الدكتورة أماني الطويل تكتب : جمال نكروما.. جسر الهوية الأفريقية ورهان الوحدة العابرة للحدود

رحل صديقي العزيز جمال نكروما الصحفي والمحلل السياسي البارز تاركا خلفه إرثا فكريا وإعلاميا غنيا يتجاوز ثقل الاسم التاريخي الذي حمله طوال مسيرته.
لم يكن جمال نكروما مجرد ابن للزعيم الغاني الراحل كوامي نكروما، أحد أبرز رموز تحرر القارة الأفريقية ومؤسسي أيديولوجيا “الجامعة الأفريقية”، بل كان صوتا تحليليا مستقلاً استطاع على مدى عقود طويلة أن يصوغ مسارا مهنيا وفكريا خادما لقضايا القارة واستقرارها الإقليمي، متسلحا برؤية استراتيجية واعية تعي تشابكات التاريخ وتعقيدات الواقع الجيوسياسي المعاصر.
لقد شكلت نشأة جمال نكروما حالة استثنائية وفريدة في التاريخ السياسي الحديث؛ إذ جاءت تسميته تيمناً بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لتجسد بوضوح التحالف التاريخي والرؤية المتقاطعة بين القاهرة وأكرا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وهو الارتباط الوجداني والسياسي الذي تعمق أكثر بزواج والده من السيدة المصرية فتحية رزق. هذا التداخل الثقافي والمركب الهوياتي منح جمال نكروما زاوية رؤية خاصة، جعلته يرى في العلاقات العربية الأفريقية مسارا استراتيجيا متكاملا لا يمكن فصل مكوناته الشمالية عن عمقه الحقيقي في جنوب الصحراء.
وعقب التحولات السياسية والانقلاب العسكري الذي شهدته غانا عام 1966، استقرت أسرته في القاهرة، حيث تشكل وعيه الفكري والسياسي في بيئة اتسمت بالزخم الثقافي والانشغال العميق بقضايا التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية. وقد انعكس هذا المزيج الهوياتي الفريد على خياراته المهنية؛ حيث اختار الصحافة والتحليل السياسي ساحة حقيقية للنضال والتعبير، بعيدا عن العمل الحزبي المباشر أو التكسب من الإرث السياسي العائلي التقليدي.
برز جمال نكروما كأحد المؤسسين والأقلام الرئيسية المؤثرة في صحيفة “الأهرام ويكلي” الصادرة باللغة الإنجليزية في تسعينيات القرن الماضي، حيث قاد قسم الشؤون الأفريقية والشرق أوسطية بمقاربة تحليلية اتسمت بالعمق والرصانة والالتزام المهني الصارم. لم تكن كتاباته الصحفية مجرد تغطية إخبارية روتينية للنزاعات والتطورات السياسية في القارة، بل كانت معالجات هيكلية تفكك ببراعة أزمات الدولة الوطنية في أفريقيا بعد الاستقلال، وتستكشف آليات التنمية المستدامة، وبناء السلام المجتمعي، وإصلاح المؤسسات الإقليمية المترهلة.
لقد استوعب جمال نكروما أبعاد المفهوم الحديث للوحدة الأفريقية، متجاوزاً الشعارات الأيديولوجية البراقة إلى استكشاف الأدوات التنفيذية والعملية للتقارب الحقيقي بين الشعوب. وظهر ذلك جليا في قراءاته الدقيقة لملفات القرن الأفريقي، وحوض النيل، وإقليم الساحل الأفريقي، حيث ركز دائماً على أهمية الدبلوماسية الوقائية، وإدارة الموارد المائية والتنموية وفق أطر التعاون الجماعي والمنفعة المتبادلة، محذرا مرارا من تداعيات التدخلات الخارجية واستقطابات المحاور الدولية على استقرار الأمن القومي القاري.
وعلى الصعيد الإنساني والفكري، عُرف الراحل في الأوساط الصحفية والأكاديمية بالقاهرة بتواضعه الجَم وانحيازه الدائم لقضايا كرامة الشعوب وحقوق الإنسان، فضلاً عن قدرته الاستثنائية على بناء الجسور بين النخب الفكرية في شمال أفريقيا ونظيراتها في دول أفريقيا جنوب الصحراء. لقد مثل وجوده المستمر في القاهرة نقطة ارتكاز حية للتواصل الثقافي والسياسي، وجسد عملياً إمكانية صياغة هويات متقاطعة تعزز ولاءات القارة وتكاملها الإقليمي دون إفراط أو تفريط.
إن رحيل جمال نكروما لا يمثل فقط فقدان قلم صحفي متمرس ومحلل خبير بالشؤون الأفريقية، بل يشكل خسارة فادحة لقامة فكرية وظفت الإرث التاريخي والرمزية السياسية للجيل الأول من قادة الاستقلال في خدمة قضايا المعرفة، والتنوير، وقراءة أزمات أفريقيا المعاصرة بأدوات تحليلية موضوعية نزيهة. يظل إرثه الكتابي وحضوره الفكري تذكرة حية ودائمة بأهمية تعميق الفهم المتبادل بين شمال القارة وجنوبها، وبأن مشروع الوحدة الأفريقية يظل ورشة عمل مستمرة تتطلب الالتزام الفكري والنضال الصحفي والاكاديمي المستنير.

طالع أيضاً
الرئيس السيسي: الدستور المصري لن يمس.. ونهاية مدة رئاستي للدولة محسومة




