السفير دكتور محمد حجازي يكتب : الحبيب بورقيبة.. القاهرة في طريق تونس إلى الاستقلال

في سجل حركات التحرر الإفريقية، تحتل تونس مكانة خاصة، ليس فقط لأنها كانت من الدول التي خاضت نضالًا طويلًا ضد الاستعمار الفرنسي، وإنما لأن الحركة الوطنية التونسية نجحت في تحويل قضية الاستقلال من قضية داخلية إلى قضية عربية ودولية , وفي قلب هذه المسيرة يبرز اسم الحبيب بورقيبة، أحد أبرز قادة حركة التحرر الوطني في المغرب العربي، والرجل الذي ارتبط اسمه باستقلال تونس وبناء دولتها الحديثة.
لكن قصة بورقيبة لا يمكن قراءتها بعيدًا عن القاهرة.
ففي السنوات التي سبقت استقلال تونس، أصبحت القاهرة واحدة من أهم مراكز الحركة الوطنية التونسية في الخارج، ومنصة سياسية وإعلامية ودبلوماسية لشرح القضية التونسية وحشد الدعم العربي لها.
من تونس إلى القاهرة
ولد الحبيب بورقيبة في المنستير عام 1903، ودرس في تونس ثم في فرنسا، قبل أن يعود إلى بلاده وينخرط في الحركة الوطنية , وفي عام 1934 شارك في تأسيس الحزب الحر الدستوري الجديد، الذي أصبح القوة الرئيسية في قيادة النضال الوطني التونسي , واجه بورقيبة الاعتقال والنفي والملاحقة من السلطات الفرنسية، لكنه أدرك أن معركة الاستقلال لا يمكن أن تعتمد على المقاومة الداخلية وحدها.
كان لا بد من نقل القضية إلى الخارج، وإلى العالم العربي على وجه الخصوص.
وهنا جاءت القاهرة.
بعد تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، أصبحت العاصمة المصرية مركزًا طبيعيًا للتواصل بين الحركات الوطنية العربية والمغاربية.
وفي القاهرة وجد بورقيبة وحركته مساحة سياسية وإعلامية واسعة للتحرك، وبدأت القضية التونسية تحظى باهتمام عربي متزايد.
القاهرة ومنبر القضية التونسية
لم يكن وجود بورقيبة في القاهرة مجرد إقامة سياسية , فقد عملت العناصر الوطنية التونسية من العاصمة المصرية على التعريف بالقضية التونسية، والتواصل مع جامعة الدول العربية، والصحافة، والشخصيات السياسية العربية.
وأصبح المكتب الذي مثّل الحركة الوطنية التونسية في القاهرة إحدى أدوات تدويل القضية.
ومن خلال القاهرة استطاع الوطنيون التونسيون مخاطبة الرأي العام العربي، وشرح طبيعة نظام الحماية الفرنسية، والتأكيد على حق الشعب التونسي في تقرير مصيره.
وهكذا تحولت القاهرة إلى إحدى المحطات الرئيسية في استراتيجية بورقيبة السياسية.
بورقيبة والمغرب العربي
لم تكن القضية التونسية معزولة عن محيطها.
ففي تلك الفترة كانت شعوب المغرب العربي الثلاثة الكبرى — تونس والجزائر والمغرب — تخوض نضالات متزامنة ضد الاستعمار الفرنسي.
وكانت القاهرة إحدى أهم نقاط الالتقاء بين هذه الحركات.
وفي فبراير 1947 انعقد في القاهرة مؤتمر للحركات الوطنية في المغرب العربي، ثم تأسست لجنة تحرير المغرب العربي برئاسة الأمير عبد الكريم الخطابي، وأصبح الحبيب بورقيبة أمينًا لها.
كان ذلك تعبيرًا واضحًا عن إدراك قادة الحركة الوطنية أن المعركة ضد الاستعمار تتجاوز الحدود الوطنية.
لكن بورقيبة ظل، في الوقت نفسه، متمسكًا بأولوية القضية التونسية وبضرورة الوصول إلى الاستقلال عبر مسار سياسي ودبلوماسي منظم.
الاستقلال
بعد سنوات طويلة من النضال والمفاوضات والصراع السياسي، حصلت تونس على استقلالها في 20 مارس 1956.
وفي العام التالي، في 25 يوليو 1957، أُعلنت الجمهورية التونسية، وأصبح الحبيب بورقيبة أول رئيس لها.
وهكذا انتقل الرجل الذي خاض معركة التحرر الوطني إلى مهمة أصعب: بناء الدولة.
من التحرير إلى بناء الدولة
كان بورقيبة يرى أن الاستقلال السياسي لا يكتمل من دون بناء دولة حديثة.
لذلك ارتبط عهده بإعادة تنظيم مؤسسات الدولة، وتطوير التعليم، وتوسيع الخدمات الصحية، وبناء الإدارة الوطنية.
كما ارتبط اسمه بإصلاحات اجتماعية عميقة، كان من أبرزها إصدار مجلة الأحوال الشخصية عام 1956.
وبغض النظر عن تقييم التجربة السياسية لبورقيبة في مراحلها المختلفة، فإن مكانته في تاريخ تونس باعتباره قائد معركة الاستقلال وأول رئيس للجمهورية تظل راسخة.
القاهرة في ذاكرة الاستقلال التونسي
عندما نستعيد اليوم قصة بورقيبة، لا ينبغي أن نضع القاهرة في هامشها.
فالقاهرة وفرت للحركة الوطنية التونسية خلال مرحلة حاسمة مساحة للتحرك السياسي والإعلامي، وربطتها بالفضاء العربي، وساهمت في إبقاء القضية التونسية حاضرة في النقاش العربي والدولي.
ومن هنا فإن قصة بورقيبة هي، في الوقت نفسه، قصة تونسية وقصة من قصص التضامن العربي والإفريقي مع حركات التحرر.
خاتمة
الحبيب بورقيبة كان بطل استقلال تونس.
هذه هي النقطة المركزية في هذه الحلقة.
أما القاهرة فكانت إحدى أهم المحطات الخارجية في طريق ذلك الاستقلال، حيث احتضنت الحركة الوطنية التونسية، ووفرت لها منبرًا عربيًا، وربطتها بحركات التحرر في المغرب العربي.
وبذلك يصبح حضور بورقيبة في سلسلة «القاهرة عاصمة النضال الإفريقي» جزءًا من تاريخ أكبر: تاريخ مدينة تحولت في منتصف القرن العشرين إلى ملتقى للمناضلين الذين حملوا أحلام شعوبهم في الحرية والاستقلال .


طالع أيضا
السفير دكتور محمد حجازي يكتب : الملك محمد الخامس.. استقلال المغرب والقاهرة في قلب النضال الوطني




