صحيفة إثيوبية : تصاعد المخاوف من عودة التجنيد القسري في إثيوبيا وسط استمرار الأزمات السياسية والأمنية

حذّرت صحيفة «أديس ستاندرد» الإثيوبية المستقلة من ما وصفته بعودة مقلقة لظاهرة التجنيد القسري إلى المشهد السياسي في إثيوبيا، معتبرة أن لجوء السلطات أو الميليشيات والقوي السياسية الإثيوبية إلى إجبار المواطنين الإثيوبيين على القتال يعكس عجزاً عن إقناعهم بالمشاركة طوعاً في النزاعات المسلحة.
وقالت الصحيفة، في افتتاحية بعنوان «لا مزيد من وقود الحروب!»، إن أنماطاً مقلقة من التجنيد القسري بدأت تظهر في عدة مناطق من البلاد، مشيرة إلى تقارير عن تجنيد قسري في صفوف الميليشيات، واحتجاز تعسفي، وعمليات ابتزاز في إقليمي أوروميا وأمهرة وأجزاء من جنوب إثيوبيا، إلى جانب حملات تجنيد قسري حديثة في إقليم تيغراي.
ورأت الصحيفة أن استمرار النزاعات السياسية دون حلول يدفع المواطنين العاديين إلى تحمل تبعات إخفاقات الجهات التي تمتلك السلطة، متسائلة: إذا كانت القضية عادلة والحرب ضرورية، وإذا كان الناس مقتنعين فعلاً بضرورة الدفاع عن مجتمعاتهم، فلماذا يتم اقتياد الشباب من الأسواق والحافلات وأماكن العمل والمنازل للقتال؟
وأشارت «أديس ستاندرد» إلى أن التاريخ قدّم تحذيرات متكررة من اللجوء إلى التعبئة القسرية كوسيلة لمعالجة الإخفاقات السياسية، لافتة إلى أن أدبيات الحروب تزخر بشهادات تحذر من منح الدول سلطة تحويل المواطنين إلى أدوات للعنف.
وأضافت الصحيفة أن العديد من المفكرين الإنسانيين حذروا عبر الأجيال من أن الخدمة العسكرية الإلزامية قد تؤدي إلى تقييد الحريات، وتعزيز الطاعة على حساب الضمير، وتحويل البشر إلى مواد قابلة للاستهلاك في حروب يقررها آخرون.
وفي هذا السياق، استعرضت الصحيفة مواقف عدد من الشخصيات التاريخية، مشيرة إلى أن الجندي والشاعر البريطاني سيغفريد ساسون انتقد خلال الحرب العالمية الأولى حرباً رأى أنها تجاوزت حدود الدفاع المشروع وأطالتها الطموحات السياسية والأخطاء، كما عارض الفيلسوف البريطاني برتراند راسل التجنيد الإجباري ودفع ثمناً شخصياً لموقفه، بينما أكد الكاتب الروسي ليو تولستوي أن أي سلطة سياسية لا يمكنها إلغاء المسؤولية الأخلاقية الفردية عن القتل.
وقالت الصحيفة إن هذه الأفكار ما تزال ذات صلة بالواقع الإثيوبي اليوم، موضحة أن التجنيد القسري يجبر المواطنين على التخلي عن أحد أهم حقوقهم المتعلقة بحياتهم، وهو الحق في عدم القتل أو عدم الموت لمجرد أن السلطات أمرت بذلك.
وأضافت أن التجنيد القسري، في المجتمعات التي تعاني بالفعل من الحروب الأهلية وانعدام الثقة السياسية، يحول الخلافات السياسية غير المحسومة إلى مطالب بتوفير المزيد من الأفراد للقتال.
ورأت الصحيفة أن إثيوبيا يفترض أن تدرك هذه الحقيقة أكثر من غيرها، مشيرة إلى أن الحرب المدمرة في تيغراي انتهت رسمياً بتوقيع اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022، إلا أن انتهاء العمليات العسكرية واسعة النطاق لم يؤد تلقائياً إلى تحقيق السلام، إذ ظلت الخلافات السياسية وقضايا السلطة والحكم وانعدام الثقة العميق دون حل.
وأضافت أن النزاعات المسلحة وحالة انعدام الأمن استمرت في إقليمي أمهرة وأوروميا، ما أدى إلى سقوط المزيد من الضحايا وزعزعة استقرار المجتمعات المحلية.
وقالت «أديس ستاندرد» إن الدرس الذي كان ينبغي استخلاصه يتمثل في حاجة إثيوبيا إلى مزيد من العمل السياسي والمفاوضات والمساءلة والشجاعة لمواجهة القضايا المعقدة دون اللجوء إلى العنف.
لكن الصحيفة حذرت من خطر استمرار البلاد في أحد أسوأ أنماط الحروب، والمتمثل في معالجة الإخفاقات السياسية والنقص العسكري عبر ملء الصفوف بالقوة.
وأشارت إلى أنها تابعت منذ عام 2021 تقارير تتعلق بأنماط التجنيد القسري والتدريب الإجباري للميليشيات، خاصة في إقليم أوروميا، حيث وثق السكان والأسر وشخصيات معارضة ومؤسسات حقوقية روايات وصفتها بأنها مقلقة للغاية.
وأضافت أن المفوضية الإثيوبية لحقوق الإنسان وثقت بدورها حالات تتعلق بالتجنيد القسري والاحتجاز التعسفي والابتزاز، بما في ذلك حالات طالت أطفالاً وشباباً.
ووفقاً للصحيفة، تتشابه الروايات الواردة من مناطق مختلفة، وتشمل احتجاز شباب أثناء السفر أو العمل، وضغوطاً على المزارعين للالتحاق بتدريبات الميليشيات، وإجبار الأسر على دفع مبالغ مالية كبيرة للإفراج عن أقارب محتجزين، وفرض حصص تجنيد على السلطات المحلية، إضافة إلى تضرر سبل العيش مع اختفاء الشباب داخل المعسكرات العسكرية.
وأكدت الصحيفة أن هذه الممارسات لا تمثل تجديداً وطنياً، بل تعكس حالة من التراجع الوطني.
وأضافت أنه لا يمكن لأي دولة بناء سلام مستدام إذا أصبح الشباب ينظرون إلى الدولة باعتبارها شيئاً يجب الاختباء منه، كما لا تستطيع أي حكومة تعزيز التماسك الاجتماعي من خلال إرسال قوات أمنية إلى المجتمعات المحلية لاعتقال الجيل الذي يفترض أن يشكل التعليم والعمل والأمل أساس مستقبل البلاد.
كما اعتبرت الصحيفة أنه لا يمكن لأي حركة سياسية أن تدّعي الدفاع عن المواطنين بينما تتعامل معهم في الوقت ذاته باعتبارهم مخزوناً بشرياً للقتال في ساحات الحرب.
وطرحت الصحيفة سلسلة من التساؤلات، منها: لماذا يُجبر مزارع شاب على ترك أرضه بسبب عجز السياسيين عن حل النزاعات السياسية دون عنف؟ ولماذا يضطر طالب إلى ترك تعليمه لأن السلطات العسكرية تحتاج إلى مزيد من المجندين؟ ولماذا تدفع أم أموالاً لاستعادة ابنها من الاحتجاز؟ ولماذا يُطلب من جيل عانى بالفعل من آثار الحرب أن يعود مجدداً إلى المعسكرات العسكرية؟
وتساءلت الصحيفة أيضاً عن نوع السلام الذي يمكن بناؤه عبر إجبار مواطنين غير راغبين على المشاركة في الحروب.
وأكدت «أديس ستاندرد» أن للدولة حقاً في الدفاع عن نفسها، وأن للمجتمعات حقاً في حماية نفسها من التهديدات الحقيقية، مشيرة إلى أن الخدمة العسكرية الطوعية وضمن إطار القانون تختلف جوهرياً عن الاحتجاز التعسفي والإكراه الممارس ضد المدنيين.
وأضافت أن القضية لا تتعلق بحاجة إثيوبيا إلى الأمن، إذ إن البلاد تحتاج إليه بالفعل، وإنما تتعلق بإمكانية بناء الأمن عبر تقويض الحريات.
وأشارت الصحيفة إلى أن الدستور الإثيوبي يحظر الاحتجاز التعسفي، وأن الإطار القانوني للدولة لا ينبغي أن يفقد معناه عند مواجهة أزمات أمنية، مؤكدة أنه لا يجوز للحكومات الإقليمية أو المؤسسات الفيدرالية التعامل مع المواطنين باعتبارهم موارد عسكرية يتم جمعها عبر الحصص والحملات القسرية والترهيب.
ولفتت الصحيفة إلى أن إثيوبيا أمضت السنوات الثماني الماضية في إحصاء ضحاياها والبحث عن المفقودين وتراكم جراح قد تستغرق أجيالاً للتعافي منها، في وقت شهد فيه الملايين النزوح وتفككت أسر وفقد الشباب سنوات من التعليم والعمل، بينما لا تزال مجتمعات بأكملها تعاني من آثار الصدمات.
واختتمت «أديس ستاندرد» افتتاحيتها بالتأكيد على أن معالجة هذه المأساة لا يمكن أن تتم عبر إجبار جيل جديد من المواطنين على خوض حروب لا يريدونها، داعية إلى تبني رؤية سياسية مختلفة تضع التفاوض قبل التعبئة، والشجاعة السياسية قبل الإكراه العسكري، ومستقبل الشباب وحياتهم فوق الطموحات السياسية غير المحسومة لمن يتولون السلطة.
طالع أيضا :
الدكتور أحمد المفتي: تصريحات وزير المياه الإثيوبي السابق تكشف تجاهل إثيوبيا لقواعد الأنهار الدولية




