إمبراطورية رجل الأعمال الجنوب أفريقي يوهان روبرت تُعيد تشكيل سوق المجوهرات في أمريكا الشمالية

تحول سوق المجوهرات في أمريكا الشمالية إلى واقع اقتصادي منقسم بوضوح، يعكس ما يُعرف بالاقتصاد ذي المسار المتباين، حيث تدفع الضغوط التضخمية المستمرة الأسر متوسطة الدخل إلى تقليص إنفاقها بشكل متزايد على السلع غير الأساسية والكمالية، بينما يواصل الأثرياء زيادة إنفاقهم على الأصول الفاخرة وعالية القيمة.
وقد أدى هذا الاستقطاب الاقتصادي إلى تحول تاريخي داخل السوق، بعدما تمكنت “ريتشمونت” السويسرية، المملوكة للملياردير الجنوب أفريقي Johann Rupert يوهان روبرت، من تجاوز عملاق تجارة التجزئة Walmart “وول مارت”، لتصبح ثاني أكبر شركة لبيع المجوهرات والساعات من حيث المبيعات في أمريكا الشمالية، في مؤشر واضح على القوة المتنامية لاقتصاد السلع الفاخرة مقارنة بقطاع التجزئة الجماهيري التقليدي.
وبحسب البيانات التي نشرتها مجلة National Jeweler “ناشيونال جولر” في أحدث تقاريرها بعنوان “حالة كبار الشركات”، فإن مجموعة “ريتشمونت” حققت مبيعات إقليمية بلغت 3.62 مليار دولار من خلال شبكة محدودة للغاية تضم 105 متاجر فاخرة فقط، مع اعتماد رئيسي على دور المجوهرات الراقية التابعة لها، وفي مقدمتها Cartier “كارتييه” وVan Cleef & Arpels “فان كليف آند آربلز”.
وفي المقابل، حافظت شركة Signet Jewelers “سيجنيت جولرز” على المركز الأول في السوق بإيرادات بلغت 6.36 مليار دولار، لكنها احتاجت إلى شبكة ضخمة تضم 2329 متجرًا في مختلف أنحاء القارة للحفاظ على هذا الحجم من المبيعات.
وتُظهر الأرقام فجوة هائلة في كفاءة التشغيل والعائدات، إذ بلغ متوسط الإيرادات لكل متجر تابع لـ”ريتشمونت” نحو 34.5 مليون دولار، وهو رقم يفوق بشكل كبير متوسط الإيرادات لدى “سيجنيت جولرز”، والذي بلغ نحو 2.7 مليون دولار لكل متجر فقط، ما يكشف عن القوة التسعيرية الضخمة التي تتمتع بها العلامات الفاخرة عالية المستوى.
وقد أدت هذه التحولات الاقتصادية إلى إعادة تشكيل خريطة المنافسة التقليدية داخل قطاع المجوهرات. فتراجعت شركة “وول مارت”، التي تعتمد بشكل أساسي على المستهلكين من الطبقة المتوسطة الباحثين عن المنتجات منخفضة السعر، من المركز الثاني إلى المركز الرابع في التصنيف الإقليمي.
كما واصلت سلسلة المتاجر الأمريكية الشهيرة Macy’s “مايسيز” تراجعها في السوق، بالتزامن مع تقليص عدد متاجرها وإعادة هيكلة انتشارها الجغرافي.
وفي المقابل، استفادت شركة Costco “كوستكو” من التغيرات الحالية داخل السوق، عبر جذب المستهلكين الباحثين عن الذهب الخام والمجوهرات الماسية باعتبارها أصولًا استثمارية، مع تقديمها بأسعار أقل من العلامات التجارية الفاخرة التي تفرض هوامش ربح مرتفعة.
ويؤكد الصعود المتواصل لمجموعة “ريتشمونت” نجاح الاستراتيجية التي يقودها يوهان روبرت، والذي عزز مكانته كأحد أبرز الشخصيات المؤثرة في قطاع الرفاهية العالمي، في مواجهة منافسة قوية مع عمالقة الرفاهية الأوروبيين مثل LVMH “إل في إم إتش” وKering “كيرينغ”.
كما سجلت المجموعة نموًا قويًا بنسبة 16% في مبيعاتها داخل الأمريكتين، في دلالة واضحة على استمرار الطلب المرتفع من جانب الأثرياء على المجوهرات والساعات الفاخرة، والتي باتت تُعامل بشكل متزايد باعتبارها أصولًا مادية للتحوط ضد التضخم والتقلبات الاقتصادية العالمية، وليس مجرد أدوات للزينة.
وفي وقت يشهد فيه قطاع السلع الفاخرة تباطؤًا ملحوظًا في بعض الأسواق الآسيوية، لا يزال الطلب القوي من أصحاب الثروات الضخمة في أمريكا الشمالية يوفر حماية قوية للطبقة العليا من قطاع الرفاهية العالمي ضد التباطؤ الاقتصادي وتقلبات الأسواق الدولية.
إقرأ المزيد :
قلب الألماس العالمي: كيف تهيمن أفريقيا على إنتاج الأحجار الكريمة وتقود اقتصاد الرفاهية عالميًا
