خبير سوداني يوجه انتقادات شديدة اللهجة لمؤيدي سد النهضة .. ” المفتي ” : الوعود بالفوائد لم تتحقق وحقوق السودان المائية تم التفريط فيها

وجّه الدكتور أحمد المفتي الخبير السوداني في القانون الدولي والعضو السابق بوفد السودان في مفاوضات سد النهضة الإثيوبي انتقادات حادة لعدد من الخبراء الذين يواصلون، بحسب وصفه، الترويج لفوائد سد النهضة الإثيوبي بالنسبة للسودان، مؤكداً أن الوعود التي قدمت للمواطنين السودانيين منذ سنوات بشأن الكهرباء والزراعة وتحسين إدارة المياه لم تتحقق حتى اليوم، معتبراً أن المسؤولين عن تلك الوعود لم يخضعوا لأي مساءلة.
وأوضح المفتي، في منشور جديد عبر صفحته الرسمية علي موقع التواصل الاجتماعي ” فيس بوك ” ضمن سلسلة متابعته لملف سد النهضة، أنه تلقى مقطع فيديو يتحدث فيه عدد من خبراء المياه عن الفوائد التي يجنيها السودان من سد النهضه ، مشيراً إلى أنه لولا ثقته في حرص صديقه على مصلحة السودان لما رأى ضرورة التعليق على الفيديو، إلا أن إرسال المقطع يوحي – بحسب قوله – بأن صديقه قد اقتنع، بدرجة ما، بما ورد فيه.
وأضاف أنه سيكتفي بالتعليق بصورة مختصرة على ما ورد في الفيديو لكل من الدكتور عثمان التوم، آخر وزير للري في عهد الرئيس السابق عمر البشير، والدكتور سلمان محمد أحمد، المستشار القانوني السابق لوزارة الري السودانية، والذي أوضح أنه تولى هذا المنصب بعد مغادرته له، حيث شغله خلال الفترة من عام 1994 وحتى عام 2012 , مشيرا إلى أن الشخصين المشار إليهما كانا جزءاً من المجموعة التي تتحمل – من وجهة نظره – المسؤولية الكاملة عن كل ما ترتب على مشروع سد النهضة من آثار إيجابية أو سلبية بالنسبة للسودان، قبل أن يستعرض عدداً من الملاحظات التي يرى أنها تؤكد ذلك.
وعود الكهرباء من سد النهضة لم تتحقق
وقال المفتي ” إن الخبراء الذين كانوا يدافعون عن مشروع سد النهضة هم أنفسهم الذين دفعوا الحكومة السودانية إلى وعد المواطنين بأن السد سيوفر كهرباء مستدامة للسودان وبأسعار تفضيلية , مضيفا “أن الواقع الحالي يثبت، بحسب رأيه، أن السودان لا يحصل على أي كهرباء من سد النهضة، لا بصورة مستدامة ولا بصورة غير مستدامة، ولا بأسعار تفضيلية ولا حتى بأسعار مرتفعة، مؤكداً أن المسؤولين عن تلك الوعود لم يخضعوا لأي مساءلة حتى الآن، رغم عدم تحقق ما أعلنوه للمواطنين.
وفي ملاحظته الثانية، أكد المفتي أن الحديث المستمر عن قدرة السودان على تنفيذ ثلاث دورات زراعية بفضل سد النهضة لا يجد ما يؤيده على أرض الواقع , موضحا أن عدداً من مزارعي مشروع الجزيرة يشتكون بصورة علنية من شح المياه اللازمة حتى لإكمال دورة زراعية واحدة، فضلاً عن أن كثيراً من المزارعين فقدوا إمكانية زراعة مساحات واسعة من الأراضي الواقعة على الجروف، دون أن يحصلوا على أي تعويض حتى الآن.
الأمن المائي غاب عن إعلان مبادئ سد النهضة
وأشار المفتي إلى أن إعلان مبادئ سد النهضة الموقع عام 2015 خلا من النص على مبدأ “الأمن المائي “، رغم أن السودان – بحسب قوله – بذل جهوداً كبيرة حتى يتم تضمين هذا المبدأ في “اتفاقية عنتيبي”، التي وافقت عليها جميع الدول، بما فيها إثيوبيا، حيث ورد النص عليه في المادة (3/15) من الاتفاقية.
وأضاف أن الخبراء الذين كانوا يديرون الملف لم ينصحوا الحكومة السودانية بالاعتراض على هذا الإغفال أو الامتناع عن توقيع إعلان المبادئ، معتبراً أن الأمن المائي يمثل مستقبل السودان الذي يسعى إلى أن يصبح سلة غذاء للمنطقة، في وقت تبلغ فيه حصته الحالية من مياه النيل 18.5 مليار متر مكعب، وهي – بحسب تقديره – لا تكفي حتى لتلبية الاحتياجات الحالية للبلاد.
اتفاقية السد جاءت بعد بدء التشييد
وأكد المفتي أن القاعدة المتعارف عليها في مشروعات السدود الدولية تقضي بإبرام الاتفاقيات المنظمة لأي سد قبل بدء أعمال التشييد، مستشهداً باتفاقية عام 1959 التي أُنشئ بموجبها السد العالي في ستينيات القرن الماضي , موضحا أن سد النهضة يمثل حالة مختلفة، إذ جرى توقيع إعلان المبادئ في عام 2015، بينما بدأت أعمال التشييد بالفعل منذ عام 2011، معتبراً أنه لولا الضغوط التي مارسها المتحفظون على المشروع لما تم توقيع أي اتفاق حتى اليوم، ولتم الاكتفاء – بحسب تعبيره – بما وصفه بمغالطات الدكتور سلمان محمد أحمد والدكتور عثمان التوم.
وأضاف المفتي ” أن الدكتور سلمان محمد أحمد عمل مستشاراً للحكومة الإثيوبية، كما أشار إلى أن جميع الكتب التي أصدرها تحت شعار البنك الدولي تضمنت إيضاحاً من البنك يؤكد أنه غير مسؤول عن مضمونها , كما لفت إلى أن الدكتور عثمان التوم عمل في إثيوبيا لمدة أربع سنوات قبل بدء تنفيذ مشروع سد النهضة.
إثيوبيا بدأت المشروع دون موافقة السودان
وأوضح المفتي أن إثيوبيا لم تحصل على موافقة السودان قبل البدء في إنشاء سد النهضة، رغم أن اتفاقية عام 1902 – بحسب قوله – تنص على ضرورة الحصول على تلك الموافقة , مشيرا إلي أن إثيوبيا شرعت في الإعداد للمشروع لمدة أربع سنوات دون إخطار السودان، ثم وضعت حجر الأساس وبدأت أعمال التشييد في الأول من أبريل 2011 , مشيرا إلى أنه في يومي 25 و26 مايو 2011 زار وزير الري المصري آنذاك العاصمة السودانية الخرطوم، لإبلاغ الحكومة السودانية بأن رئيس الوزراء المصري آنذاك الدكتور عصام شرف كان قد اتفق مع رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زيناوي، خلال اجتماعهما في أديس أبابا يومي 12 و13 مارس 2011، على تشكيل لجنة فنية لدراسة سد النهضة، وذلك بعد أن كانت أعمال التشييد قد بدأت بالفعل.
واعتبر المفتي أن هذه الواقعة تمثل أول سابقة في تاريخ إنشاء السدود على مستوى العالم، حيث تبدأ الدراسات الفنية بعد الشروع في تنفيذ المشروع، بينما يفترض أن تُجرى الدراسات قبل سنوات من بدء أعمال الإنشاء.
اللجنة الدولية كشفت أوجه قصور في السد
وأوضح المفتي أنه في عام 2013 أصدرت اللجنة الدولية التي شكلتها الدول الثلاث تقريراً تضمن عدداً من الملاحظات والسلبيات المتعلقة بسد النهضة، معتبراً أن ممثلي السودان ومصر في اللجنة الفنية كان ينبغي أن يكتشفوا هذه الملاحظات قبل ذلك، إلا أنهم لم يفعلوا، مؤكداً أن هذا القصور لم يخضع لأي محاسبة.
وأشار إلى أن اللجنة الدولية خلصت إلى ملاحظتين أساسيتين:
أولاً: أن متطلبات أمان السد لم تكن مكتملة، وأن على إثيوبيا استكمالها، وهو ما جرى النص عليه صراحة في الفقرة الثامنة من إعلان مبادئ سد النهضة لعام 2015، إلا أن ذلك – بحسب قوله – لم يتحقق حتى الآن.
ثانياً: أن الدراسات الفنية الخاصة بالسد لم تكن مكتملة أيضاً، وطُلب من إثيوبيا استكمالها، إلا أنها لم تنجز ذلك حتى اليوم، وفقاً لما أورده المفتي.
إعلان المبادئ أعاد صياغة مبادئ اتفاقية عنتيبي لصالح إثيوبيا
وأكد المفتي أن إعلان مبادئ سد النهضة الصادر عام 2015 يمثل – من وجهة نظره – نسخة مختلفة ومشوّهة من المبادئ الخمسة عشر التي أُقرت بالإجماع في اتفاقية عنتيبي , موضحا أن تلك المبادئ كان من المفترض أن تُنقل حرفياً إلى إعلان المبادئ، إلا أنها تعرضت – بحسب قوله – لإعادة صياغة وتحريف وحذف لبعض النصوص بما يخدم الموقف الإثيوبي، ومن أبرزها حذف النص المتعلق بالأمن المائي الذي سبق الإشارة إليه.
إثيوبيا طبقت ما يخدم مصالحها فقط
وأشار المفتي إلى أن إثيوبيا، من وجهة نظره، تطبق من إعلان المبادئ فقط البنود التي تحقق مصالحها، متجاهلة البنود الأخرى , لافتا إلي أن إعلان المبادئ ينص بصورة صريحة على عدم البدء في ملء خزان سد النهضة قبل التوصل إلى اتفاق بشأن قواعد الملء والتشغيل، إلا أن إثيوبيا شرعت في عمليات الملء وأكملتها دون التوصل إلى هذا الاتفاق.
وأضاف أن مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأفريقي كانا قد طالبا إثيوبيا بعدم تنفيذ عمليات الملء بصورة أحادية، إلا أنها مضت في تنفيذها رغم اعتراض كل من السودان ومصر.
المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن إدارة الملف
واختتم الدكتور أحمد المفتي منشوره بالتأكيد على أن ما عرضه لا يمثل سوى جزء يسير من الملاحظات المتعلقة – بحسب رأيه – بالتفريط الذي حدث في الحقوق المائية السودانية خلال إدارة ملف سد النهضة , موضحا أن حجم ما يعتبره تفريطاً في حقوق السودان المائية “يشيب له الولدان”، مضيفاً أنه رغم ذلك ما زال الخبراء الذين يحملهم مسؤولية هذا الملف يواصلون، عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، الحديث عن فوائد سد النهضة للسودان.
وشدد المفتي على أنه لو جرت محاسبة المسؤولين عن أوجه التقصير التي صاحبت إدارة الملف، لما تجرأ هؤلاء الخبراء – بحسب تعبيره – على الاستمرار في طرح ما وصفه بأنه تضليل للرأي العام السوداني بشأن الفوائد المزعومة لسد النهضة.
إقرأ المزيد :
انحسار مياه النيل في السودان يثير المخاوف .. و خبير يربط الظاهرة بتشغيل سد النهضة




