الدكتور حسين عبد البصير يكتب : مكتبة الإسكندرية.. حين يلتقي الكتاب بالحضارة ويصبح التراث حوارًا مع المستقبل
لا يمثل معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب مجرد مناسبة سنوية لاقتناء الكتب أو التعرف إلى أحدث الإصدارات، بل أصبح أحد أهم الأحداث الثقافية التي تعكس المكانة الفكرية لمصر ودورها التاريخي في قيادة الحركة الثقافية العربية, فالمعرض، الذي تحتضنه مكتبة الإسكندرية الحديثة، يستمد قيمته من رمزية المكان قبل أي شيء؛ فهذه المكتبة ليست مجرد مبنى يضم ملايين الكتب، بل هي امتداد لفكرة إنسانية عظيمة حملتها مكتبة الإسكندرية القديمة، التي كانت منارة للعلم والفلسفة والحوار بين الحضارات.
في هذا السياق، يتحول معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب إلى احتفال شامل بالمعرفة، حيث يلتقي الكاتب بالقارئ، والباحث بالمثقف، والطفل بعالم القراءة، والشباب بأفكار المستقبل. فالكتاب يظل محور الحدث، لكنه ليس العنصر الوحيد فيه؛ إذ تحيط به عشرات الندوات الفكرية، واللقاءات الأدبية، والورش الفنية، والفعاليات التعليمية التي تجعل من المعرض فضاءً للحوار والتفكير والإبداع.
لقد أصبحت الرسالة الثقافية للمعرض واضحة؛ وهي أن بناء الإنسان يبدأ ببناء وعيه. فالمعرفة ليست ترفًا، وإنما ضرورة لمواجهة الجهل والتطرف، ولمواكبة عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة , ومن هنا تأتي أهمية تشجيع القراءة، ليس باعتبارها هواية فحسب، وإنما باعتبارها أسلوبًا للحياة، ووسيلة لصناعة مواطن قادر على التفكير النقدي، واحترام التنوع، والإسهام في بناء وطنه.
وتتميز مكتبة الإسكندرية بأنها تقدم نموذجًا فريدًا يجمع بين المعرفة المكتوبة والتراث المادي, فالزائر لا يكتفي بقراءة كتاب عن الحضارة المصرية، بل يستطيع أن ينتقل مباشرة إلى متحف الآثار بالمكتبة، ليشاهد شواهد هذه الحضارة بعينيه. وهكذا يصبح الكتاب مدخلًا لفهم الأثر، ويصبح الأثر شاهدًا حيًا على ما قرأه الإنسان في الكتب.
ويعد متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية واحدًا من أكثر المتاحف تميزًا في مصر، لأنه المتحف الوحيد الذي يقع داخل مكتبة عالمية, وهذه الخصوصية تمنحه مكانة استثنائية، إذ يربط بين البحث العلمي والتعليم والمتعة الثقافية في آن واحد , ويضم المتحف مجموعة فريدة من الآثار المصرية القديمة، واليونانية والرومانية، والقبطية، والإسلامية، بما يعكس استمرارية الحضارة المصرية عبر آلاف السنين.
كما يحتفظ المتحف بعدد من القطع النادرة، من بينها آثار مستخرجة من قاع البحر المتوسط، وتماثيل ملكية، وآثار دينية، وأدوات الحياة اليومية، وعملات، وتمائم، ونقوش تكشف تفاصيل دقيقة عن حياة المصريين عبر العصور المختلفة , ومن خلال هذا التنوع، يكتشف الزائر أن الحضارة ليست مجرد قصور ومعابد وملوك، بل هي أيضًا حياة الناس العاديين، وأحلامهم، وعملهم، وفنونهم، وإيمانهم.
وتبرز الإسكندرية داخل المتحف بوصفها مدينة عالمية، بدأت مع الإسكندر الأكبر، ثم أصبحت عاصمة للدولة البطلمية، ومركزًا للعلم والفلسفة، قبل أن تزدهر في العصر الروماني، وتواصل دورها في العصرين القبطي والإسلامي، وصولًا إلى العصر الحديث , إنها مدينة كانت ولا تزال ملتقى للحضارات، وجسرًا بين الشرق والغرب، وهو ما يجعل تاريخها جزءًا أساسيًا من تاريخ الإنسانية.
وخلال فترة معرض الكتاب، يحرص المتحف على تنظيم برامج خاصة تشمل الجولات الإرشادية، والمحاضرات العلمية، وورش العمل، والأنشطة التفاعلية للأطفال والشباب، حتى تتحول زيارة المتحف إلى تجربة تعليمية ممتعة , فالهدف لم يعد مجرد عرض القطع الأثرية، وإنما بناء علاقة حقيقية بين المجتمع وتراثه، وربط الأجيال الجديدة بجذورها الحضارية.
ويحظى الأطفال والشباب باهتمام خاص، لأنهم يمثلون مستقبل الحفاظ على التراث , لذلك تعتمد البرامج التعليمية على السرد القصصي، والألعاب، والورش الفنية، والتقنيات الرقمية، لتقديم التاريخ بصورة مبسطة وجذابة، تجعل الطفل يكتشف الماضي بنفسه، ويشعر بأنه جزء من هذه الحضارة الممتدة.
ومن واقع تجربتي في علم الآثار والكتابة الأدبية، أؤمن بأن العلاقة بينهما علاقة تكامل وليست انفصالًا , فعلم الآثار يقدم الحقيقة الموثقة، بينما يمنح الأدب هذه الحقيقة روحًا إنسانية , الأثر يخبرنا بما حدث، أما الرواية فتتخيل كيف عاش الإنسان تلك اللحظة، وكيف أحب، وخاف، وحلم، وانتصر، وانكسر , لذلك أجد أن البحث العلمي يغذي الخيال، وأن الأدب يساعد على تقريب التاريخ من القارئ، وإعادة اكتشاف الإنسان الذي صنع الحضارة.
ولهذا جاءت معظم كتبي ورواياتي مستلهمة الحضارة المصرية القديمة، لأنها ليست مجرد ماضٍ بعيد، بل مخزون إنساني هائل من الأفكار والقيم والجمال , إنها حضارة لا تزال قادرة على إلهام العالم، لأنها تناولت الأسئلة الكبرى التي تشغل الإنسان في كل زمان: الحياة والموت، والخلود، والعدالة، والإيمان، والحب، والسلطة، والمعرفة.
وعند كتابة الرواية التاريخية، أحرص على احترام الحقائق التاريخية الثابتة، مع منح الخيال مساحة يتحرك فيها داخل ما لم تذكره المصادر , فالخيال ليس بديلًا عن التاريخ، بل وسيلة لإحيائه، وإعادة تقديمه في صورة أدبية مشوقة تحافظ على جوهر الحقيقة، وتمنح القارئ متعة القراءة إلى جانب المعرفة.
إن الرواية التاريخية قادرة على أداء دور بالغ الأهمية في نشر الوعي بالحضارة المصرية، خاصة بين الشباب , فكثيرون قد لا يقرأون الكتب الأكاديمية، لكنهم يقبلون على الرواية، ومن خلالها يتعرفون إلى الشخصيات والأحداث والأماكن التاريخية، ثم ينطلقون للبحث والقراءة وزيارة المتاحف والمواقع الأثرية. وهكذا تتحول الرواية إلى جسر يصل بين المعرفة والمتعة، وبين الماضي والحاضر.
وفي النهاية، تظل مكتبة الإسكندرية نموذجًا فريدًا للمؤسسة الثقافية التي تجمع بين الكتاب والمتحف، وبين التراث والابتكار، وبين البحث العلمي والإبداع الأدبي , إنها تؤكد أن الحضارة ليست مجرد آثار صامتة أو صفحات في كتب التاريخ، بل كائن حي يتجدد باستمرار، وأن الكتاب سيظل دائمًا المفتاح الأول لفهم الإنسان، وبناء الوعي، وصناعة المستقبل.

إقرأ المزيد :
الدكتور حسين عبد البصير يكتب : كنيسة سانت كاترين بالإسكندرية.. عندما تتحدث الحجارة بلغة الحضارات



