الدكتور حسين عبد البصير يكتب : جدف رع .. الفرعون الذي صعد إلى السماء من أبو رواش

على الحافة الشمالية للصحراء الغربية، في موقع هادئ يطل على وادي النيل من بعيد، تقف أطلال هرم أبو رواش شاهدة على واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ الدولة القديمة , هنا اختار الملك جدف رع أن يبني هرمه، مبتعدًا عن هضبة الجيزة التي احتضنت مقابر أبيه الملك خوفو وأجداده العظام , ولم يكن هذا الاختيار مجرد قرار معماري أو جغرافي، بل كان إعلانًا سياسيًا ودينيًا يحمل دلالات عميقة عن شخصية ملك أراد أن يرسم لنفسه طريقًا مختلفًا.
كان جدف رع ثالث ملوك الأسرة الرابعة وابن الملك خوفو العظيم, وقد جاء إلى العرش في فترة حساسة من تاريخ البيت الملكي، بعد وفاة ولي العهد الشرعي الأمير كاوعب، الابن الأكبر لخوفو, وتحيط الغموض والشكوك بوفاة كاوعب، وهو ما فتح الباب أمام صراعات الخلافة داخل الأسرة الحاكمة , وفي هذا المناخ المضطرب برز جدف رع بوصفه الوريث الذي استطاع الوصول إلى العرش، معززًا شرعيته بالزواج من الأميرة حتب حرس الثانية، ابنة خوفو وأرملة أخيه، في خطوة سياسية ذكية هدفت إلى توحيد خطوط النسب الملكية وإضفاء الشرعية على حكمه.
ورغم قصر مدة حكمه نسبيًا، فإن تأثيره في التاريخ المصري كان أكبر بكثير من عدد سنوات جلوسه على العرش. فقد شهد عهده تحولًا دينيًا مهمًا حين أصبح أول ملك مصري يتخذ لقب “سا رع” أو “ابن رع” بصورة رسمية ضمن ألقابه الملكية, كان هذا التحول أكثر من مجرد لقب؛ فقد مثّل إعلانًا عن علاقة جديدة بين الملك والإله رع، إله الشمس الأعظم. ومنذ ذلك الحين أصبح لقب “ابن رع” جزءًا ثابتًا من الألقاب الملكية المصرية حتى نهاية الحضارة الفرعونية.
ولعل هذا التوجه الديني الجديد يفسر اختياره لموقع أبو رواش المرتفع لبناء هرمه, فقد أراد أن يكون أقرب إلى الشمس وإلى الإله رع الذي اعتبر نفسه ابنه المباشر , وقد أقيم الهرم على ارتفاع كبير فوق مستوى الوادي، وكانت أبعاده الأصلية تقارب أبعاد هرم منكاورع، مما يدل على مشروع ملكي ضخم لم يُكتب له الاكتمال.
لكن مأساة هرم جدف رع أنه لم يصل إلينا بالصورة التي أرادها صاحبه, فالهرم تعرض عبر القرون لعمليات هدم ونهب واسعة النطاق، خاصة خلال العصور الرومانية والمسيحية المبكرة، حين استُخدمت أحجاره في بناء منشآت أخرى. وما بقي اليوم لا يتجاوز جزءًا صغيرًا من هذا المشروع الجنائزي العظيم, كما تعرضت تماثيله الملكية للتكسير والتحطيم، الأمر الذي دفع بعض الباحثين قديمًا إلى الاعتقاد بوجود حملة انتقام سياسي ضده, غير أن الدراسات الأثرية الحديثة أثبتت أن معظم هذا الدمار كان نتيجة أعمال النهب وإعادة استخدام الأحجار والتماثيل عبر العصور اللاحقة، وليس نتيجة مؤامرة منظمة لمحو ذكراه.
ومن أكثر الجوانب إثارة في شخصية جدف رع ارتباط اسمه بالنقاش الدائر حول منشئ تمثال أبي الهول العظيم. فقد اقترح بعض الباحثين أن جدف رع ربما كان المسؤول عن إقامة التمثال تخليدًا لذكرى أبيه خوفو، لكن هذه الفرضية لا تزال محل جدل علمي، ولم تحظَ بإجماع المتخصصين حتى الآن.
أما فيما يتعلق بدفنه، فما زال الغموض قائمًا, فقد كشفت الحفائر عن حجرة دفن عميقة منحوتة في الصخر أسفل الهرم، لكنها لم تُسفر عن العثور على مومياء ملكية أو تابوت كامل, وهكذا بقيت النهاية الحقيقية لهذا الفرعون محاطة بالأسرار، شأنها شأن كثير من أحداث حياته.
ورغم كل ما قيل عن محاولات محو اسمه من التاريخ، فإن الأدلة الأثرية تؤكد العكس, فقد استمر تكريمه في الطقوس الجنائزية خلال أواخر الدولة القديمة، وظهر اسمه في نقوش الدولة الوسطى والدولة الحديثة إلى جانب أسماء ملوك عظام مثل سنفرو وخوفو وخفرع ومنكاورع, كما حفظت المتاحف العالمية عشرات القطع من تماثيله، لتبقى شاهدًا على حضوره المستمر في الذاكرة المصرية.
إن الإرث الحقيقي لجدف رع لا يكمن في هرمه المتهدم أو في الصراعات الأسرية التي أحاطت بحياته، بل في دوره بوصفه ملكًا فتح بابًا جديدًا في الفكر الديني المصري، ورسّخ مفهوم الملك باعتباره “ابن رع” , لقد كان شخصية انتقالية بين عصر بناة الأهرام العظام وعصر صعود عبادة الشمس الذي ازدهر في الأسرة الخامسة.
وهكذا يقف هرم أبو رواش اليوم، رغم ما أصابه من خراب، شاهدًا على قصة ملك حاول أن يقترب من السماء أكثر من غيره, وربما لم ينجح في الحفاظ على هرمه كاملًا، لكنه نجح في أن يبقى اسمه حيًا في صفحات التاريخ، بعد أكثر من أربعة آلاف وخمسمائة عام من رحيله, فجدف رع لم يكن مجرد ابن لخوفو، بل كان فرعونًا صاحب رؤية ترك بصمة لا تزال تثير اهتمام علماء الآثار والمؤرخين حتى يومنا هذا.

إقرأ المزيد :
الدكتور حسين عبد البصير يكتب : ساكوجي يوشيمورا … حين يعبر اليابانيون الزمن إلى ضفاف النيل
