تقرير أمريكي ينتقد إخفاق إثيوبيا في مكافحة الاتجار بالبشر: تراجع التحقيقات وإدانات المتورطين واستمرار تجنيد الأطفال

وجّه تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2026 بشأن الاتجار بالأشخاص انتقادات مباشرة لأداء الحكومة الإثيوبية في مكافحة الاتجار بالبشر، مسلطًا الضوء على تراجع التحقيقات والملاحقات القضائية والإدانات، واستمرار أوجه القصور في حماية الضحايا في إثيوبيا ، فضلًا عن ورود تقارير موثوقة عن تجنيد قوات حكومية وجماعات مسلحة أطفالًا واستخدامهم في القتال والمهام المساندة.
وأبقى التقرير، الصادر ضمن التقييم السنوي الأمريكي لجهود مكافحة الاتجار بالبشر حول العالم، إثيوبيا ضمن الفئة الثانية (Tier 2)، موضحًا أن الحكومة لا تستوفي بالكامل الحد الأدنى من المعايير المطلوبة للقضاء على هذه الجرائم، رغم اتخاذها بعض الخطوات لتحسين أدائها. وأكد أن هذه الجهود لم تعالج عددًا من أوجه القصور الأساسية، وفي مقدمتها ضعف إنفاذ القانون، وعدم اتساق تطبيق آليات تحديد الضحايا وإحالتهم إلى خدمات الحماية، ومحدودية الرعاية المتاحة للشهود من ضحايا الاتجار بالبشر.
تراجع التحقيقات والملاحقات القضائية يثير انتقادات واشنطن
انتقد التقرير تراجع جهود إنفاذ القانون الإثيوبية خلال عام 2025، كاشفًا عن انخفاض ملحوظ في عدد التحقيقات والملاحقات القضائية والإدانات المتعلقة بجرائم الاتجار بالبشر مقارنة بعام 2024.
ووفقًا للبيانات التي أوردها التقرير نقلًا عن الحكومة الإثيوبية، أجرت السلطات 363 تحقيقًا في قضايا الاتجار بالبشر خلال عام 2025، مقابل 470 تحقيقًا في العام السابق، بما يمثل تراجعًا بنحو 23% , كما انخفض عدد الأشخاص الذين جرت ملاحقتهم قضائيًا إلى 417 شخصًا، مقارنة بـ697 شخصًا في عام 2024، بتراجع يقارب 40%. وسجلت المحاكم إدانة 191 متورطًا في جرائم الاتجار بالبشر، مقابل 340 إدانة في العام السابق، بانخفاض يبلغ نحو 44%.
واعتبر التقرير أن هذه الأرقام تعكس تراجعًا في جهود إنفاذ القانون، رغم استمرار خطورة الجرائم التي تستهدف الفئات الأكثر ضعفًا داخل إثيوبيا وخارجها , مشيرا إلى أن التحقيقات التي أجريت خلال عام 2025 شملت قضيتين تتعلقان بالاتجار بغرض الاستغلال الجنسي، و81 قضية مرتبطة بالعمل القسري، و280 قضية تتعلق بأشكال غير محددة من الاتجار بالبشر.
وفيما يتعلق بالملاحقات القضائية، أوضح التقرير أن القضايا شملت ثمانية أشخاص متهمين بالاتجار بغرض الاستغلال الجنسي، و99 شخصًا متهمين بالعمل القسري، و310 أشخاص في قضايا اتجار بأشكال غير محددة. أما الإدانات، فتوزعت بين حالة واحدة تتعلق بالاستغلال الجنسي، و102 حالة مرتبطة بالعمل القسري، و88 حالة من أشكال الاتجار غير المحددة.
ولم تقتصر الانتقادات الأمريكية على تراجع الأرقام، بل امتدت إلى طبيعة تعامل الحكومة الإثيوبية مع هذه الجرائم، إذ أشار التقرير إلى أن المسؤولين الإثيوبيين يخلطون في كثير من الأحيان بين الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، خصوصًا على المستويين الإقليمي والمحلي , معتبر أن هذا الخلط قد يؤدي إلى تصنيف جرائم لا تستوفي التعريف الدولي للاتجار بالبشر ضمن القضايا المعلنة، بما يعرقل تحديد الضحايا وملاحقة الجناة بصورة فعالة.
كما أشار التقرير إلى استمرار 56 تحقيقًا من فترات سابقة دون حسم، إلى جانب بقاء إجراءات ملاحقة 219 شخصًا من فترات سابقة قيد المتابعة، بما يسلط الضوء على تحديات استكمال الإجراءات القضائية وتحقيق المساءلة.
قصور حماية الضحايا يعرقل محاسبة المتورطين
ووجّه التقرير انتقادات إلى محدودية خدمات الحماية المقدمة للضحايا الذين يشاركون شهودًا في القضايا الجنائية، مؤكدًا أن عدم توافر الرعاية المناسبة يعرقل قدرة السلطات على التحقيق مع المتهمين وملاحقتهم قضائيًا , موضحا أن نقص خدمات الإيواء والدعم والرعاية المتخصصة قد يحول دون مشاركة الضحايا في الإجراءات القضائية، وهو ما يضعف فرص نجاح المحاكمات ويحد من قدرة الدولة على محاسبة المتورطين.
كما رصد التقرير تفاوتًا في تطبيق الآليات الوطنية لإحالة الضحايا إلى الخدمات بين الأقاليم الإثيوبية، رغم وجود إجراءات رسمية تهدف إلى تحديد الأشخاص المعرضين للاستغلال وتوجيههم إلى الجهات المعنية بالحماية , مشيرا إلى أن التطبيق العملي لهذه الآليات لا يزال متفاوتًا، مع استمرار نقص التمويل، وعدم وجود قاعدة بيانات مركزية لإدارة الحالات، وتفاوت قدرات العاملين المدربين، وضعف التنسيق بين السلطات الاتحادية والإقليمية.
ورغم إعلان الحكومة الإثيوبية تقديم خدمات إلى عشرات الآلاف من الضحايا المعروفين والمحتملين، أكد التقرير استمرار نقص أماكن الإيواء الملائمة، خاصة للأطفال وخارج المدن الكبرى، فضلًا عن محدودية الوصول إلى الرعاية المتخصصة في الوقت المناسب , لافتا إلى أن بعض الضحايا يترددون في الإدلاء بشهاداتهم أمام المحاكم بسبب الخوف من الانتقام أو عدم توافر التمويل اللازم للسفر إلى مقار التقاضي. وعلى الرغم من أن التشريعات الإثيوبية تسمح للمحاكم بإلزام المدانين بدفع تعويضات للضحايا، ذكر التقرير أن الحكومة لم تصدر أحكامًا بالتعويض ضمن العقوبات الجنائية خلال فترة التقرير.
ووفقا للتقرير تعكس هذه الثغرات فجوة بين وجود الأطر القانونية والإجراءات الرسمية من جهة، وقدرة السلطات على توفير حماية عملية ومستدامة للضحايا من جهة أخرى.
تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة يضع الحكومة الإثيوبية تحت الانتقاد
وأشار التقرير الأمريكي إلي وجود تقارير موثوقة تفيد بأن قوات الدفاع الوطني الإثيوبية والقوات المرتبطة بالحكومة جندت أطفالًا واستخدمتهم بصورة غير قانونية خلال فترة التقرير، بما في ذلك في القتال وأداء مهام مساندة , لافتا كذلك إلى ورود تقارير عن ممارسات مماثلة من جانب جماعات مسلحة غير حكومية، بينها قوات فانو وجبهة تحرير شعب تيغراي وجيش تحرير أورومو.
ورغم خطورة هذه الاتهامات، أوضح التقرير أن اللجنة الإثيوبية لحقوق الإنسان أجرت بعض التحقيقات المتعلقة بهذه الحالات، لكن الحكومة الإثيوبية لم تفد ببدء تحقيقات جنائية أو ملاحقات قضائية بشأنها خلال الفترة التي يغطيها التقرير , مشيرا إلى أن السلطات لم تبلغ عن جهود ملموسة لنزع صفة المقاتلين عن الأطفال المرتبطين بالجماعات المسلحة أو القوات الأمنية الحكومية، أو توفير برامج لإعادة تأهيلهم وإدماجهم في المجتمع.
الفساد والتواطؤ المحتمل لمسؤولين يعرقلان مكافحة الاتجار بالبشر
سلط التقرير الضوء على استمرار المخاوف بشأن الفساد والتواطؤ الرسمي في جرائم الاتجار بالبشر، معتبرًا أن هذه الممارسات تمثل عائقًا أمام جهود إنفاذ القانون.
وأفادت الحكومة الإثيوبية بأنها تحقق في واقعة يُشتبه فيها بطلب أحد أفراد الشرطة رشاوى من أسرة ضحية محتملة للاتجار بالبشر.
كما أشار التقرير إلى تحقيقات وملاحقات طالت مسؤولين في هيئة الهجرة والجنسية، بينهم نائب المدير العام السابق، بسبب إصدار جوازات سفر إثيوبية بصورة غير قانونية لأشخاص غير إثيوبيين، وهي ممارسة قد تسهل تهريب المهاجرين وتزيد تعرضهم لمخاطر الاتجار بالبشر.
وبحسب التقرير، أُدين المسؤول السابق وحُكم عليه بالسجن ثماني سنوات، بينما صدرت أحكام متفاوتة بحق موظفين وأشخاص آخرين في القضية.
ورغم هذه الإجراءات، فإن التقرير لم يعتبرها كافية لإزالة المخاوف المرتبطة بالفساد والتواطؤ المحتمل، والتي تؤثر في قدرة السلطات على مواجهة الشبكات الإجرامية وضمان تطبيق القانون بصورة فعالة.
مئات الآلاف من العمال الإثيوبيين في الخارج يواجهون مخاطر الاستغلال
ربط التقرير بين أوجه القصور في مكافحة الاتجار بالبشر والضغوط الاقتصادية التي تدفع الإثيوبيين إلى الهجرة بحثًا عن فرص العمل، مشيرًا إلى أن الفقر والبطالة ومحدودية الفرص الاقتصادية وضعف الوعي بأساليب الاستغلال الجديدة تزيد تعرض المهاجرين للخطر.
ووفقًا للبيانات الواردة في التقرير، سافر نحو 500 ألف عامل إثيوبي مسجل إلى الخارج خلال عام 2025، فيما عاد أكثر من 142 ألف إثيوبي بعد العمل خارج البلاد , موضحا أن شبكات الاتجار بالبشر تستغل الإثيوبيين في العمل القسري والاستغلال الجنسي داخل إثيوبيا وخارجها، بما يشمل دولًا أفريقية والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا.
كما أشار التقرير إلى استغلال أطفال في التسول القسري والعمل المنزلي والتجارة، خصوصًا في دول مجاورة مثل جيبوتي والسودان، فضلًا عن تزايد تعرض النازحين واللاجئين لمخاطر الاتجار نتيجة النزاعات وانعدام الأمن الغذائي وضعف فرص التعليم والعمل.
وقدّر التقرير عدد النازحين داخليًا في إثيوبيا بنحو مليوني شخص خلال عام 2025، فيما استضافت البلاد، حتى مارس 2026، أكثر من 1.125 مليون لاجئ وطالب لجوء، معظمهم من جنوب السودان والصومال وإريتريا.
التكنولوجيا الرقمية توسع أساليب استدراج الضحايا واستغلالهم
حذر التقرير من لجوء شبكات الاتجار بالبشر إلى وسائل رقمية متطورة لتجنيد الضحايا والسيطرة عليهم، من خلال إعلانات الوظائف الوهمية والوعود الكاذبة بالتعليم والعمل وتحقيق دخل مرتفع , مشيرا إلى ظهور أنماط تستخدم تحليلات البيانات الضخمة والعملات المشفرة والذكاء الاصطناعي وشبكات الإنترنت المظلم لتسهيل جرائم الاتجار بالبشر.
ومن الأمثلة التي أوردها التقرير استهداف رجال إثيوبيين بإعلانات عن وظائف في مجال تكنولوجيا المعلومات بتايلاند، قبل استغلالهم في عمليات احتيال إلكتروني داخل ميانمار وكمبوديا ولاوس، حيث تعرض بعضهم للاحتجاز والعمل القسري والاستعباد بسبب الديون والإيذاء الجسدي.
إجراءات حكومية لا تبدد الانتقادات الأمريكية
أقر التقرير بأن الحكومة الإثيوبية اتخذت خطوات لتعزيز جهود مكافحة الاتجار بالبشر، شملت إصدار إعلان توظيف العمالة في الخارج رقم 1389/2025، وتفعيل مجلس مختص بتنظيم الهجرة العمالية، وفرض ضمانات مالية على وكالات التوظيف، وحظر رسوم الاستقدام التي تُفرض على العمال، إلى جانب إطلاق خط ساخن مجاني للإبلاغ عن جرائم الاتجار بالبشر.
كما رصد زيادة عدد الضحايا الذين جرى التعرف عليهم، وتوسيع بعض خدمات الإحالة والرعاية، والتعاون مع دول أجنبية ومنظمات دولية في التدريب والتحقيقات وإعادة المهاجرين , غير أن التقرير شدد على أن هذه الخطوات لم تمنع تراجع التحقيقات والملاحقات والإدانات، ولم تعالج بصورة كافية تفاوت حماية الضحايا أو المخاوف المتعلقة بتجنيد الأطفال والفساد والتواطؤ الرسمي.
وخصصت الحكومة الإثيوبية نحو 19.9 مليون بير إثيوبي، بما يعادل 128.4 ألف دولار، لجهود مكافحة الاتجار بالبشر، بما يشمل الوقاية والتحقيقات وخدمات الضحايا، بينما أفادت منظمات المجتمع المدني بأن الدعم المالي والعيني الحكومي لا يزال محدودًا.
طالع المزيد :




