مؤتمر الألكسو و “الطفولة الفلسطينية في ظل الاحتلال”.. بين التشخيص والوعود وتفعيل القرارات
الأمين العام للألكسو : الطفل الفلسطيني ليس مجرد رقم و حان الوقت للانتقال من الإدانة والتشخيص إلى تفعيل القرارات

وزيرالتعليم العالي الفلسطيني : الطفل الفلسطيني يدفع ثمنا باهظا من طفولته ومستقبله
تونس اسيا العتروس
أكد المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) محمد ولد أعمر أن الطفولة الفلسطينية ليست أرقاما وإحصاءات فحسب، بل حديث عن أطفال لهم أسماء وأحلام وطموحات، وعن أجيال من حقها أن تنشأ في بيئة آمنة، وأن تتعلم في مدارسها، وتقرأ كتبها، وتمارس ثقافتها، وتبني مستقبلها بعيدًا عن الخوف والعنف والحرمان”.
كان هذا تصريح الأمين العام لمنظمة التربية والعلوم والثقافة “الالكسو” في المؤتمر المنعقد بتونس على مدى يومين والذي شكل مناسبة لطرح واحدة من القضايا المصيرية المتعلقة بواقع الطفولة الفلسطينية تحت الاحتلال , طفولة مانت ولا تزال تتعرض لكل الاشكال الابادة الممنهجة من الاستهداف والقتل والأسر والتجويع بهدف القضاء على جيل المستقبل الذي يفترض أن يتحمل يوما مسؤولية حفظ القضية الفلسطينية و مواصلة معركة الحرية والسيادة …كثيرة إذن هي نقاط الاستفهام التي أثارها المؤتمر حول حاضر و مستقبل الطفولة الفلسطينية و حقها في الحياة وفي أن تحيا و تتمع بطفولتها والكرامة وصولا الى حقها في الصحة والتعليم
تحت شعار”الطفولة الفلسطينية في ظل الاحتلال الإسرائيلي: رصد الانتهاكات التعليمية والثقافية وتعزيز آليات الحماية والصمود” احتضن مقرالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم “ألكسو” على مدى يومين (14 و 15 سبتمبر الجاري ) المؤتمر الافتتاحي الخاص بالطفولة الفلسطينية بالشراكة مع اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم، وسفارة دولة فلسطين بتونس , بمشاركة خبراء ومسؤولين ومختصين وباحثين من فلسطين ومن دول عربية.
وتعددت المداخلات من “الأطفال الأسرى في منظومة الإحتلال الواقع السياسي القانوني ودور الإعلام” إلى موضوع “الأسر والتعليم و التحديات التربوية للأطفال المعتقلين” مرورا بـ “مسألة الهوية والذاكرة الثقافية في تجربة الأطفال الفلسطينيين الأسرى” إلى “الثقافة والفن بوصفها أداة للصمود و حماية الهوية و الذاكرة لدى الاطفال”وصولا الى قضية “الطفولة الصامتة الصدمة النفسية ومسارات التعليم ” الى “اليات التدخل و مسارات التعافي “.
و قد تنوعت المداخلات والشهادات حول واقع الطفولة الفلسطينية تحت الإحتلال , طفولة وجب الاعتراف أنها مغتصبة في كل مراحلها بين أطفال يعانون مخاطر القصف والقتل اليومي والتجويع و التشرد و اليتم و الضياع والأسر والبتر والحرمان من أبسط احتياجات الطفولة وهو الحق في الحياة.
وقد تخلل المؤتمر عرض شريط وثائقي حول واقع الاطفال الاسرى وما يتعرضون له من اعتداءات و فظاعات جسدية ونفسية خلال التحقيقات في مراكز الاعتقال الإسرائيلي , و سجل المؤتمر في اختتام أشغاله صدور توصيات نداء الألكسو لإنقاذ الطفولة الفلسطينية والتي سنتوقف عندها لاحقا بالنظر إلى أن أكبر وأهم التحديات يتعلق بالدفع إلى تفعيل هذه التوصيات على أرض الواقع لضمان حق الطفولة الفلسطينية المشروع الذي أقرته كل القوانين الدولية والانسانية ذلك أن من الأهداف المعلنة لهذا المؤتمر بحث آثار الاعتقال والنزوح والعنف على مسيرة الطفل الفلسطيني التعليمية ونموه النفسي والاجتماعي، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الفلسطينية والعربية والدولية، وتبادل الخبرات والشهادات، والخروج بآليات عملية لتعزيز الحماية والصمود واستمرارية التعليم.و هذا ما يظل في الواقع محل اختبار مصيري لارادة الدول المعنية و قدرتها على مواجهة بشاعة الاحتلال و استعادة المبادرة في الانتصار للطفولة الفلسطينية المهددة في وجودها وهويتها وهي التي تظل عنوان مستقبل فلسطين ..
الطفولة الفلسطينية ليست أرقاما
وبالعودة إلى فعاليات الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم “الألكسو” فقد أكد الأمين العام محمد ولد أعمر “أن الطفولة الفلسطينية ليست أرقاما وإحصاءات فحسب، بل حديث عن أطفال لهم أسماء وأحلام وطموحات، وعن أجيال من حقها أن تنشأ في بيئة آمنة، وأن تتعلم في مدارسها، وتقرأ كتبها، وتمارس ثقافتها، وتبني مستقبلها بعيدًا عن الخوف والعنف والحرمان”.
وأشار إلى أن الأحداث التي شهدتها الأراضي الفلسطينية، ولا سيما قطاع غزة، ألحقت أضرارًا بالغة بالمنظومتين التعليمية والثقافية، وطالت آثارها الأطفال والمدارس والمؤسسات التعليمية والثقافية، الأمرالذي يضع المجتمع العربي والدولي أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية وقانونية كبيرة، تقتضي حماية الأطفال وضمان حقهم في التعليم، وصون هويتهم وذاكرتهم الثقافية.
وشدد على أن الألكسو تتطلع إلى أن تسهم جلسات المؤتمر ونقاشاته في بلورة توصيات عملية قابلة للتنفيذ، من شأنها تعزيز التنسيق بين المؤسسات العربية والدولية المعنية، ودعم الجهود الرامية إلى ضمان استمرارية العملية التعليمية في الظروف الاستثنائية، وتوفير الدعم النفسي والتربوي للأطفال، وحماية التراث والهوية الثقافية الفلسطينية، ووضع قضيتي التعليم والثقافة في فلسطين في صدارة أولويات العمل العربي والدولي , وخلص الى أن ” حماية حق الطفل الفلسطيني في التعليم والثقافة تمثل جزءا أصيلا من رسالة “الألكسو ومسؤولياتها”, ودعا ولد أعمر إلى الانتقال من رصد الانتهاكات إلى بناء آليات عملية للحماية والاستجابة وتعزيز التنسيق العربي والدولي.
ومن جانبه شدد جهاد رمضان الأمين العام للجنة الوطنية الفلسطينية على أهمية انعقاد المؤتمر في تونس، باعتباره فرصة لتجديد التضامن العربي مع فلسطين والوقوف على التحديات التي تواجه الأجيال الفلسطينية، مشددا على أن القضية الفلسطينية هي كذلك معركة على الوعي والذاكرة والهوية الوطنية، وأن المدرسة والجامعة والمركز الثقافي تمثل ركائز أساسية لحماية الوعي الفلسطيني.
ودعا رمضان إلى الانتقال من الإدانة إلى الفعل، ومن تشخيص الواقع إلى صياغة أدوات حماية واستراتيجيات مستدامة تضمن استمرارية التعليم، والتمكين النفسي والاجتماعي للأطفال، وحماية الهوية والثقافة والذاكرة الفلسطينية، وتعزيز المناصرة والتوثيق الحقوقي، كما دعا “الألكسو” إلى تبني مقترح دولة فلسطين بشأن اعتماد الخامس من أفريل الذي يصادف اليوم الوطني للطفل الفلسطيني، يوما للطفولة الفلسطينية لدى المنظمة.
بدوره أكد أمجد برهم وزير التربية والتعليم العالي الفلسطيني على “أن معاناة الأطفال الفلسطينيين تتجاوز الفاقد التعليمي إلى آثار نفسية وإنسانية واجتماعية ممتدة، مشيرا إلى حجم الدمارالذي طال المؤسسات التعليمية في قطاع غزة والاعتداءات التي تواجه العملية التعليمية في القدس، ومشددا على أن التعليم بالنسبة للطفل الفلسطيني حق وأمل ومستقبل، وأن استهداف المدارس لن يكون إلا دافعا لمواصلة العمل وتمكين الطلبة من حقهم في التعليم، داعيا المؤسسات الدولية إلى تحمل مسؤولياتها في حماية الأطفال وحقهم في الحياة والتعليم.
كما شدد مصطفى على “أن الطفل الفلسطيني يدفع ثمنا باهظا من طفولته وأمانه وتعليمه وذاكرته ومستقبله، مؤكدا أن حماية الأطفال الفلسطينيين من الاعتقال والانتهاكات المرتبطة به تمثل أولوية قانونية وإنسانية، إلى جانب حماية حقهم في التعليم وإعادة بناء المؤسسات التعليمية وصون الثقافة والذاكرة الوطنية”...
في استهداف الطفولة استهداف لمستقبل الشعب الفلسطيني
ومن جهته، أكد السفير الفلسطيني بتونس رامي القدومي أن استهداف التعليم يطال مستقبل الشعب الفلسطيني، مشيرا إلى الخسائر البشرية والتعليمية والآثار النفسية العميقة التي خلفتها الحرب على أطفال قطاع غزة، وما يواجهه أطفال الضفة الغربية والقدس من قيود واعتداءات واعتقالات، مشددا على أن حماية التعليم تبدأ بحماية الأطفال والمعلمين والمدارس، وضمان استمرارية التعلم والدعم النفسي والاجتماعي.
وأكدت رنا طه المنسقة الأممية أن التعليم في أوقات الأزمات حق أساسي وأداة للحماية والتعافي والصمود، داعية إلى ضمان استمرارية التعلم وحماية الأطفال والمعلمين والمؤسسات التعليمية، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي والمساحات الآمنة للأطفال، إلى جانب حماية المؤسسات الثقافية وصون التراث والذاكرة باعتبار الثقافة جزءا أساسيا من هوية الطفل الفلسطيني وقدرته على التعافي والصمود.
كما تم خلال المؤتمر تقديم عدد من المداخلات و بينها ورقة للكاتبة أحلام بشارات بعنوان “من الخيمة إلى البيت إلى المسرح”، وورقة أيوب عليان حول “التعليم في سياق الاعتقال: الانقطاع الدراسي، الفاقد التعليمي وآليات الاستدراك”، وقدم ثائر شريتح من هيئة شؤون الأسرى والمحررين ورقة حول “التوثيق والحماية وبناء الرواية: الأسرى الأطفال (القصر) داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية”، إلى جانب ورقة جميل سعادة حول “الأطفال الأسرى في القانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل وتطور سياسة اعتقال الأطفال الفلسطينيين”، وورقة الآثار النفسية والعصبية والاجتماعية لدى أطفال فلسطين الناجمة عن ممارسات الاحتلال والصدمات المركبة قدمها د خضر رصرص…
والله نستطيع walah we can
خلال المؤتمر سجلت منظمة “والله نستطيع walah we can “ التونسية مفاجأة محملة برسائل الأمل لدور المجتمع المدني في دعم المؤسسات التربوية , فهذه المنظمة التونسية جعلت من مساعدة المدارس والتلاميذ هدفا لها باعادة الترميم و الاصلاح عبر اكتراء مساحات فلاحية قريبة تكون عائداتها للعائلات المحتاجة تجاوزت الحدود التونسية و أمتدت مساعداتها الى لبنان والى الضفة الغربية و تحديدا مدينة الخليل حيث تمكنت من اعادة ترميم و تجهيز مدرستين وهي بصدد اعادة بناء وترميم إحدى المدارس في غزة بعد أن أخذت على عاتقها المساهمة في حماية حق اطفال غزة في التعليم ..
نداء الألكسو
و قد اختتمت أعمال المؤتمر بنداء الألكسو بشأن الطفولة الفلسطينية، بوصفه إطارا للتعاون والعمل المشترك في حماية حقوق الأطفال الفلسطينيين وتعزيز صمودهم وضمان حقهم في التعليم والثقافة والرعاية.
وتضمن النداء توصيات حول دعم استمرارية التعليم في حالات الطوارئ، ووضع أطر للتعلم البديل ومعالجة الفاقد التعليمي، وتدريب المعلمين على التعليم في الأزمات والدعم النفسي والاجتماعي، وتطوير آليات لإعادة إدماج الأطفال العائدين من الاعتقال في العملية التعليمية، وتعزيز برامج الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال وأسرهم.
كما دعا إلى حماية الحقوق الثقافية للطفل الفلسطيني وصون هويته وذاكرته وتراثه ولغته، ودعم البرامج الثقافية والفنية والمساحات الآمنة والمحتوى الثقافي، وتعزيز الرصد والتوثيق وإنتاج المعرفة حول آثار الاحتلال والأزمات على الأطفال، ومساندة جهود حماية وإعادة تأهيل المؤسسات التعليمية والثقافية المتضررة.
كما دعا نداء الألكسو الدول العربية والمؤسسات التربوية والثقافية والعلمية والمنظمات العربية والإقليمية والدولية والمؤسسات المانحة والشركاء المعنيين، ، إلى مواصلة جهود حماية الطفل الفلسطيني وضمان حقه في التعليم والثقافة والحياة الكريمة، وتحويل التوصيات إلى برامج ومبادرات عملية قابلة للمتابعة...
ماذا بعد مؤتمرالالكسو؟
كيرة هي نقاط الاستفهام التي تبقى عالقة بعد أن أختتم مؤتمر الألكسو حول الطفولة المغتصة في فلسطين المحتلة من الضفة الى غزة و ما تستوجبه من إرادة سياسية لرفع قيود الإحتلال عن الشعب الفلسطيني المستهدف في وجوده و هويته وحاضره ومستقبله , و سيكون من المهم أن تدفع منظمة الألكسو بكل مؤسساتها الى تفعيل قراراتها على أرض الواقع و التعجيل بتعزيز حضورها في المشهد الفلسطيني بعد ثلاث سنوات من الإبادة الاسرائيلية المستمرة وقتل أكثر من 20 ألف طفل فلسطيني دون اعتبار للمفقودين والأيتام و المشردين والأسرى ومبتوري الأطراف وأصحاب الاعاقات و النفوس الجريحة. وسيكون من المهم الاستثمار في التحولات المسجلة لدى الرأي العام الدولي و الغضب الشعبي المتفاقم في العالم إلى جانب الصحوة المسجلة في عديد الاوساط السياسية والبرلمانية والأكاديمية والاعلامية في الدول الأكثر دعما للكيان بعد فضح صورته المتوحشة و تواتر الشهادات من داخل كيان الإحتلال حول دور جيش الكيان في جرائم الإبادة لاسيما بعد فيلم “نازا ” الذي فضح الجنود الإسرائيليين أن تستعيد الألكسو و غيرها من المنظمات العربية زمام المبادرة وضم جهودها الى جانب جهود الدول المطالبة بفرض عقوبات على كيان الاحتلال لإنهاء الظلم المسلط على الشعب الفلسطيني والذي طال أمده و سيكون من المهم أيضا أن يكون للألكسو حملة إعلامية منظمة تتجند لها وسائل الإعلام العربي لتوسيع دائرة التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني مع افتتاح الدورة السنوية الراهنة للأمم المتحدة ..وعدا ذلك ستبقى كل البيانات و التوصيات مجرد حبر على الورق .

- اسيا العتروس .. كاتبة وصحفية تونسية .
