السفير دكتور محمد حجازي يكتب : بريكس على مفترق طرق: اختبار الجدوى
مع انعقاد قمة نيودلهي ١٣-١٤ سبتمبر الجاري 2026، تجد بريكس نفسها أمام أكثر اللحظات المصيرية في حياتها المؤسسية القصيرة، فما بدأ في عام 2009 كاختصار فضفاض لأربعة اقتصادات ناشئة قد نما ليصبح تحالفاً من خمسة عشر عضواً يمتد عبر أربع قارات ، غير أن الحجم وحده لا يضمن الأهمية، وتقف المجموعة الآن على مفترق طرق حقيقي: فإما أن تنضج لتصبح محركاً عملياً للإصلاح لصالح الجنوب العالمي، وإما أن تتفكك تحت وطأة تناقضاتها الذاتية، والضغوط الخارجية ، ونظرا لأهميتها — لأعضائها وللعالم الأوسع — يتوقف نجاحها على المسار الذي تختاره.
ومن الصعب تجاهل الحجة الاقتصادية الهامة التي تحسب لصالح بريكس ، فالتكتل يمثل الآن ما يقارب نصف سكان العالم ونحو أربعين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ، وقد قفزت التجارة السلعية داخل بريكس من 84 مليار دولار فقط في عام 2003 إلى 1.17 تريليون دولار في عام 2024 ، وهذه ليست كما نلحظ أرقاماً مجردة؛ بل تعكس سلاسل توريد وأسواقاً وترابطاً حقيقياً، وبالنسبة للدول النامية التي ظلت طويلاً مستبعدة من المؤسسات التي يهيمن عليها الغرب، تقدم بريكس شيئاً نادراً: محفلا يسمح لكل دولة عضو بترجمة ثقلها الديموغرافي والاقتصادي وفي مناخ من الثقة والاعتماد المتبادل .
والأهم من ذلك أن الأجندة أصبحت عملية وتحقق مصلحة دولة فبنك التنمية الجديد، وآليات التسوية بالعملات المحلية، ومقترحات ربط أنظمة الدفع السريع مثل “UPI” الهندي و”Pix” البرازيلي تهدف جميعها إلى تقليل vulnerability للصدمات الخارجية والعقوبات. ومع تسوية 67 في المئة من التجارة داخل بريكس بالفعل بالعملات المحلية، لم يعد الطموح نظرياً, واذا أضفنا إلى ذلك التعاون في مجال العمل عنه الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية العامة وأمن الطاقة، وتبدأ بريكس في الظهور أقل كمناديل حوار وأكثر فأكثر كآلية تنفيذ للجنوب العالمي.
حجة الحذر
غير أن القوى الطاردة المركزية حقيقية بالقدر نفسه ، فالمجموعة منقسمة فهناك بين أعضائها منّ يرونها أداة لمواجهة الغرب — وعلي رأسها روسيا والصين وإيران — و من ناحية اخري بعض الأعضاء يفضلون تعاوناً عملياً دون قطع العلاقات الغربية، مثل الهند والبرازيل ومصر والإمارات , وهذا ليس خلافاً فلسفياً ثانوياً؛ كما اراة فهو يشكّل ويتدخل في صياغة كل بيان وكل تصريح مشترك وكل إعلان قمة، وقد عقّد الصدع بين إيران والإمارات بالفعل بناء التوافق، بينما تلقي التوترات الحدودية غير المحلولة بين الهند والصين بظلالها الطويلة على الأعمال وبيانات البريكس الختامية والموقف من القضايا الدولية, وأي تحالف لا يستطيع الاتفاق على غرضه الخاص لا يمكنه أن يدّعي بصدق أنه يقود علي ساحة دولية معقدة ومنقسمة.
وهناك أيضاً خطر التجاوز في العضوية ، وتاثيرها ، فتوسيع العضوية من أربع إلى خمس عشرة دولة وسّع التمثيل لكنه خفّف وهدّد التوافق التماسك. فكل عضو جديد يجلب معه مظالمه وتحالفاته وخطوطه الحمراء. وبدون إطار مؤسسي واضح لإدارة الخلاف، تخاطر بريكس بأن تصبح منتدى يتحدث فيه الجميع ولا يُقرر فيه شيء — وهو مصير لحق بالعديد من التجارب المتعددة الأطراف حسنة النية.
الرهانات الحقيقية
ما يجعل مفترق الطرق هذا بالغ الأهمية هو أن العالم يحتاج إلى نجاح بريكس — ليس كتكتل معادٍ للغرب، بل كقدرة بديلة عملية، ومنبر لتعددية تنصف دول الجنًًًٌوب ، فالهندسة الحالية للحوكمة العالمية، التي بُنيت من رماد الحرب العالمية الثانية عام 1945، لم تعد تعكس توزيع القوة الاقتصادية والديموغرافية، وإذا استطاعت بريكس أن تعمل كمنتدى ضغط لتحقيق ذلك الإصلاح لصالح الجنوب العالمي ، فإنها تخدم غرضاً هاما وتستعيد الاطار التعددي للعلاقات الدولية .
لكن أهميتها تكمن ايضا من وجهة نظر الكثير في ما يمكنها بناؤه، لا في ما يمكنها معارضته. وإذا أصبحت مجرد أداة للاستياء الجيوسياسي، فإنها ستبدد أثمن أصولها: وهو القدرة على جمع دول تختلف في الكثير لكنها تشترك في مصلحة مشتركة في نظام عالمي أكثر تعددية واحتراما لحقوق الجنوب، والاختبار إذا كما اري في قمة نيودلهي هو ما إذا كانت بريكس قادرة على الانتقال من الرمزية إلى الجوهر — من إعلان ثقلها إلى ممارسته بمسؤولية.
مفترق الطرق، كما اراة باختصار، ليس حول ما إذا كانت بريكس مهمة، بل حول ما إذا كانت بريكس قادرة على أن تكون مهمة على نحو جيد ومؤثر.
طالع أيضا :
قمة “بريكس” الـ 17 في ريو دي جانيرو تُبرز التمثيل الأفريقي الكبير




