رامي زهدي يكتب : «من العلمين إلى إفريقيا».. عندما تتحول أرض أشهر معارك الحرب العالمية الثانية إلى منصة لصناعة مستقبل القارة

أماكن في العالم تختزن التاريخ، وأماكن يتجاوز فيها التاريخ حدود الذاكرة ليصبح جزءا من صناعة المستقبل، والعلمين الجديدة واحدة من هذه الأماكن النادرة .. في عام 1942 كانت العلمين مسرحا لإحدى أشهر معارك الحرب العالمية الثانية، وواحدة من أكثر نقاط التحول أهمية في مسار الحرب، قبل أن تترك الحرب وراءها شيئا أكثر قسوة من الذكريات: ملايين الألغام والذخائر ومخلفات المعارك التي بقيت لعقود طويلة كامنة تحت الأرض، تحول دون العمران والزراعة والاستثمار وتضع مساحات واسعة من الساحل الشمالي الغربي أمام معادلة شديدة القسوة: أرض تملك مقومات الحياة والتنمية، ولكنها محاصرة بمخلفات الموت.
واليوم، وبعد أكثر من ثمانية عقود على معركة العلمين، تقف المدينة في صورة تكاد تكون نقيضا كاملا لتلك اللحظة التاريخية، مدينة جديدة، واستثمارات سياحية وعمرانية، وبنية أساسية، وطاقة، ومشروعات قومية، وامتداد عمراني واقتصادي يعيد تعريف الساحل الشمالي الغربي، ثم تأتي في أكتوبر المقبل خطوة أكثر دلالة، مع انعقاد منتدى العلمين أفريقيا 2026، الذي يطرح نفسه كمنصة أعمال إفريقية دائمة تستضيفها مصر بصورة دورية، وتجمع بين الحكومات والمؤسسات المالية والقطاع الخاص والمستثمرين وصناع القرار حول مستقبل الاقتصاد الإفريقي.
هذه المفارقة ليست مجرد قصة تصلح للخطاب الإعلامي والتحليلي، بل تحمل في داخلها فكرة سياسية واقتصادية أكثر عمقا : فالمناطق التي كانت يوما ضحية للصراع يمكن أن تصبح لاحقا أدوات لصناعة السلام والتنمية، والدولة التي نجحت في تحويل أرض ملغومة إلى مركز عمراني واستثماري تستطيع أن تقدم تجربتها للقارة الإفريقية التي ما زالت أجزاء واسعة منها تعاني من آثار النزاعات والفقر وضعف البنية الأساسية، وتبحث في الوقت نفسه عن طريق مختلف نحو التنمية.
ولعل أقوى ما في قصة العلمين ليس عدد الألغام التي تمت إزالتها، وإنما معنى إزالتها، فالدولة لم تكن تقوم بعمل هندسي أو أمني منفصل عن الاقتصاد، وإنما كانت تستعيد أرضا من الماضي لكي تدخلها في اقتصاد المستقبل، في وقت تشير البيانات الحكومية المصرية فيه إلى إزالة أكثر من 25 مليون لغم وجسم متفجر وذخائر من مخلفات الحرب العالمية الثانية في الصحراء الغربية، وهي منطقة تمثل نحو 22% من مساحة مصر، كما ارتبطت عمليات التطهير بإتاحة الأراضي أمام مشروعات عمرانية وزراعية وطاقة وبنية أساسية، من بينها مشروع ترعة الحمام، ومشروعات الاستصلاح والاستزراع، ومشروعات الطاقة النووية في الضبعة، إلى جانب التنمية العمرانية والسياحية في العلمين.
وهنا تحديدا ينبغي أن نقرأ تجربة العلمين بمنظور إفريقي أوسع، حيث إفريقيا اليوم لا تعاني فقط من فجوة تمويل، وإنما تعاني في كثير من مناطقها من فجوة في تحويل الأرض والموارد إلى أصول اقتصادية قابلة للاستثمار، هناك دول تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي، وثروات معدنية هائلة، ومصادر طاقة، وسواحل وموانئ وممرات تجارية، لكنها لا تزال عاجزة عن تحويل هذه المقومات إلى قيمة اقتصادية مستدامة بسبب الصراعات أو ضعف البنية الأساسية أو ارتفاع مخاطر الاستثمار أو نقص التمويل أو ضعف القدرات المؤسسية.
ولهذا فإن منتدى العلمين لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مؤتمرا اقتصاديا آخر يضاف إلى قائمة المؤتمرات الدولية، وإنما باعتباره فرصة لصناعة مفهوم مصري جديد للحضور في إفريقيا.
مصر لا تحتاج إلى منتدى جديد لكي تقول إنها مهتمة بجدية وإخلاص بإفريقيا، تاريخها وموقعها وعلاقاتها بالقارة أقدم من أي منتدى، لكن مصر تحتاج إلى منصات تحول العلاقات السياسية إلى مصالح اقتصادية، والتعاون الدبلوماسي إلى مشروعات، والخطاب عن وحدة المصير إلى سلاسل إنتاج وتجارة واستثمار.
وهذه هي النقطة التي يمكن أن تصبح عندها العلمين أكثر من مدينة سياحية وأكثر من مكان لاستضافة حدث اقتصادي.
العلمين يمكن أن تتحول إلى “عنوان مصري وأفريقي” لفكرة أكبر: إفريقيا التي تنتقل من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد القيمة، ومن تصدير الخامات إلى التصنيع، ومن المشروعات المنفردة إلى الممرات الاقتصادية، ومن التمويل إلى الاستثمار، ومن استيراد التكنولوجيا إلى توطينها.
وربما الأرقام وحدها تشرح لماذا أصبحت إفريقيا محل اهتمام متزايد من القوى الاقتصادية الكبرى، فالقارة تضم 54 دولة، ويقترب عدد سكانها من 1.5 مليار نسمة، وتتميز بأحد أعلى معدلات النمو السكاني في العالم، بينما تشير التقديرات إلى أن سكانها يمكن أن يتجاوزوا 2.5 مليار نسمة بحلول منتصف القرن، وهذه ليست مجرد أرقام سكانية، وإنما تعني سوقا ضخمة للغذاء والطاقة والإسكان والنقل والدواء والاتصالات والتعليم والخدمات المالية والتكنولوجيا.
وفي الوقت نفسه، تمتلك إفريقيا نسبة كبيرة من احتياطيات العالم من الموارد المعدنية الحيوية، بما في ذلك الكوبالت والنحاس والمنجنيز والبلاتين والكروم، إلى جانب احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، ومساحات هائلة صالحة للزراعة، وإمكانات استثنائية في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية.
لكن المفارقة الإفريقية الكبرى أن قارة غنية بالموارد لا تزال تستورد جزءا كبيرا من احتياجاتها الصناعية والغذائية والتكنولوجية، وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: ليست إفريقيا فقيرة بالموارد، وإنما فقيرة نسبيا في القيمة المضافة، وهذه الجملة يجب أن تكون واحدة من أهم العبارات الحاكمة لأي استراتيجية مصرية تجاه إفريقيا خلال السنوات المقبلة، فحين تخرج خامات النحاس والكوبالت والمنجنيز والذهب من إفريقيا لتعود إليها في صورة منتجات صناعية مرتفعة القيمة، فإن القارة لا تحصل على نصيبها الحقيقي من الثروة، وحين تصدر المحاصيل الزراعية خاما ثم تستورد منتجات غذائية مصنعة من الخارج، فإنها تخسر في حلقات القيمة المضافة ما هو أهم من عائد التصدير الأولي.
لذلك فإن إفريقيا التي تحتاجها مصر ليست فقط إفريقيا السوق، وإنما إفريقيا الشريك الإنتاجي.
وهنا تحديدا يمكن أن تلعب مصر دورا يتجاوز مفهوم المصدر التقليدي، مصر تمتلك قاعدة صناعية وخبرات في المقاولات والطاقة والدواء والاتصالات والنقل والخدمات اللوجستية والصناعات الغذائية والهندسية، كما تمتلك قناة السويس وموانئ البحرين الأحمر والمتوسط، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وهي عناصر يمكن أن تجعلها منصة طبيعية لإعادة ربط الاستثمار العالمي بالاقتصاد الإفريقي.
والأهم أن مصر ليست بعيدة عن الأسواق الإفريقية، إنها جزء من القارة، ولديها عضوية في الاتحاد الإفريقي، واتفاقيات تجارية واقتصادية مع الدول الإفريقية، وتتمتع بموقع يسمح لها بالوصول إلى شرق القارة وشمالها ووسطها وغربها من خلال شبكات النقل والتجارة.
فالمصنع المصري الذي ينتج جزءا من احتياجات السوق الكيني أو التنزاني أو الأوغندي أو الزامبي ليس مجرد مشروع تصديري، بل هو جزء من إعادة بناء موقع مصر في سلاسل القيمة الإفريقية.
والشركة المصرية التي تدخل في شراكة مع مستثمر إفريقي لإنشاء مصنع دواء أو غذاء أو معدات زراعية أو مكونات صناعية ليست فقط شركة تبحث عن الربح، وإنما تصبح أداة من أدوات القوة الاقتصادية المصرية.
وهنا يمكن لمنتدى العلمين أن يفتح الباب أمام نوع جديد من الشراكات: الشراكات التي لا تبدأ من سؤال “ماذا سنبيع لإفريقيا؟”، وإنما من سؤال أكثر ذكاء: “ماذا يمكن أن ننتج في إفريقيا ومع إفريقيا ولإفريقيا؟”
هذا التحول هو الذي سيحدد مستقبل المنافسة الاقتصادية على القارة، فالصين لم تصبح شريكا رئيسيا لإفريقيا لأنها تبيع المنتجات فقط، وإنما لأنها بنت حضورا متشابكا في البنية الأساسية والطاقة والاتصالات والتصنيع والتمويل والموانئ والنقل. والولايات المتحدة وأوروبا والهند وتركيا ودول الخليج وغيرها تتحرك أيضا بدرجات مختلفة لبناء مصالحها في القارة، والتنافس على إفريقيا لم يعد تنافسا على من يملك خطابا سياسيا أفضل تجاه القارة، وإنما على من يستطيع بناء شبكة مصالح أكثر استدامة، وهنا يجب ألا تخشى مصر من المنافسة، بل عليها أن تتعلم كيف تعمل داخلها.
والقيمة الحقيقية لمصر لا تكمن في عنصر واحد، وإنما في اجتماع عدة عناصر في مكان واحد، ومن هنا يمكن أن يصبح العلمين منصة لتسويق مصر باعتبارها مركزا للاستثمار الإفريقي، لا مجرد دولة تستقبل الاستثمارات.
وهذا يتطلب حضورا أكبر للبنوك والمؤسسات التمويلية وصناديق الاستثمار وشركات التأمين وشركات الخدمات اللوجستية وشركات التكنولوجيا، وليس فقط الجهات الحكومية، كما يتطلب أن يكون للمستثمر الإفريقي في مصر مسار واضح، وأن يجد المستثمر المصري في إفريقيا أدوات تمويل وضمان وتأمين ومعلومات سوقية وشركاء محليين، وأن تتحول السفارات والمكاتب التجارية والمؤسسات الاقتصادية إلى شبكات دعم فعلية للقطاع الخاص، لأن إحدى مشكلات العلاقات الاقتصادية الإفريقية ليست دائما غياب الفرص، وإنما غياب المعلومات التي تجعل الفرصة قابلة للتحول إلى قرار استثماري.
قد يعرف المستثمر المصري أن هناك طلبا على منتجاته في دولة إفريقية، لكنه لا يعرف القوانين، أو الشريك المحلي، أو المخاطر، أو آليات التحويل المالي، أو تكاليف النقل، أو النظام الجمركي، أو حجم المنافسة.
وقد يعرف المستثمر الإفريقي أن مصر تمتلك فرصا في قطاعات عديدة، لكنه لا يعرف كيف يدخل السوق المصري أو كيف يصل إلى الشريك المناسب.
ولهذا فإن اقتصاد المعلومات يجب أن يصبح جزءا من الدبلوماسية الاقتصادية المصرية.
ومن هنا أيضا تبرز أهمية منتدى العلمين باعتباره فرصة لبناء قواعد بيانات وشبكات أعمال واتفاقات تنفيذية وليس فقط إلقاء كلمات، والمنتدى الناجح ليس هو الذي يخرج منه عشرات التصريحات، وإنما الذي يخرج منه عشرات العقود ومذكرات التفاهم ومشروعات التمويل والاستثمار وخطط التنفيذ.
وهناك بعدا آخر يجعل العلمين أكثر أهمية بالنسبة لإفريقيا، وهو مفهوم إعادة إعمار ما بعد الصراع، فالقارة الإفريقية ما زالت تعاني من بؤر نزاع وحروب أهلية واضطرابات سياسية، من السودان إلى مناطق في الساحل الإفريقي والقرن الإفريقي ومناطق أخرى، وفي كثير من هذه الدول، لا تبدأ التنمية من الصفر، وإنما تبدأ من أرض دمرتها الحرب، وهنا تقدم العلمين درسا مصريا بالغ الدلالة: إزالة الألغام ليست نهاية المهمة، بل بداية التنمية، حين تزال الألغام يجب أن تأتي الطرق، ثم المياه، ثم الكهرباء، ثم الزراعة، ثم الصناعة، ثم الإسكان، ثم الخدمات، ثم الاستثمار،أي أن التنمية يجب أن تتعامل مع الأرض باعتبارها منظومة متكاملة، لا مجرد مساحة يتم تطهيرها.
وهذا النموذج يمكن أن يتحول إلى خبرة مصرية قابلة للتصدير إلى إفريقيا، فمصر لديها تجربة في التعامل مع آثار الحرب، وإعادة توظيف الأراضي، وتنفيذ مشروعات البنية الأساسية في البيئات الصعبة، وإدارة مشروعات واسعة النطاق في الطاقة والمياه والنقل والعمران.
ولذلك فإن أحد الملفات التي يمكن أن يحملها منتدى العلمين إلى إفريقيا هو “اقتصاد إعادة الإعمار”.
إفريقيا تحتاج إلى هذا الاقتصاد.
تحتاج إلى شركات إزالة مخلفات الحروب، وشركات إنشاء الطرق، ومحطات الكهرباء، وشبكات المياه، والمستشفيات، والمساكن، والمناطق الصناعية، وخدمات التمويل والتأمين، وأنظمة الإدارة الرقمية، والتدريب وبناء القدرات، ومصر يمكن أن تكون لاعبا مهما في هذه المنظومة، لأن العلمين نفسها تقدم صورة حية عن الفرق بين الأرض التي ينظر إليها المستثمر باعتبارها خطرا والأرض التي تصبح بعد تأمينها أصلا اقتصاديا، وهذه الفكرة بالذات يمكن أن تكون أحد أهم الرسائل التي تقدمها مصر إلى إفريقيا: لا توجد أرض مستحيلة إلى الأبد، وإنما توجد أرض تحتاج إلى رؤية وتمويل وتكنولوجيا وإرادة سياسية، لكن التنمية الإفريقية لا تحتاج فقط إلى رؤوس الأموال. تحتاج إلى شراكات عادلة، وهنا يجب أن تكون مصر حريصة على أن يكون خطابها تجاه إفريقيا مختلفا عن بعض الأنماط القديمة التي تعاملت مع القارة باعتبارها مجرد سوق تصريف أو مصدر مواد خام.
إفريقيا الجديدة تريد شراكة أكثر توازنا، وتريد أن تكون شريكا في المشروع، لا مجرد مستفيد ثانوي منه.
تريد التكنولوجيا، وفرص العمل، والتصنيع المحلي، والتدريب، ونقل المعرفة، وليس فقط طريقا أو ميناء أو مصنعا.
وهذه ليست مطالب إفريقية فقط، وإنما شروط منطقية للاستثمار المستدام.
فالاستثمار الذي لا يخلق اقتصادا محليا قويا قد ينجح تجاريا لفترة، لكنه لن ينجح استراتيجيا على المدى الطويل.
أما الاستثمار الذي يبني القدرات المحلية، ويخلق سلاسل توريد، ويدرب العمالة، ويستخدم الموردين المحليين، ويربط المشروع بالاقتصاد الوطني، فإنه يتحول من مشروع خاص إلى أصل استراتيجي للدولة.
وهنا يمكن لمصر أن تقدم نموذجا مختلفا يقوم على “التنمية بالشراكة”، وليس “التنمية بالنيابة”.
وهناك فرصة أخرى لا تقل أهمية، وهي ربط العلمين بالاقتصاد الأزرق.
فالساحل الشمالي المصري ليس مجرد شريط سياحي، والبحر المتوسط ليس مجرد واجهة جغرافية، وإنما يمكن أن يكون جزءا من شبكة اقتصادية تربط الموانئ والتجارة والسياحة والخدمات البحرية والطاقة والصناعات اللوجستية.
وفي المقابل تمتلك إفريقيا أكثر من 30 ألف كيلومتر من السواحل، وتطل على محيطات وبحار تمثل شرايين رئيسية للتجارة العالمية.
ومن ثم فإن التعاون المصري الإفريقي في الموانئ والخدمات اللوجستية والنقل البحري وسلاسل الإمداد يمكن أن يتحول إلى قطاع استراتيجي كامل.
وإذا أضفنا إلى ذلك التحول الرقمي، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحا.
إفريقيا قارة شابة، ونسبة كبيرة من سكانها دون سن الثلاثين، وهي ميزة ضخمة في الاقتصاد الرقمي. ولذلك فإن مستقبل العلاقة المصرية الإفريقية لن يصنعه فقط الحديد والأسمنت والطاقة، وإنما سيصنعه أيضا البرمجيات والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والصحة الرقمية والتعليم عن بعد والخدمات العابرة للحدود.
وهنا تحتاج مصر إلى أن ترى إفريقيا باعتبارها سوقا للخدمات المصرية بقدر ما هي سوق للسلع.
فالجامعة المصرية يمكن أن تكون جسرا إفريقيا، وشركات البرمجيات المصرية يمكن أن تكون جزءا من التحول الرقمي الإفريقي، وشركات الدواء يمكن أن تصبح لاعبا في الأمن الصحي للقارة، والشركات الزراعية يمكن أن تساهم في الأمن الغذائي، والشركات الهندسية يمكن أن تدخل في مشروعات الطاقة والنقل.
وهكذا تصبح إفريقيا بالنسبة لمصر امتدادا اقتصاديا، لا مجرد ملف دبلوماسي، ولعل أهم ما ينبغي أن ينتج عن منتدى العلمين هو بناء أجندة إفريقية اقتصادية مصرية تمتد إلى ما بعد المنتدى نفسه، وتحدد قطاعات واضحة وأهدافا قابلة للقياس.
أجندة تبدأ من التجارة، ولا تنتهي عند الاستثمار، وتبدأ من البنية الأساسية، ولا تتوقف عند الإنشاء، وتربط الطاقة بالصناعة، والصناعة بالتجارة، والتجارة بالنقل، والنقل بالتمويل، والتمويل بالمعلومات، والمعلومات بالقرار الاستثماري.
هذه هي السلسلة التي تحتاجها إفريقيا، وهذه أيضا هي السلسلة التي تستطيع مصر أن تكون إحدى حلقاتها الرئيسية، بعد أن كان البحر المتوسط شاهدا على حروب كبرى، وكانت الصحراء الغربية مسرحا لصراع دولي، ودفنت الحرب تحت رمالها ملايين الألغام، لكن الزمن الأن تغير، وتحولت الجغرافيا نفسها من عبء إلى ميزة، وهنا تكمن الرسالة الأعمق للعلمين،وهي أن التاريخ لا يفرض على الدول أن تبقى أسيرة لما حدث فيها، والأرض التي زرعت فيها الألغام يمكن أن تصبح أرضا للاستثمار، والمدينة التي ارتبط اسمها بالمعركة يمكن أن يرتبط اسمها بالاقتصاد، والمكان الذي شهد صراعا دوليا يمكن أن يتحول إلى مساحة للحوار والتعاون والشراكة.
وهذه ليست مجرد قصة مصرية، وإنما فكرة إفريقية في جوهرها.
قارة عانت طويلا من الحروب والنزاعات والاستغلال، لكنها تمتلك اليوم فرصة تاريخية لكي تعيد تعريف موقعها في الاقتصاد العالمي.
ولذلك فإن مصر عندما تستضيف العالم وإفريقيا في العلمين لا ينبغي أن تقدم مدينة جميلة فقط، وإنما تقدم تجربة كاملة: كيف تتحول الأرض من منطقة محظورة إلى منطقة إنتاج، وكيف يتحول الأمن إلى تنمية، وكيف تتحول البنية الأساسية إلى استثمار، وكيف يتحول الموقع الجغرافي إلى نفوذ اقتصادي، وكيف يمكن للدولة أن تستعيد أرضا من الماضي لكي تبني بها المستقبل.
من هنا، فإن منتدى العلمين أفريقيا 2026 يمكن أن يكون أكثر من مناسبة اقتصادية.
يمكن أن يكون نقطة انطلاق لمفهوم جديد للدور المصري في إفريقيا، يقوم على الانتقال من الدبلوماسية السياسية إلى الدبلوماسية الاقتصادية، ومن التمثيل إلى التأثير، ومن العلاقات الثنائية المتفرقة إلى شبكات المصالح، ومن التصدير إلى الاستثمار، ومن الاستثمار إلى التصنيع، ومن التصنيع إلى سلاسل القيمة الإفريقية.
وإذا نجحت مصر في ذلك، فإن العلمين لن تكون فقط مدينة على المتوسط تستضيف منتدى عن إفريقيا.
ستكون رمزا لفكرة أكبر بكثير:
أن الأرض التي كانت يوما مقبرة للألغام يمكن أن تصبح منصة للأفكار، وأن المكان الذي توقفت فيه الجيوش يمكن أن تبدأ فيه الشراكات، وأن إفريقيا التي كانت في الماضي ساحة للتنافس بين الآخرين تستطيع أن تصبح في المستقبل طرفا فاعلا في صناعة الاقتصاد العالمي.
العلمين كانت ذات يوم عنوانا لمعركة على أرض مصر.
أما اليوم، فالمعركة الحقيقية ليست عسكرية.
إنها معركة التنمية، والاستثمار، والتكنولوجيا، والتصنيع، والتجارة، والقدرة على تحويل الموارد إلى قيمة، وتحويل الموقع إلى نفوذ، وتحويل الفرص إلى نتائج.
وفي هذه المعركة، لا تحتاج مصر إلى أن تختار بين إفريقيا والعالم، لأن موقعها الحقيقي يسمح لها بأن تكون جسرا بينهما.
وهذا تحديدا هو ما يجب أن نذهب به إلى العلمين في أكتوبر المقبل.
ليس فقط لنقول إن مصر نجحت في إزالة الألغام.
بل لنقول إن مصر نجحت في إزالة الحاجز النفسي والسياسي والاقتصادي بين الماضي والمستقبل.
وأن العلمين التي كانت يوما أرضا للحرب أصبحت اليوم أرضا للحوار والاستثمار والتنمية.
ومن أرض المعركة إلى منصة الاقتصاد، تبدأ قصة أخرى للعلمين.
وربما تكون هذه المرة معركة تستحق أن نخوضها جميعا: معركة أن تصبح إفريقيا شريكا حقيقيا في صناعة القرن الحادي والعشرين.

طالع أيضا :



