أخبار عاجلةالرأي

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : قمة العلمين الاقتصادية… لماذا تحتاج أفريقيا إلى “دافوس” خاص بها؟

لم يعد قياس نجاح الدول في القرن الحادي والعشرين يرتبط فقط بما تمتلكه من موارد طبيعية أو قدرات عسكرية، وإنما أيضاً بقدرتها على إنشاء المنصات التي تصنع الأفكار، وتوجه الاستثمارات، وتبني الشراكات الدولية, فالمنتديات العالمية لم تعد مجرد لقاءات بروتوكولية، بل أصبحت مؤسسات مؤثرة في صناعة السياسات الاقتصادية وصياغة مستقبل العلاقات الدولية.

ولعل المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هو النموذج الأبرز لهذه الظاهرة، إذ تحول على مدى أكثر من خمسة عقود إلى منصة تجمع رؤساء الدول والحكومات، وقادة الشركات العالمية، والمؤسسات المالية، والأوساط الأكاديمية، لمناقشة مستقبل الاقتصاد العالمي والتكنولوجيا والطاقة والاستثمار , ولا تكمن أهمية دافوس في كونه مؤتمراً سنوياً، بل في كونه مؤسسة لإنتاج الأفكار، وإطلاق المبادرات، وبناء التوافقات الدولية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى منصة أفريقية مماثلة، تنطلق من أولويات القارة، وتعبر عن مصالحها، وتجمع الحكومات مع القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية وشركاء التنمية حول أجندة اقتصادية موحدة, فأفريقيا، التي تضم أكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة، وتمتلك أكبر احتياطيات العالم من المعادن الاستراتيجية، وأسرع معدلات النمو السكاني، وأوسع الفرص الاستثمارية، لا تزال تفتقر إلى منصة قارية جامعة للحوار الاقتصادي والاستثماري بهذا المستوى.

وتأتي النسخة الأولى من منتدى العلمين أفريقيا في توقيت بالغ الأهمية، ليس فقط لأنها تجمع القادة الأفارقة وصناع القرار والمستثمرين، ولكن لأنها تمثل فرصة لتأسيس تقليد مؤسسي جديد يجعل من مدينة العلمين الجديدة مركزاً دائماً للحوار الاقتصادي الأفريقي، تماماً كما أصبحت دافوس عنواناً للحوار الاقتصادي العالمي.

وليس اختيار العلمين الجديدة مجرد اختيار لموقع انعقاد المنتدى، بل يحمل دلالات استراتيجية عميقة. فالمدينة تمثل نموذجاً لمصر التي تبني المستقبل، وتستثمر في المدن الذكية، والبنية التحتية الحديثة، والتحول الرقمي، والاستدامة البيئية , وهي كذلك تعكس رؤية مصر لدورها بوصفها حلقة وصل بين أفريقيا وأوروبا والعالم العربي وآسيا، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وشبكة موانئها، وقناة السويس، واتفاقياتها التجارية مع مختلف التكتلات الاقتصادية.

لكن المنتدى، حتى يحقق طموحاته، يجب ألا يقتصر على تبادل الرؤى والخطابات، بل ينبغي أن يتحول إلى منصة لإطلاق المبادرات القارية، وحشد التمويل، ومتابعة التنفيذ , فالقيمة الحقيقية لأي منتدى دولي لا تقاس بعدد المشاركين، وإنما بما يخرج عنه من مشروعات وشراكات ومؤسسات قادرة على إحداث أثر ملموس في حياة الشعوب.

ومن هنا، فإن النسخة الأولى من المنتدى تمثل فرصة تاريخية أمام مصر لإطلاق حزمة من المبادرات الاستراتيجية التي تستجيب لأولويات التنمية الأفريقية، وتعكس الخبرات المصرية المتراكمة في مجالات الصحة، والزراعة، والبنية التحتية، والطاقة، والتحول الرقمي، والتعليم، والاستثمار, ويمكن أن تشمل هذه المبادرات إنشاء صندوق لتمويل الشركات المصرية العاملة في أفريقيا، وصندوقاً للمقايضة التجارية، وبورصة أفريقية للحوم والثروة الحيوانية في أسوان، ومنصة أفريقية للتدريب على الذكاء الاصطناعي، ومبادرات للصحة العامة ومكافحة الأمراض المتوطنة، وقناة فضائية أفريقية تبث من القاهرة، إلى جانب شراكات تنموية ثنائية مع الدول الأفريقية وفقاً لأولويات كل دولة.

إن نجاح منتدى العلمين لن يكون نجاحاً لمصر وحدها، بل سيكون نجاحاً للقارة بأكملها، لأنه يوفر إطاراً مؤسسياً يجمع الإرادة السياسية مع قوة القطاع الخاص، ويحول أجندة الاتحاد الأفريقي 2063 من وثيقة طموحة إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، ويمنح المستثمرين نافذة مستقرة للتعرف على الفرص المتاحة في القارة.

ولعل مصر، بما تمتلكه من رصيد تاريخي في دعم حركات التحرر الوطني، وما راكمته خلال العقد الأخير من خبرات تنموية في مجالات البنية الأساسية والطاقة والمدن الجديدة والتحول الرقمي والرعاية الصحية، مؤهلة لأن تقود هذا التحول، وأن تجعل من منتدى العلمين منصة أفريقية دائمة للحوار والعمل.

هذه هي الفكرة التي ننطلق منها في هذه السلسلة الأسبوعية “نحو العلمين”؛ ليس للاحتفاء بمنتدى جديد فحسب، وإنما للمساهمة في بلورة أجندة عملية تسبق انعقاده، وتطرح مبادرات قابلة للتنفيذ، وتفتح حواراً واسعاً حول مستقبل الشراكة المصرية الأفريقية , ففي عالم يتنافس على صناعة المستقبل، لا يكفي أن نشارك في المنتديات الدولية، بل يجب أن نبادر إلى إنشاء منصاتنا الخاصة، وأن نصوغ بأيدينا مستقبل قارتنا.

 

وفي الحلقة التالية، نتناول أولى المبادرات المقترحة: “الصندوق المصري لتمويل الشركات المصرية في أفريقيا”… كيف يصبح الاستثمار المصري قاطرة للتنمية والتكامل الاقتصادي في القارة؟

 

طالع أيضا :

مصر تستضيف منتدى العلمين أفريقيا في أكتوبر بمشاركة 1500 من القادة والمسؤولين والمستثمرين

زر الذهاب إلى الأعلى