتان معاً اقتصادياً؟
وهذا السؤال ربما يكون أهم من الأول على المدى البعيد.
الأمن وحده لا يصنع الاستقرار
من الصعب الحديث عن مستقبل مالي من دون الحديث عن الأمن.
المنطقة تواجه تهديدات متعددة، من الإرهاب إلى الجريمة المنظمة والتهريب، إلى هشاشة بعض المناطق الحدودية.
وقد أظهرت الأزمة الجزائرية-المالية السابقة مدى حساسية الملف الأمني، خصوصاً بعد حادثة الطائرة المسيّرة التي أدت إلى تصعيد دبلوماسي كبير بين البلدين في 2025. ثم تطورت الأزمة إلى قطيعة في العلاقات.
لكن التجربة نفسها تقدم درساً مهماً:
الخلاف حول الأمن لا يمكن أن يُدار من دون الحوار.
فحتى عندما تختلف الدول حول تفسير حادثة أو تقييم تهديد أو مقاربة سياسية، تبقى قنوات الاتصال ضرورية لمنع سوء التقدير وتحويل الحوادث الأمنية إلى أزمات أكبر.
ولهذا فإن عودة العلاقات قد تفتح المجال أمام تعاون أكثر هدوءاً في أمن الحدود، وتبادل المعلومات، ومواجهة الجريمة العابرة للحدود.
لكن الأمن يحتاج إلى شيء آخر حتى يستمر: التنمية.
من أمن الحدود إلى أمن التنمية
هنا أعتقد أن مستقبل العلاقة الجزائرية-المالية يمكن أن يأخذ منحى أكثر أهمية.
فمن الصعب أن نطلب من المناطق الحدودية أن تكون آمنة ومستقرة إذا ظلت معزولة اقتصادياً، وضعيفة البنية التحتية، ومحدودة فرص العمل.
في الساحل، لا يمكن الفصل بسهولة بين الأمن والتنمية.
فالطريق الذي يصل مدينة بقرية، والكهرباء التي تصل إلى منطقة نائية، والمشروع الذي يوفر فرص عمل للشباب، ليست كلها مشاريع اقتصادية بالمعنى الضيق.
إنها أيضاً استثمارات في الأمن والاستقرار.
ومن هذه الزاوية يمكن أن تكتسب المصالحة الجزائرية-المالية معنى أوسع.
فإذا نجح البلدان في بناء مصالح اقتصادية مشتركة، فإن العلاقة تصبح أقل اعتماداً على المزاج السياسي وأكثر ارتباطاً بمصالح الناس والمؤسسات والأسواق.
وهذا هو جوهر الدبلوماسية الاقتصادية.
الطريق العابر للصحراء… من حاجز جغرافي إلى ممر اقتصادي
من بين المشاريع التي يمكن أن تمنح العلاقة بعداً عملياً، يأتي الطريق العابر للصحراء.
فالطريق ليس مجرد إسفلت يعبر الصحراء.
إنه جزء من رؤية أوسع لربط شمال إفريقيا بعمق القارة، وتسهيل حركة التجارة والسلع والأشخاص.
وإذا نظرنا إلى العلاقة الجزائرية-المالية من هذه الزاوية، فإن الجغرافيا التي كانت في السابق مصدر تحديات أمنية يمكن أن تصبح أيضاً مصدر فرصة اقتصادية.
يمكن أن تتحول الحدود من منطقة عبور للتهريب إلى منطقة عبور للتجارة المنظمة.
وهذه ليست مسألة تقنية.
إنها مسألة جيو-اقتصادية بامتياز.
فالدولة التي تمتلك طرقاً وموانئ ومراكز لوجستية وأسواقاً مترابطة تمتلك قدرة أكبر على تحويل موقعها الجغرافي إلى قوة اقتصادية.
والجزائر، بحكم موقعها المتوسطي، يمكن أن تلعب دوراً مهماً في هذا المسار.
أما مالي، فبإمكانها أن تكون جزءاً من شبكة اقتصادية أوسع تربط الساحل بشمال إفريقيا.
الطاقة… مجال يمكن أن يفتح أبواباً جديدة
هناك مجال آخر يستحق اهتماماً أكبر في المرحلة المقبلة: الطاقة.
الجزائر دولة طاقة، وهذه حقيقة تمنحها وزناً إضافياً في علاقاتها الإفريقية.
لكن أهمية الطاقة بالنسبة إلى مالي لا تتعلق فقط بالنفط والغاز.
السؤال الأوسع هو: كيف يمكن توفير طاقة أكثر، وبأسعار أكثر استقراراً، في منطقة تحتاج بشدة إلى الكهرباء والتنمية؟
وهنا يمكن التفكير في مجالات مثل الطاقة الشمسية، والكهرباء، والخدمات التقنية، والتكوين، ونقل الخبرات.
وقد يبدو الربط بين الطاقة والأمن غير مباشر، لكنه في الواقع وثيق جداً.
فمنطقة لا تتوفر فيها الكهرباء بشكل كافٍ، ولا تتوفر فيها فرص اقتصادية، ولا تمتلك بنية تحتية مناسبة، تكون أكثر عرضة للهشاشة.
لذلك فإن أمن الطاقة يمكن أن يصبح جزءاً من الأمن الإقليمي.
وهذه نقطة أعتقد أنها ستكون مهمة في مستقبل الدبلوماسية الجزائرية في إفريقيا.
المصالحة السياسية تحتاج إلى اقتصاد
لقد شهد العالم حالات كثيرة عادت فيها العلاقات الدبلوماسية، لكن الخلافات عادت بعد سنوات لأن المصالحة لم تتحول إلى مصالح مشتركة.
ولهذا فإن نجاح الجزائر ومالي في المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بعدد الزيارات الرسمية.
سيكون الاختبار الحقيقي في الأسئلة العملية:
هل ستزداد المبادلات التجارية؟
هل ستتحسن حركة النقل؟
هل ستعود الاستثمارات؟
هل ستنشأ مشاريع مشتركة؟
هل ستتطور البنية التحتية الحدودية؟
هل يمكن أن يتحول التعاون في الطاقة إلى مشاريع فعلية؟
كلما كانت الإجابة إيجابية، أصبحت المصالحة أكثر رسوخاً.
أما إذا بقيت في إطار سياسي فقط، فستظل معرضة للانتكاس عند أول أزمة جديدة.
الجزائر والساحل… عودة إلى الدور أم إعادة تعريفه؟
من السهل القول إن الجزائر تريد استعادة نفوذها في الساحل.
لكنني أعتقد أن المسألة تحتاج إلى قراءة أكثر دقة.
الجزائر لا تستطيع أن تتجاهل محيطها الساحلي، وفي الوقت نفسه فإن طبيعة المنطقة تغيرت كثيراً خلال السنوات الأخيرة.
لذلك ربما لا يكون المطلوب هو العودة إلى الدور السابق بكل تفاصيله، وإنما إعادة تعريف الدور الجزائري.
دور يقوم على الحوار، واحترام السيادة، والتعاون الأمني، والدبلوماسية الاقتصادية، وربط التنمية بالأمن.
وهذا قد يكون أكثر واقعية وأكثر استدامة.
فالقوة الاستراتيجية لا تعني بالضرورة أن تفرض الدولة رؤيتها على الآخرين.
أحياناً تكون القوة الحقيقية في قدرتها على جعل الآخرين يرون أن التعاون معها يخدم مصالحهم أيضاً.
وهنا تمتلك الجزائر فرصة مهمة.
هل تجاوز الطرفان الخلاف فعلاً؟
ربما يكون من المبكر الحديث عن مصالحة مكتملة.
فالعودة إلى العلاقات لا تعني أن الملفات التي سببت الأزمة قد اختفت.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين دولة تختلف مع جارتها وهي تتحدث معها، ودولة تختلف معها وهي لا تتحدث معها.
الأولى تملك أدوات لإدارة الخلاف.
أما الثانية فتترك مساحة أكبر لسوء الفهم والتصعيد.
ولهذا فإن عودة السفراء وفتح المجال الجوي ثم زيارة مايغا إلى الجزائر تمثل، في حد ذاتها، تحولاً مهماً في البيئة السياسية للعلاقة.
والأهم أن الخطاب الجديد يبدو أكثر تركيزاً على السيادة والاحترام المتبادل والتعاون.
وهذه ربما تكون الأرضية التي يمكن البناء عليها.
الخلاصة: هل تتحول المصالحة إلى شراكة؟
في تقديري، ما يحدث بين الجزائر ومالي يستحق أن يُقرأ بأكثر من زاوية.
إنه ليس مجرد تصحيح لعلاقة دبلوماسية تضررت، وإنما فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين شمال إفريقيا والساحل.
الجزائر تمتلك عناصر قوة استراتيجية مهمة: الموقع، الطاقة، الأمن، البنية التحتية، والقدرة الدبلوماسية.
ومالي تمتلك موقعاً محورياً في قلب الساحل، بما يعنيه ذلك من أهمية أمنية واقتصادية بالنسبة إلى المنطقة بأكملها.
لكن هذه العناصر لا تصبح قوة مشتركة إلا عندما تتحول إلى مشاريع ومصالح.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة.
إذا استطاعت الجزائر ومالي أن تنتقلا من المصافحة إلى بناء المصالح، ومن استعادة العلاقات إلى تطوير التجارة، ومن التنسيق الأمني إلى التنمية الحدودية، ومن الطاقة إلى مشاريع فعلية، فإن المصالحة يمكن أن تصبح أكثر من مجرد نهاية لأزمة.
يمكن أن تصبح بداية لشراكة استراتيجية جديدة.
وربما تكون المعادلة التي تختصر المرحلة المقبلة هي:
لا أمن مستدام من دون تنمية، ولا تنمية مستدامة من دون طاقة، ولا شراكة اقتصادية من دون ثقة سياسية.
وهنا تحديداً تكمن أهمية المصالحة الجزائرية-المالية.
فالسؤال لم يعد فقط: هل عادت العلاقات؟
بل أصبح:
هل تستطيع الجزائر ومالي تحويل عودة الحوار إلى قوة دفع جديدة للأمن والتنمية وإعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية في الساحل؟ .
* الدكتورة روضة المعلاوي : أستاذة العلاقات الدولية والدبلوماسية وخبيرة الشؤون الاقتصادية والأمن الطاقي بمركز جنيف للدراسات السياسية بسويسرا .
طالع أيضاً



