الكاتب والسياسي النيجري عمر مختار الأنصاري يكتب : الجزائر والنيجر .. شراكة استراتيجية تُبنى بالإنجازات وتُتوَّج بالثقة

شهدت العلاقات الجزائرية-النيجرية خلال يومي 3 و4 يونيو 2026 ثلاثة أحداث استراتيجية متتالية تحمل دلالات عميقة، وتعكس نقلة نوعية في مسار الشراكة بين الجزائر والنيجر البلدين الشقيقين.
ففي يوم الأربعاء 3 يونيو 2026، احتضنت الجزائر العاصمة الاجتماع الوزاري الخامس للجنة التوجيهية لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP)، بمشاركة وزراء المحروقات والطاقة لكل من الجزائر ونيجيريا والنيجر.
وفي اليوم ذاته، أشرف الوزير الأول الجزائري السيد سيفي غريب، بتكليف مباشر من فخامة الرئيس عبد المجيد تبون، على تدشين محطة كهرباء نيامي بقدرة 40 ميغاواط بمعية نظيره النيجري محمد لمين زين.
أما في اليوم التالي، الخميس 4 يونيو، فقد انطلقت الأعمال الفعلية لربط أنبوب الغاز العابر للصحراء من ولاية أدرار بالجزائر، ليتصل بالشبكة الوطنية الجزائرية لنقل الغاز تمهيداً لتصديره نحو الأسواق الأوروبية.
هذه الأحداث الثلاثة المتتالية ليست مجرد مصادفة زمنية، بل هي تعبير واضح عن رؤية استراتيجية متكاملة وإرادة سياسية مشتركة تعكس مرحلة جديدة من العلاقات بين الجزائر والنيجر.
شراكة تتجاوز الشعارات إلى الإنجازات الملموسة:
ما يستحق الإشادة في هذه التطورات هو السرعة والجدية في التنفيذ؛ فبعد توجيه الرئيس عبد المجيد تبون في الثالث من مايو الماضي بإنجاز محطة كهرباء نيامي خلال ثلاثة أشهر كحد أقصى، تم تدشينها فعلياً بعد شهر واحد فقط.
هذا الإنجاز القياسي يُعد نموذجاً نادراً في المنطقة، ويبرز قدرة الجانب الجزائري على الوفاء بالتزاماته بكفاءة عالية وفي زمن قياسي.
كما أن انطلاق أعمال الربط في ولاية أدرار يعني أن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء قد خرج من مرحلة الدراسات والتخطيط النظري إلى مرحلة التنفيذ العملي على الأرض.
وهذا يُعد خطوة حاسمة نحو تحقيق حلم طال انتظاره لأكثر من عقود.
أهمية مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء:
يُعد مشروع TSGP أحد أضخم المشاريع الطاقوية في تاريخ القارة الإفريقية، فهو سيمتد لأكثر من 4000 كيلومتر، وسينقل كميات هائلة من الغاز الطبيعي من نيجيريا عبر أراضي النيجر إلى الجزائر، ثم إلى الأسواق الأوروبية.
– للنيجر، يمثل المشروع فرصة تاريخية لتحقيق عوائد مالية كبيرة من رسوم العبور، وتنمية مناطق الشمال، وخلق فرص عمل مستدامة، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والأمني.
– للجزائر، سيُعزز من مكانتها كمورد رئيسي وموثوق للغاز إلى أوروبا، وسينوع من مصادر دخلها الطاقوي.
– لنيجيريا، سيوفر ممراً تصديرياً جديداً وآمناً لثروتها الغازية الهائلة.
وللمنطقة بأكملها، يُعد المشروع خطوة حقيقية نحو التكامل الإقليمي، وتعزيز السيادة الطاقوية الإفريقية، ومواجهة تحديات التنمية والأمن.
تكريم نيجري للجهود الجزائرية:
وفي خطوة تعبر عن عمق التقدير والامتنان النيجري للجهود الجزائرية المخلصة، قامت الجمهورية النيجرية بتقليد معالي الوزير الأول الجزائري السيد سيفي غريب ومعالي وزير الطاقة والمناجم الجزائري مراد عجال، وسعادة السفير الجزائري في نيامي السيد احمد سعيد، بأوسمة رفيعة من أوسمة الجمهورية، تقديراً لدورهم الكبير في توطيد العلاقات الثنائية وإنجاح المشاريع الاستراتيجية المشتركة بين البلدين.
هذا التكريم يعكس روح الوفاء والاعتراف بالجميل التي تُميز العلاقات بين شعبينا.
نموذج تعاوني مختلف:
إن ما يميز الشراكة الجزائرية-النيجرية اليوم هو أنها تتجاوز الجانب الاقتصادي البحت لتصبح شراكة استراتيجية شاملة تشمل الطاقة، البنية التحتية، الأمن، والتنمية.
شراكة مبنية على الثقة المتبادلة والمصالح المتكافئة والتنفيذ الفعلي السريع، بعيداً عن الوعود البراقة والتماطل المعتاد من بعض الشركاء الدوليين.
هذه التطورات المتسارعة تؤكد أن العلاقات بين الجزائر والنيجر قد دخلت مرحلة جديدة ونوعية، مرحلة الشراكة الاستراتيجية الحقيقية التي تخدم مصالح الشعبين وتساهم في بناء مستقبل أفضل لمنطقة الساحل بأكملها.
اليوم نزرع بذور الثقة والتعاون الجاد مع دول الجوار الشقيقة وغداً — إن شاء الله — سنحصد التنمية المستدامة والازدهار الاقتصادي لشعبينا ولشعوب المنطقة.
اقرأ المزيد
الدكتور حسين عبد البصير يكتب : العلاقات التجارية لمصر القديمة مع العالم الخارجي .. رؤية حضارية


