السفير دكتور محمد حجازي يكتب : من “إرث الوصاية” إلى “رافعة العقوبات”.. في تفعيل الذاكرة المؤسسية للأمم المتحدة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي

حين يسحق الفيتو في مجلس الأمن كل بارقة أمل في العدالة، يتحول النظر نحو الآلات القديمة القابعة في زوايا النظام الدولي بحثاً عن نقطة ارتكاز جديدة، ونظام” الوصاية الدولي “، هو هذه الآلة القانونية المنسية التي تستحق إعادة اكتشافها، خصوصاً بعد أن أضاف الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في يوليو 2024 طبقة قانونية بالغة الأهمية حين اعتبر الاحتلال الإسرائيلي شكلاً من أشكال ” التمييز العنصري” وممارسة للأبارتهايد، وهو توصيف يفتح الباب أمام تفعيل آليات أممية جاهزة ظلت معطلة لعقود.
صاغ الفصل الثاني عشر من ميثاق الأمم المتحدة عام 1945 نظام الوصاية الدولي لتمكين الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي من السير تحت إشراف دولي نحو الاستقلال التدريجي، وقد أشرف على إحدى عشرة منطقة آخرها (بالاو )التي نالت استقلالها عام 1994 فدخل بعدها مجلس الوصاية في سبات فعلي، لكن السبات ليس موتاً، إذ ما تزال المادة السابعة والثمانون تمنح المجلس صلاحية تلقي العرائض وفحصها وتنظيم بعثات التفتيش الدورية، بل إن الميثاق يلزمه بوضع استمارات تفصيلية لقياس التقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي لسكان كل إقليم مشمول بالوصاية، والأراضي الفلسطينية منذ 1967 تعيش تحت احتلال يخنق حقوق سكانها بشكل منهجي، وقد أكدت محكمة العدل الدولية أن هذا الاحتلال هو أبارتهيد ببنيته التمييزية و يشكل انتهاكاً صارخاً لحظر التمييز العنصري، وهي أوصاف تلتقي مع ما كانت تستهدفه الوصاية حين صيغت، وإعادة إدراج القضية الفلسطينية في إطارها يمكن أن يفعّل منظومة جاهزة من الرقابة والتقارير والمساءلة، خاصة أن المحكمة خلصت إلى أن جميع الدول ملزمة بعدم الاعتراف بشرعية الوضع الناتج عن الاحتلال وبعدم تقديم العون لاستمراره.
المشكلة أن الوصاية تستهدف “أقاليم” لا “أراضي محتلة”، وتشغيلها يحتاج موافقة “السلطة القائمة بالإدارة”، وإسرائيل لن ترضى طوعاً بهذا الدور، لكن الآليات القانونية قادرة على العمل بغياب الموافقة كأداة ضغط معيارية، إذ تستطيع الجمعية العامة إعلان أن الأراضي الفلسطينية تعيش في “فراغ وصاية دولي فعلي” وتطالب مجلس الوصاية باستئناف النظر في شؤونها، والقيمة العملية لذلك لا تكمن في أن المجلس سيدير فلسطين فعلاً، بل في أنها توفر مرساة مؤسسية شرعية تُستند إليها عقوبات لاحقة، فسردية الوصاية تحمل التزاماً على السلطة القائمة بالإدارة بتعزيز تقدم السكان، وحين يوضع هذا الالتزام في مواجهة الممارسة الإسرائيلية كما وصفها الرأي الاستشاري يتحول إلى تهمة قانونية فتاكة.
وإذا كان مسار إحياء الوصاية بطيئاً، فإن المسار الأكثر مباشرة هو التوصيف بجريمة الفصل العنصري، وهذا بالضبط ما فعله الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في يوليو ٢٠٢٤ ، حين اعتبر أن الاحتلال بسياساته التشريعية والإدارية والعسكرية القائمة على التمييز المنهجي يشكل ممارسة للأبارتهايد المحظور بموجب الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري، والمصطلح ليس مجازاً بل يحمل مضموناً قانونياً دقيقاً، ومتى تأكد هذا التوصيف في أعلى هيئة قضائية دولية يصبح في متناول اليد نموذج جاهز هو “اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصري” التي أُنشئت في سبعينيات القرن الماضي لمعاقبة نظام جنوب أفريقيا وما رافقها من حظر أسلحة وعقوبات اقتصادية وعزلة سياسية، وإعادة تشغيل هذا القالب أسهل تقنياً لأن اللجنة وُلدت أصلاً لهذا الغرض ولا تحتاج إلى إثبات “لماذا يجوز تطبيقها” بل يكفي إثبات “لماذا لا يجوز تطبيقها” على الحالة الفلسطينية، واشير هنا ان الزعيم مانديلا ذكر ان منظومة العقوبات الدولية هي التي ركعت نظام الأبارتهيد في جنوب افريقيا.
لكن كلا المسارين يصطدم بحق النقض في مجلس الأمن، فقد استخدمت الولايات المتحدة الفيتو عشرات المرات لحماية إسرائيل، غير أن الطريق ليس مسدوداً تماماً، فالمادة الرابعة عشرة من الميثاق تمنح الجمعية العامة صلاحية التوصية بتسوية سلمية لأي وضع يهدد السلم الدولي، كما أرست سابقة “الاتحاد من أجل السلم” عام 1950 إمكانية تولي الجمعية العامة قضايا السلم والأمن حين يتعطل مجلس الأمن، وهذا يعني أن الجمعية العامة تستطيع عبر قرارات غير ملزمة صناعة إجماع دولي ضاغط يلصق وسم وجريمة الأبارتهايد بإسرائيل مستنداً إلى السند القضائي لحكم محكمة العدل الدولية يوليو ٢٠٢٤، ويدفع الدول نحو عقوبات طوعية تشمل قيوداً تجارية وسحب استثمارات ومقاطعة أكاديمية وثقافية، وعلي مستوي الدول والمدن والبلديات والموانئ والمطارات.
وتنعقد الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة الحالية في سبتمبر الجاري 2026 تحت شعار “إعادة بناء الثقة، وإدارة التحولات: أمم متحدة تخدم الجميع”، وهذا الشعار يحمل مفارقة قاسية، فحين يضطر الرئيس الفلسطيني للعام الثاني على التوالي إلى مخاطبة الجمعية عبر الفيديو بسبب رفض الولايات المتحدة منحه تأشيرة، يظهر عجز الثقة في أقصى تجلياته، فالدولة المضيفة تستغل سلطة التأشيرات، لعرقلة ممثل دولة عضو في انتهاك لاتفاقية المقر، ورد الجمعية بقرار يسمح بخطاب مسجل هو حل تقني يكشف العجز أمام القوة، وفي هذا السياق يجب أن تُطرح آلية الوصاية أو عقوبات الفصل العنصري بوضوح في المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين، فلا يجوز أن تظل القضية الفلسطينية محصورة في خانة “الأزمة الإنسانية” بل يجب إعادة تأطيرها كمسألة “غياب مؤسسي للمساءلة” تستند إلى الرأي الاستشاري للمحكمة، ويجب أن يتحول سبات مجلس الوصاية وذاكرة لجنة مناهضة الفصل العنصري إلى بند رسمي على جدول الأعمال.
وفي المحصلة فإن تحرير فلسطين لا يتحقق بمجرد إعادة تشغيل الية قديمة، فالوصاية و عقوبات الفصل العنصري لا ينتجان الإرادة السياسية، بل يقدمان أدوات لها حين توجد تلك الارادة ، لكن قيمتها أن مساراً قانونياً له سند مؤسسي وسوابق قابلة للاستدعاء يستطيع أن يمضي أبعد من الإعلانات السياسية المجردة، وقد قدم الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في يوليو 2024 هذا السند النادر حين وصف الاحتلال بأنه تمييز عنصري وأبارتهايد، وشعار الدورة الحادية والثمانين “إعادة بناء الثقة” إذا لم يترجم في قضية فلسطين إلى خطوة مؤسسية ملموسة، سواء بإعادة طرح الوصاية أو بإحياء نسخة محدثة من لجنة مناهضة الفصل العنصري والقائمة لازالت ضمن هياكل الامم المتحدة ومؤسساتها ، فسيظل شعارا او عبارة أنيقة تعلق على مبني الامم المتحدة ، والتاريخ يثبت أن العبارات الأنيقة لا تجعل المحتل يدفع الثمن، بل بالعزيمة والإرادة واعلاء المبادئ والشجاعة ، ومن هنا نصنع الفارق.
طالع أيضا :




