أخبار عاجلةالرأي

عميد دكتور محمد حجاب يكتب: العلمين.. هل تتحول إفريقيا من التعاون السياسي إلى الشراكة الاقتصادية؟

تكتسب الاجتماعات الإفريقية التي تستضيفها مدينة العلمين الجديدة خلال الفترة من 2 إلى 4 أكتوبر 2026 أهمية تتجاوز كونها لقاءات دورية للقادة الأفارقة؛ إذ تجتمع في مكان واحد ثلاثة مسارات تبدو مترابطة بصورة متزايدة: السياسة، والتنمية، والاقتصاد. فبالتزامن مع انعقاد منتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال»، تستضيف مصر قمة الدول المؤسسة لوكالة الاتحاد الإفريقي للتنمية «أودا – نيباد»، إلى جانب الاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الإفريقي والتجمعات الاقتصادية الإقليمية. 

واللافت هنا أن حضور مجتمع الأعمال والمؤسسات المالية والاستثمارية إلى جانب القادة والمسؤولين الأفارقة يعكس إدراكًا متزايدًا بأن مشكلة إفريقيا لم تعد فقط في غياب الرؤية السياسية للتكامل، وإنما في القدرة على تحويل هذه الرؤية إلى مشروعات، واستثمارات، وسلاسل إنتاج، وأسواق عابرة للحدود.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تشهد إفريقيا بالفعل مرحلة من التكاتف والتبادل الاقتصادي، أم أن الأمر لا يزال في إطار المؤتمرات والاتفاقيات؟

الإجابة تحتاج إلى قدر من التمييز. فهناك بالفعل تحرك اقتصادي إفريقي متزايد، لكنه لم يصل بعد إلى مستوى التكامل الذي يمكن أن يجعل السوق الإفريقية قوة اقتصادية متماسكة.

وتكشف بيانات بنك التنمية الإفريقي عن مفارقة مهمة؛ ففي عام 2024 لم تتجاوز التجارة البينية الإفريقية نحو 13.2% من إجمالي تجارة السلع الإفريقية، بينما تصل النسبة في آسيا إلى نحو 38%. وهذا يعني أن معظم الدول الإفريقية لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة مع الأسواق خارج القارة، رغم وجود سوق قارية ضخمة تضم 54 دولة وأكثر من مليار نسمة. 

وهذه الحقيقة تكشف أن المشكلة الإفريقية ليست في حجم السوق، وإنما في ضعف الترابط بين مكوناتها، فالدول الإفريقية تمتلك موارد طبيعية هائلة، وقاعدة سكانية شابة، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، واحتياجات ضخمة في مجالات الطاقة والغذاء والبنية التحتية والتكنولوجيا والصحة والصناعة. ومع ذلك، لا تزال دول كثيرة تستورد من خارج القارة منتجات يمكن إنتاج جزء كبير منها داخل إفريقيا.

ومن هنا تأتي أهمية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية «AfCFTA». فنجاحها لا يتوقف على خفض الرسوم الجمركية فقط، وإنما يحتاج إلى إزالة الحواجز غير الجمركية، وتحسين الموانئ والطرق والسكك الحديدية، وربط شبكات الطاقة، وتسهيل المدفوعات، وتطوير التمويل التجاري، وإقامة سلاسل قيمة إفريقية مشتركة، وقد أكد بنك التنمية الإفريقي أن ضعف النقل واللوجستيات وتجزؤ الأسواق والسياسات التجارية ما زال من أبرز العوائق أمام التكامل. 

وفي هذا السياق، فإن منتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال» يمكن أن يمثل بعدًا مختلفًا عن الاجتماعات السياسية التقليدية، خصوصًا مع مشاركة نحو 1500 من رجال الأعمال والمستثمرين، واستهداف تعزيز الروابط المباشرة بين الشركات والأسواق والشراكات العابرة للحدود. 

مصر هنا تتحرك في مساحة تتقاطع فيها السياسة مع الاقتصاد. فالموقع الجغرافي لمصر يمنحها إمكانية الربط بين شمال القارة وشرقها، وبين إفريقيا والأسواق العربية والأوروبية، بينما تمنحها خبرة شركاتها في مشروعات البنية الأساسية والطاقة والنقل والإسكان فرصة للمشاركة في تنفيذ مشروعات التنمية الإفريقية.

وقد أكدت القاهرة خلال لقاءات سابقة مع بنك التنمية الإفريقي أهمية مشروعات البنية الأساسية العابرة للحدود باعتبارها أدوات لتعزيز التكامل الإقليمي، كما أشارت إلى استعداد الشركات المصرية للمشاركة في مشروعات التنمية بالقارة. 

لكن التحدي الحقيقي سيكون في تحويل العلاقات السياسية إلى مصالح اقتصادية متبادلة.

فالتكامل الإفريقي لن يتحقق بمجرد زيادة عدد الاتفاقيات، وإنما عندما يصبح من الطبيعي أن تنتقل السلع الإفريقية من دولة إلى أخرى بتكلفة وزمن منافسين، وأن تستثمر الشركات في دول إفريقية أخرى، وأن تنتقل رؤوس الأموال والعمالة والخدمات بصورة أكثر سهولة، وأن تتكامل الصناعات بدلًا من أن تعمل كل دولة بصورة منفردة.

وتكشف بيانات بنك التنمية الإفريقي عن عقبة أخرى شديدة الأهمية؛ إذ تراوح العجز في تمويل التجارة الإفريقية بين 74 و92 مليار دولار في عام 2024، بينما شكلت التجارة البينية الإفريقية 34% من التجارة التي توسطت فيها المصارف خلال الفترة 2020–2024. وهذا يعني أن هناك طلبًا حقيقيًا على التجارة داخل القارة، لكن التمويل والبنية المالية لا يزالان يقيدان نموها. 

ومن هنا نستطيع أن نقول إن إفريقيا تقف أمام فرصة تاريخية، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة التكامل الاقتصادي الكامل.

فالاقتصاد الإفريقي ينمو؛ إذ قدر بنك التنمية الإفريقي متوسط نمو الناتج المحلي للقارة بنحو 4.4% في 2025، مع توقع نمو يبلغ 4.2% في 2026. لكن استمرار النمو وحده لا يكفي، إذا لم يتحول إلى زيادة في الإنتاج الصناعي والتجارة البينية وسلاسل القيمة الإفريقية. 

ولذلك فإن اجتماعات العلمين يمكن النظر إليها باعتبارها اختبارًا عمليًا لمدى قدرة الدول الإفريقية على الانتقال من «التعاون» إلى «التكامل»، ومن العلاقات الثنائية المتفرقة إلى مشروعات إقليمية وقارية مترابطة.

والقضية الأساسية ليست أن تتبادل الدول الإفريقية المزيد من السلع فقط، وإنما أن تنتج معًا. فإذا تمكنت إفريقيا من ربط الزراعة بالصناعة، والطاقة بالنقل، والموانئ بالأسواق الداخلية، والتمويل بالإنتاج، والتكنولوجيا بالتجارة، فإنها لن تكون مجرد سوق كبيرة للآخرين، وإنما ستتحول تدريجيًا إلى مركز إنتاج واستثمار له وزن أكبر في الاقتصاد العالمي.

وهكذا، فإن العلمين لا تستضيف مجرد اجتماع إفريقي جديد، وإنما تأتي في لحظة تبحث فيها القارة عن صيغة اقتصادية أكثر استقلالًا وترابطًا. ويبقى معيار النجاح الحقيقي هو ما سيخرج من هذه الاجتماعات من مشروعات واتفاقيات استثمار وتمويل وممرات تجارية وسلاسل إنتاج، وليس عدد البيانات السياسية التي ستصدر عنها.

وفي تقديري أن السؤال الذي يجب أن يظل مطروحًا بعد انتهاء اجتماعات العلمين هو: هل تستطيع إفريقيا أن تجعل «التكامل الاقتصادي» واقعًا يوميًا للمواطن والشركة والمستثمر الإفريقي، أم سيظل مشروعًا سياسيًا مؤجلًا؟ .

 

طالع أيضاً 

مصر تدين الهجمات الإيرانية التي استهدفت عدداً من الدول العربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى