السفير دكتور محمد حجازي يكتب: النيل بين التنمية والمسؤولية
يتزايد تأطير الجدل الدائر حول نهر النيل وسد النهضة الإثيوبي باعتباره مواجهة بين حقين يُفترض أنهما غير قابلين للتوفيق: حق إثيوبيا في التنمية وحق مصر في الأمن المائي، غير أن هذا التأطير ينطوي في جوهره على ثنائية زائفة. فالتحدي الحقيقي الذي يواجه دول حوض النيل ليس الاختيار بين التنمية والأمن، وإنما إيجاد إطار قادر على التوفيق بينهما.
فلا يمكن إنكار تطلعات إثيوبيا المشروعة إلى التنمية الاقتصادية، كما لا يمكن تجاهل اعتماد مصر العميق على مياه النيل. ومن ثم، فإن السؤال ليس: من يملك حقوقًا أكبر في النهر؟ بل كيف يمكن لجميع دول الحوض أن تمارس حقوقها بصورة مسؤولة في إطار مورد مائي دولي مشترك.
تساؤلات جوهرية
لقد أثارت التصريحات الأخيرة لبعض المسؤولين الإثيوبيين من جديد تساؤلات جوهرية تتعلق بالسيادة والتنمية ومستقبل إدارة نهر النيل. ومن المفهوم أن تؤكد إثيوبيا أنها دولة ذات سيادة ومن حقها استغلال مواردها الطبيعية وتحسين حياة شعبها ، وليس لدى مصر ما يدعو إلى منازعة هذا المبدأ. فلا ينبغي مطالبة أي دولة بالتخلي عن تطلعاتها التنموية، كما لا يمكن لأي نقاش جاد حول مستقبل أفريقيا أن يتجاهل الحاجة الملحة إلى الطاقة والبنية الأساسية والتحول الاقتصادي في مختلف أنحاء القارة.
غير أن السيادة، ولا سيما في عالم يزداد ترابطًا، لا يمكن تفسيرها باعتبارها حرية مطلقة في التصرف دون اعتبار للنتائج التي قد تترتب على القرارات الوطنية خارج حدود الدولة. ويصدق ذلك بصورة خاصة على الأنهار الدولية. فممارسة السيادة على الإقليم تقترن بمسؤوليات عندما يتجاوز المورد الطبيعي الحدود ويربط مصالح عدة دول.
والنيل هو المثال الواضح على ذلك. فقد تنبع مياهه من دول مختلفة وتعبر أقاليم متعددة، لكنه يظل نظامًا هيدرولوجيًا واحدًا تؤثر طريقة إدارته حتمًا في سكان دول المنبع والمجرى والمصب.
ومن ثم، ينبغي ألا يكون الموقف المصري دفاعيًا أو تصادميًا ، فلا ينبغي لمصر أن تقول إن إثيوبيا تحتاج إلى إذنها لتنمية النيل الأزرق، كما لا ينبغي لإثيوبيا أن تدعي ملكية النهر، فمثل هذه الحجج تنتمي إلى لغة قديمة لا تصلح أساسًا مستدامًا للتعاون في المستقبل. والحجة الأقوى والأكثر حداثة هي أن الحق في التنمية ينبغي أن يُمارس بصورة تتسق مع الالتزامات الناشئة عن الطبيعة المشتركة للمجرى المائي الدولي.
وهذا التمييز جوهري. فحق إثيوبيا في التنمية حق مشروع، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى حق في اتخاذ إجراءات أحادية عندما يكون من شأن تلك الإجراءات التأثير في الأمن المائي والمصالح الوطنية للدول الأخرى المشاطئة، فالسيادة لا تعني التحرر المطلق من المسؤولية، كما أن منشأ المياه جغرافيًا لا يمنح سلطة غير محدودة بشأن كيفية استخدامها في المستقبل. فالأنهار الدولية، بحكم طبيعتها، تنشئ علاقة من الاعتماد المتبادل.
ومن ثم، فإن القول بأن النيل لا يخص مصر وحدها ليس محل خلاف، ولا ينبغي أن تجد مصر صعوبة في الإقرار بأن النيل مورد أفريقي مشترك وأن لجميع دول الحوض مصالح مشروعة في تنميته، لكن هذا المبدأ يجب أن ينطبق بالقدر نفسه على جميع الدول المشاطئة.
فإذا كان النيل لا يخص مصر وحدها، فلا يمكن كذلك التعامل مع النيل الأزرق باعتباره موردًا إثيوبيًا خالصًا يمكن تقرير كيفية استخدامه دون التشاور مع الدول التي تتأثر بصورة مباشرة بما يجري في دول المصب. فالموارد المشتركة تنشئ حقوقًا مشتركة، لكنها تنشئ كذلك مسؤوليات مشتركة.
إن المبادئ المعاصرة المنظمة للمجاري المائية الدولية لا تقيم تسلسلاً هرميًا تلقائيًا بين دول المنبع والمصب، فكون الدولة دولة منبع لا يمنحها حقًا مطلقًا في السيطرة على النهر، كما أن كونها دولة مصب لا يمنحها حقًا مطلقًا في منع الآخرين من التنمية. ويقتضي مفهوم الاستخدام المنصف والمعقول تقييمًا أوسع لمجمل الظروف ذات الصلة، بما في ذلك العوامل الجغرافية والهيدرولوجية، ومدى اعتماد السكان على المورد المائي، والاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية، والاستخدامات القائمة، والتأثير المحتمل لأنشطة دولة ما على دولة أخرى.
وتكتسب هذه المقاربة المتوازنة أهمية خاصة في حوض النيل، حيث يمثل النهر حقائق مختلفة تمامًا بالنسبة إلى الدول المختلفة. فلإثيوبيا احتياجات تنموية مشروعة، من بينها الحاجة إلى توليد الطاقة وتحقيق التحول الاقتصادي. أما مصر، فتعتمد بصورة شبه كاملة على النيل باعتباره مصدرها الرئيسي للمياه العذبة، ولا توفر ظروفها الجغرافية بدائل حقيقية لمياهه.
ولذلك، فإن النيل بالنسبة إلى مصر ليس مجرد مورد اقتصادي بين موارد أخرى، بل عنصر أساسي من عناصر البقاء الوطني والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
والاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني المطالبة بحقوق حصرية، وإنما يعني إدراك أن درجة الاعتماد نفسها تمثل عاملًا مشروعًا يجب أخذه في الاعتبار عند تحديد مفهوم الاستخدام المنصف. فلا يمكن للتعاون الدولي أن يطالب بصورة معقولة بأن تتحقق تنمية دولة ما على حساب تعريض سكان دولة أخرى لحالة من عدم اليقين الوجودي. فالإنصاف يقتضي الموازنة بين الاحتياجات المتنافسة، لا استبدال مصالح دولة بمصالح أخرى.
جوهر الخلاف حول سد النهضة
وهنا نصل إلى جوهر الخلاف حول سد النهضة الإثيوبي. فالسؤال الأساسي ليس ما إذا كان من حق إثيوبيا بناء سد أو توليد الكهرباء. ولم يكن أقوى المواقف المصرية في أي وقت معارضة التنمية الإثيوبية في حد ذاتها. بل على العكس، فإن إثيوبيا مزدهرة وآمنة في مجال الطاقة يمكن أن تسهم بصورة كبيرة في الاستقرار الإقليمي والتكامل الاقتصادي والتنمية الأفريقية.
أما القضية الحقيقية فتتعلق بكيفية ملء وتشغيل مشروع بحجم سد النهضة، وما إذا كانت إدارته ستظل خاضعة حصريًا لقرارات أحادية، أم ستخضع لترتيبات واضحة وقابلة للتنبؤ يتم الاتفاق عليها مع الدول التي تتأثر بصورة مباشرة بتشغيله.
إن القول بأن سد النهضة مشروع لتوليد الطاقة الكهرومائية وليس مشروعًا استهلاكيًا للري يحمل أهمية فنية، لكنه لا ينهي النقاش ، فالمياه المستخدمة في توليد الكهرباء لا تُستهلك بصورة دائمة كما يحدث في حالة تحويلها للزراعة. ومع ذلك، فإن تشغيل خزان ضخم يمكن أن يترتب عليه آثار مهمة تتعلق بتوقيت وكميات وموثوقية التدفقات المائية إلى دول المصب.
فمعدل الملء، وتوقيت إطلاق المياه، وإدارة فترات الجفاف، والتنسيق بين الخزانات في دول المنبع والمصب، كلها أمور ذات أهمية بالغة ، فالمسألة ليست فقط ما إذا كانت المياه ستصل في النهاية إلى دول المصب، وإنما متى تصل، وفي أي ظروف، ووفق أي قواعد تشغيلية يتم إطلاقها.
وتكتسب هذه المسائل أهمية استثنائية خلال فترات الجفاف الممتد. ففي الظروف الهيدرولوجية الطبيعية قد يكون من الأسهل استيعاب الاختلافات في إدارة المياه. لكن الاختبار الحقيقي للتعاون يأتي في أوقات الندرة والأزمات. ماذا يحدث إذا انخفضت معدلات الأمطار لعدة سنوات متتالية؟ وكيف سيتم تقاسم أعباء الجفاف؟ وما القواعد التي ستحكم إطلاق المياه؟ وكيف ستتلقى دول المصب المعلومات المتعلقة بالقرارات التشغيلية؟ وما الآليات التي سيتم تفعيلها في الظروف الاستثنائية؟
لا يمكن ترك هذه الأسئلة بالكامل للتقدير الأحادي إذا كان الهدف هو بناء ثقة حقيقية بين دول حوض النيل. فإمكانية التنبؤ ليست رفاهية سياسية. وبالنسبة إلى دولة مصب تعتمد بصورة شبه كاملة على نهر واحد، فإنها تمثل عنصرًا أساسيًا من عناصر الأمن المائي الوطني.
ومن ثم، لا ينبغي تفسير مطالبة مصر باعتبارها محاولة للسيطرة على منشأة وطنية إثيوبية ، فسد النهضة يقع داخل الأراضي الإثيوبية، وتمارس إثيوبيا بطبيعة الحال سيادتها على إقليمها ، لكن هناك فارقًا واضحًا بين المطالبة بالسيطرة على سد وبين السعي إلى قواعد متفق عليها لتنظيم تشغيله عندما يمكن أن يؤثر هذا التشغيل بصورة ملموسة في دول أخرى. فالأول يمثل تدخلًا في السيادة، أما الثاني فهو مقتضى طبيعي للتعاون بشأن مجرى مائي دولي مشترك.
وينبغي أن يظل هذا التمييز في صلب الحجة المصرية ، فمصر لا تطلب تشغيل سد النهضة، وإنما تطلب إطارًا يوفر الشفافية وتبادل المعلومات وترتيبات تشغيلية قابلة للتنبؤ وآليات لإدارة حالات الجفاف والطوارئ. ومثل هذا الاتفاق لن ينتقص من السيادة الإثيوبية، بل على العكس، سيحول حالة عدم اليقين إلى إطار مستقر من الالتزامات المتبادلة ويحمي جميع الأطراف من الأزمات السياسية المستقبلية.
ويمثل إعلان المبادئ الموقع عام 2015 بين مصر وإثيوبيا والسودان أساسًا مهمًا لمثل هذه المقاربة، فقد اتفقت الدول الثلاث على مبادئ تشمل التعاون، والاستخدام المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، وتبادل المعلومات، وأمان السد، والتسوية السلمية للمنازعات. وكانت أهمية الإعلان أنه مثل محاولة من الدول الثلاث نفسها للانتقال من منطق المواجهة إلى وضع إطار مشترك للتعامل مع سد النهضة.
ولا تكمن أهمية الإعلان في لغته القانونية فحسب، بل في دلالته السياسية أيضًا. فهو يثبت أن مصر وإثيوبيا والسودان قد قبلت بالفعل مبدأ أن إدارة سد النهضة لا يمكن فصلها عن التعاون بين الدول الثلاث. أما التحدي منذ ذلك الحين، فيتمثل في تحويل المبادئ العامة إلى آليات تشغيلية ملموسة وقابلة للتنبؤ ومتفق عليها بصورة متبادلة.
وهنا تكمن الحلقة المفقودة.
فحسن النوايا والإعلانات السياسية مهمان، لكن الأمن المائي لا يمكن أن يعتمد حصريًا على تغير الظروف السياسية أو حسن النوايا المؤقت. وتصبح الاتفاقات أكثر أهمية عندما تزداد الظروف صعوبة. فهدفها ليس فقط تنظيم الأوضاع الطبيعية، بل وضع آليات قادرة على إدارة الظروف الاستثنائية، بما في ذلك الجفاف والجفاف الممتد وحالات الطوارئ.
وينبغي لذلك أن يتناول أي اتفاق مستدام قضايا مثل الإدارة المنسقة للجفاف، والتبادل المنتظم وفي الوقت المناسب للبيانات، والإخطار بالإجراءات الطارئة، وأمان السد، والتعاون العلمي، وإجراءات تسوية النزاعات. وهذه الآليات لن تمثل انتصارًا لدولة على أخرى، بل ستكون بمثابة بوليصة تأمين لمنظومة حوض النيل بأكملها.
وينبغي أن يحكم المبدأ نفسه النقاشات المتعلقة بالاتفاق الإطاري التعاوني ومستقبل مؤسسات حوض النيل ، فلا ينبغي تصوير مصر باعتبارها معارضة للتعاون الأفريقي أو رافضة لفكرة وجود آلية دائمة على مستوى الحوض. فعلى العكس، لدى مصر مصلحة أساسية في بناء إطار مؤسسي شامل قادر على تعزيز التنمية ومنع النزاعات.
ويكمن الخلاف في طبيعة هذا الإطار، وما إذا كان قادرًا بالفعل على تمثيل الحوض بأكمله في ظل بقاء دول مشاطئة رئيسية خارج ترتيباته القانونية والمؤسسية ، وينبغي ألا تتحول مؤسسة حوض النيل إلى ساحة جديدة للمنافسة بين كتل المنبع والمصب. فشرعيتها يجب أن تستند إلى الشمول والتوافق والقدرة على استيعاب المخاوف المشروعة لجميع الدول المشاطئة.
حوض النيل لا يحتاج الي مؤسسات متنافسة
إن حوض النيل لا يحتاج إلى مؤسسات متنافسة أو نظم قانونية متعارضة، وإنما يحتاج إلى منصة مشتركة قادرة على مواجهة التحديات التي ستؤثر بصورة متزايدة في جميع دوله.
وفي الواقع، فإن إحدى أهم الملاحظات التي تبرز من النقاش الحالي هي أن سد النهضة، على أهميته، لا يمثل سوى جزء من تحدٍ استراتيجي أكبر بكثير. فالنمو السكاني، وتغير المناخ، وتزايد الطلب على الغذاء والطاقة، وإنشاء بنى تحتية جديدة، كلها عوامل ستفرض ضغوطًا غير مسبوقة على حوض النيل خلال العقود المقبلة.
والسؤال ليس فقط كيف ستدير مصر وإثيوبيا والسودان سدًا واحدًا، بل كيف ستتمكن دول حوض النيل مجتمعة من إدارة مورد يزداد ندرة وأهمية استراتيجية.
ولا يمكن مواجهة هذا التحدي من خلال سياسات وطنية أحادية وحدها، فعدم اليقين المناخي لا يعترف بالحدود السياسية، والجفاف في جزء من الحوض يمكن أن يؤثر في المجتمعات في مختلف أنحاء المنظومة، كما أن البنية التحتية التي تُنشأ اليوم ستؤثر في توافر المياه لعقود مقبلة، ولذلك فإن غياب التعاون سيصبح أكثر كلفة مع مرور الوقت.
ولهذا ينبغي أن تقدم مصر نفسها لا باعتبارها مدافعًا عن ترتيبات تاريخية، وإنما باعتبارها داعية إلى مستقبل قائم على القواعد ، وينبغي أن يتجاوز النقاش الجدل العقيم حول ما إذا كانت الاتفاقات التاريخية تمثل حقوقًا دائمة أم إرثًا استعماريًا. فالاتفاقات التاريخية تظل جزءًا من التاريخ السياسي والقانوني للنيل، لكن المستقبل يتطلب إطارًا قانونيًا جديدًا وملزمًا يعالج المتغيرات التي أحدثتها إثيوبيا في الواقع الجغرافي والهيدرولوجي لمجرى النهر.
وتكمن قوة الحجة المصرية في مبادئ التعاون الدولي المعاصرة: الاستخدام المنصف، ومنع الضرر ذي الشأن، والتشاور، وتبادل المعلومات، والإدارة التفاوضية. فهي تمثل أساسًا أكثر مصداقية واستدامة لمواجهة تحديات المستقبل.
ومن ثم، ينبغي لمصر أن تتطلع إلى المستقبل بسياسة واضحة تدعم التنمية الإثيوبية، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن التنمية والتعاون ليسا نقيضين ، وأن تدعم مؤسسات حوض النيل مع المطالبة بأن تظل شاملة للجميع، وأن تعترف بالفوائد المحتملة للبنية التحتية المنسقة، مع الإصرار على ترتيبات قادرة على إدارة المخاطر.
وعليها كذلك أن ترفض باستمرار الاختيار الزائف بين تنمية إثيوبيا والأمن المائي لمصر.
فلا يوجد تناقض جوهري بين الأمرين.
إن التناقض الحقيقي لا يظهر إلا عندما تُقدم حقوق دولة ما باعتبارها مطلقة، بينما تُرفض مخاوف دولة أخرى باعتبارها غير مشروعة. فلا يمكن بناء نظام مستدام للتعاون الإقليمي على مثل هذا الافتراض.
فإثيوبيا المزدهرة لا تمثل تهديدًا لمصر بحكم التعريف، كما أن الأمن المائي المصري لا يمثل تهديدًا للتنمية الإثيوبية بحكم التعريف ، إن الخطر يكمن في السياسات التي تحول الاعتماد الطبيعي المتبادل إلى منافسة استراتيجية، فإذا اعتقدت دولة أن تنميتها تتطلب من دولة أخرى أن تقبل حالة دائمة من عدم اليقين، يصبح الصراع أمرًا حتميًا. وإذا اعتقدت دولة أخرى أن حماية أمنها تقتضي حرمان جارتها من أي فرصة للتنمية، يصبح التعاون مستحيلًا بالقدر نفسه.
والتحدي إذن هو استبدال التفكير الصفري بمنظومة من الضمانات المتبادلة.
ويمكن لسد النهضة، نظريًا، أن يصبح نموذجًا لهذا التحول. فتوليد الكهرباء يمكن أن يسهم في التكامل الإقليمي للطاقة، والإدارة المنسقة للخزانات يمكن أن تحسن كفاءة استخدام المياه، والتعاون العلمي يمكن أن يعزز التنبؤات الهيدرولوجية، والآليات المشتركة لإدارة الجفاف يمكن أن تقلل المخاطر، وتبادل البيانات يمكن أن يعزز الثقة.
لكن أيًا من هذه الفرص لن يتحقق في ظل الأحادية.
فالتعاون يجب أن يتحول إلى نظام مؤسسي واضح، وأن يُنص عليه ويُترجم في وثيقة قانونية ملزمة تحمي حقوق إثيوبيا والسودان ومصر.
كما أن مفهوم «المكسب للجميع» الذي كثيرًا ما يُستدعى في الخطاب السياسي يجب أن يُترجم من شعار إلى آليات عملية. فهو يتطلب ترتيبات تشغيلية واضحة، وتبادلًا شفافًا للمعلومات، ورصدًا علميًا مشتركًا، وإجراءات للطوارئ، وآليات قادرة على تسوية النزاعات قبل أن تتطور إلى مواجهات سياسية.
وعندئذ فقط يمكن للنيل أن ينتقل من كونه مصدرًا للقلق الاستراتيجي إلى أن يصبح أداة للتكامل الإقليمي.
تلخيص الموقف المصري الرسمي
ويمكن تلخيص الموقف المصري الأساسي ببساطة: تعترف مصر بسيادة إثيوبيا وبحقها المشروع في التنمية، ولا تدعي مصر ملكية نهر النيل، ولا تسعى إلى فرض حق نقض على التنمية الإثيوبية، كما لا تطلب السيطرة الإدارية على سد النهضة.
لكن مصر لا يمكن أن تقبل بأن الحق في التنمية يتضمن حقًا في اتخاذ قرارات أحادية بشأن نهر مشترك، بغض النظر عن آثارها المحتملة على الدول الأخرى.
ولا بد من الاعتراف بمبدأ المعاملة بالمثل.
فلإثيوبيا الحق في التنمية، ولمصر الحق في الأمن المائي، وللسودان مصالح مشروعة تتعلق بإدارة المياه وأمان السد. وهذه الحقوق لا ينبغي أن تلغي بعضها بعضًا، وإنما يجب التوفيق بينها من خلال التعاون.
هذا هو المعنى الحقيقي للاستخدام المنصف.
وهو كذلك المعنى الحقيقي للسيادة المسؤولة في القرن الحادي والعشرين.
إن مستقبل النيل لا يمكن أن تحدده الجغرافيا وحدها. فكون الدولة في المنبع لا يمنحها سلطة غير محدودة على النهر، كما أن كونها في المصب لا ينشئ استحقاقًا غير محدود. ما تخلقه الجغرافيا في حالة الأنهار الدولية هو الاعتماد المتبادل.
والاعتماد المتبادل يخلق مسؤوليات.
ولا ينبغي النظر إلى ذلك باعتباره قيدًا على السيادة الوطنية، بل باعتباره الكيفية التي تعمل بها السيادة المسؤولة في عالم مترابط ، فالدول تحتفظ بحقوقها السيادية، لكنها تدرك أن نتائج بعض تصرفاتها تفرض عليها التعاون مع جيرانها.
ومن ثم، فإن الرد الأكثر إيجابية على مطلب إثيوبيا بالتنمية ليس الرفض، بل المعاملة بالمثل. نعم، من حق إثيوبيا تنمية مواردها، لكن من حق مصر بالقدر نفسه حماية أمنها المائي.
نعم، تستطيع إثيوبيا توليد الكهرباء، لكن البنية التحتية التي تؤثر في مجرى مائي دولي مشترك تتطلب التعاون.
نعم، ينبغي أن يسهم النيل في ازدهار جميع دول الحوض، لكن الاستخدام المشترك لا يمكن تفسيره باعتباره سيطرة أحادية.
وفي نهاية المطاف، يواجه حوض النيل خيارًا بين نهجين متنافسين.
الأول هو الأحادية، حيث تنشئ كل دولة مشروعاتها وتحدد سياساتها وفقًا لمصالحها الوطنية المباشرة، تاركة الآخرين للتكيف مع النتائج. ومثل هذا النهج سيؤدي حتمًا إلى انعدام الثقة وتحويل القضايا الفنية إلى نزاعات استراتيجية.
أما النهج الثاني فهو التعاون القائم على قواعد متفق عليها بصورة متبادلة، وهذا الطريق يتطلب تنازلات وشجاعة سياسية، كما يتطلب من جميع الدول أن تقبل بأن أيا منها لن تحصل على كل ما تريده ، لكنه يقدم ما هو أكثر قيمة بكثير: القدرة على التنبؤ والاستقرار وإطارًا تستطيع في ظله التنمية والأمن المائي أن يتعايشا.
وينبغي أن يظل الموقف الاستراتيجي المصري راسخًا في هذا النهج الثاني: واثقًا لا دفاعيًا، ومتطلعًا إلى المستقبل لا أسيرًا للجدل التاريخي، فأقوى حجة لدى مصر تستند في النهاية إلى مبدأ منطقي بسيط: لا يمكن إدارة نهر مشترك كما لو كان ملكًا لدولة واحدة.
فلا تستطيع دولة منبع تجاهل نتائج أفعالها على دول المصب، كما لا تستطيع دولة مصب إنكار التطلعات المشروعة لشعوب دول المنبع. والحل ليس الاحتكار ولا المواجهة.
إنه الشراكة.
ولا ينبغي أن يتحول النيل إلى رمز للقوميات المتنافسة أو مصدر دائم للقلق الاستراتيجي، بل ينبغي أن يصبح نموذجًا لكيفية تحويل الدول الأفريقية موردًا طبيعيًا مشتركًا إلى أساس للتعاون والتكامل والازدهار المشترك.
فالتنمية حق ،والسيادة حق ، والأمن المائي حق ، لكن في نهر دولي مشترك، لا يمكن لأي حق أن يوجد في عزلة كاملة عن المسؤولية تجاه الآخرين.
وهذا ليس قيدًا على التنمية ، بل هو الأساس المستدام الوحيد الذي يمكن أن تتعايش في إطاره التنمية والأمن والتعاون.
طالع أيضاً:
خبير سوداني يرد على وزير المياه الإثيوبي: «السيطرة على مياه النيل» تكشف الهدف الحقيقي لسد النهضة




