الدكتور محمد عباس حقاق يكتب : الدبلوماسية الإسرائيلية في إفريقيا .. أدوات تعزيز الحضور وتحديات بناء النفوذ
لم تعد الدبلوماسية المعاصرة محصورة في تبادل السفراء وإصدار البيانات الرسمية أو عقد اللقاءات بين المسؤولين؛ إذ باتت تتشكل كذلك عبر أدوات اقتصادية وتعليمية وثقافية وفنية، تتيح للدول بناء علاقات تتجاوز التفاعلات السياسية الآنية، وفي السياق الإفريقي، تتداخل هذه الأدوات مع اعتبارات الموقع الجغرافي، وأمن البحر الأحمر، والتنافس الإقليمي، واحتياجات التنمية وبناء القدرات.
تُظهر المادة محل الدراسة أن السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه عدد من الدول الإفريقية، ولا سيما دول حوض النيل والقرن الإفريقي، اعتمدت على مسارات متعددة، تشمل تنشيط العلاقات الرسمية، وتوسيع التمثيل الدبلوماسي، وتطوير الصلات التعليمية والثقافية، والسعي إلى إقامة شراكات اقتصادية وفنية، غير أن وصف هذه المسارات لا يكفي وحده لإثبات تحقق النفوذ؛ فذلك يتطلب تتبع النتائج الملموسة، ومواقف الحكومات، وطبيعة الاتفاقيات، ومدى استمرارية التعاون.
تتمثل إشكالية المقال في السؤال الآتي: كيف توظف إسرائيل الأدوات الدبلوماسية والسياسية والثقافية والاقتصادية في بناء حضورها داخل إفريقيا، وبخاصة في دول حوض النيل والقرن الإفريقي، وما حدود الاستدلال على أثر هذه الأدوات في النفوذ الإقليمي؟
ويهدف المقال إلى تصنيف أبرز الأدوات الواردة في المادة الأصلية، وبيان الصلات بينها، وتحديد ما يحتاج منها إلى توثيق إضافي قبل استخلاص أحكام سببية.
ويعتمد المقال منهجًا وصفيًا تحليليًا في تنظيم المادة المتاحة وتفسير دلالاتها في إطار دراسة السياسة الخارجية والقوة الناعمة. ويظل نطاق الاستنتاجات مقيدًا بالمعلومات الواردة في النص المقدم؛ لذلك لا تُعد الإشارات التي تحتاج إلى مصادر أولية نتائج نهائية مثبتة، بل نقاطًا تستلزم التحقق والتوثيق.
أولًا: الدبلوماسية الرسمية وإدارة العلاقات السياسية
تمثل العلاقات الرسمية مدخلًا أساسيًا لبناء الحضور الخارجي؛ فهي توفر قنوات للتفاوض، وتبادل المعلومات، وتنسيق المصالح، وإبرام الاتفاقيات. وتشير المادة الأصلية إلى اعتماد إسرائيل على الزيارات رفيعة المستوى والاتصالات الثنائية وتطوير عمل البعثات الدبلوماسية في عدد من الدول الإفريقية. ويُفهم من ذلك أن الدبلوماسية الرسمية تؤدي وظيفتين متكاملتين: إظهار الاهتمام السياسي بالدول المستهدفة، وإنشاء قنوات مؤسسية يمكن توظيفها في مجالات التعاون المختلفة.
وتورد المادة زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أوغندا وكينيا ورواندا وإثيوبيا في يوليو 2016، كما تشير إلى زيارات قام بها مسؤولون إسرائيليون إلى دول إفريقية في سنوات سابقة. ويمكن قراءة الزيارات رفيعة المستوى بوصفها أداة لإعادة تنشيط العلاقات وإبراز أولويات السياسة الخارجية، إلا أن تقييم أثرها يتطلب فحص الاتفاقيات والنتائج التي أعقبتها، بدلًا من افتراض أن الزيارة وحدها أدت بالضرورة إلى تحول استراتيجي.
وتبرز السفارات والبعثات الدبلوماسية بوصفها مؤسسات دائمة لإدارة العلاقات الثنائية ومتابعة الملفات السياسية والاقتصادية، كما تشير المادة إلى دور رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية والكنيست والأجهزة الرسمية الأخرى في رسم التوجهات وتنفيذها، ومن منظور مؤسسي، لا يتحدد أثر هذه الجهات بمجرد وجودها، بل بمدى التنسيق بينها، واستمرارية أولوياتها، وقدرتها على تحويل الاتصالات السياسية إلى برامج واتفاقيات قابلة للتنفيذ.
وتتطلب الإشارة إلى دور المؤسسات البحثية ومراكز الدراسات في صياغة السياسة الخارجية توضيح أسماء المؤسسات، وطبيعة الدراسات التي أنتجتها، وكيفية انعكاسها على قرارات محددة. ومن دون هذه الأدلة، يظل الربط بين المعرفة البحثية وصنع القرار تفسيرًا محتملًا يحتاج إلى إسناد.
ثانيًا: التعليم والتدريب والثقافة بوصفها أدوات للقوة الناعمة
تتجاوز أدوات التأثير الدبلوماسي المجال الحكومي لتصل إلى الجامعات ومراكز التدريب والنقابات والمؤسسات المدنية، وتعرض المادة الأصلية المنح الدراسية، وتبادل الخبراء والطلاب، وبرامج التدريب الفني وبناء القدرات في قطاعات مثل الزراعة والصحة والتعليم والتنمية المحلية، باعتبارها مسارات لتوسيع التواصل مع المجتمعات والنخب الإفريقية.
وتكمن أهمية هذه الأدوات في قدرتها المحتملة على إنشاء روابط طويلة الأمد، وتبادل الخبرات، وتكوين معرفة متبادلة بين المؤسسات والأفراد، وقد تسهم البرامج التعليمية والتدريبية في تحسين صورة الدولة المقدِّمة لها أو في تعزيز حضورها المؤسسي، لكن هذا الأثر لا ينبغي افتراضه تلقائيًا؛ إذ يتوقف على طبيعة البرامج، ومدى استفادة الشركاء المحليين منها، واستدامتها، ومدى استقلال قرارات المستفيدين عن المصالح السياسية للدولة المقدِّمة.
وتشير المادة كذلك إلى التواصل مع النقابات المهنية والاتحادات العمالية والجمعيات الأهلية، وإلى دور الاتحاد العام لنقابات العمال الإسرائيلي، المعروف باسم «الهستدروت»، في تبادل الوفود والخبرات. ولتحويل هذه الإشارة إلى حجة أكاديمية متماسكة، ينبغي تحديد الدول والنقابات المعنية، والفترة الزمنية، والبرامج المنفذة، ومصادر التمويل، والنتائج الموثقة.
كما يلزم التمييز بين التعاون المهني أو الإنساني بوصفه نشاطًا قائمًا بذاته وبين توظيفه المقصود لتحقيق أهداف سياسية؛ فالأخير يحتاج إلى دليل مباشر أو قرائن موثوقة.
وتتصل هذه الأدوات بمفهوم القوة الناعمة، الذي يشير عمومًا إلى القدرة على التأثير من خلال الجاذبية والإقناع والتواصل، بدلًا من الإكراه وحده، غير أن استخدام المفهوم لا يعني أن كل برنامج ثقافي أو تعليمي يحقق نفوذًا سياسيًا بالفعل ، لذلك ينبغي قياس الأثر من خلال مؤشرات مثل استمرارية الشراكات، وتطور المواقف الرسمية، ونتائج استطلاعات الرأي عند توافرها، أو وجود وثائق تربط البرامج بأهداف سياسية محددة.
ثالثًا: التعاون الاقتصادي والفني ومجالات التنمية
تقدم المادة التعاون الاقتصادي بوصفه مسارًا آخر لبناء العلاقات، من خلال التجارة والاستثمار والمشروعات الزراعية والخبرات الفنية في مجالات الري وإدارة المياه والطاقة والتعدين والنقل والخدمات. وتنبع أهمية هذا المسار من أن التعاون الاقتصادي قد يخلق مصالح متبادلة، ويؤسس لعلاقات متكررة بين الشركات والمؤسسات الحكومية، ويتيح استمرار التواصل حتى عندما تتغير الظروف السياسية.
وتذكر المادة أن المساعدات والقروض والخبرات الفنية قد ترتبط بتوسيع أسواق المنتجات والخدمات الإسرائيلية. ويحتاج هذا الادعاء إلى تفصيل موثق: ما البرامج أو القروض المقصودة؟ وما شروطها؟ وما حجمها وتوزيعها الجغرافي؟ وهل توجد وثائق تثبت ربط المساعدة بشراء منتجات أو خدمات بعينها؟ فهذه الأسئلة ضرورية لتجنب تحويل استنتاج عام عن المصالح الاقتصادية إلى حكم قاطع بشأن شروط التعاون.
كما تبرز الزراعة وإدارة الموارد المائية في النص بوصفهما مجالين مهمين للعلاقات مع دول حوض النيل، مع إشارة خاصة إلى إثيوبيا، ونظرًا إلى حساسية ملف المياه وتشابكه مع الأمن والتنمية والسيادة الوطنية، ينبغي التمييز بين التعاون الفني في الري والتكنولوجيا الزراعية من جهة، وبين الادعاءات المتعلقة بالسعي إلى الحصول على مياه النيل أو التأثير في قرارات دول المنبع من جهة أخرى. فكل ادعاء من النوع الثاني يتطلب وثائق تاريخية أو رسمية محددة، ولا يكفي لإثباته وجود تعاون زراعي أو مائي.
ويقتضي التحليل الاقتصادي كذلك عدم اختزال العلاقات في مصلحة طرف واحد؛ إذ قد تسعى الدول الإفريقية إلى تنويع الشركاء والحصول على التكنولوجيا والاستثمار والخبرة الفنية، فيما تسعى إسرائيل إلى تعزيز أسواقها وشبكاتها وعلاقاتها السياسية. وتساعد دراسة مصالح الطرفين وشروط التفاوض ونتائج المشروعات على تفسير العلاقة بصورة أدق من الاكتفاء بوصفها أداة نفوذ أحادية الاتجاه.
رابعًا: دول حوض النيل والقرن الإفريقي في الحسابات الاستراتيجية
تولي المادة اهتمامًا خاصًا بإثيوبيا وإريتريا، بالنظر إلى موقعهما في القرن الإفريقي واتصالهما بأمن البحر الأحمر، كما تتناول دولًا أخرى في حوض النيل وشرق إفريقيا. ويمنح هذا النطاق الجغرافي العلاقات الثنائية أهمية تتجاوز التعاون القطاعي؛ فالموقع الاستراتيجي، والممرات البحرية، والتفاعلات الإقليمية، وتعدد الشركاء الخارجيين كلها عوامل قد تؤثر في حسابات السياسة الخارجية.
ومع ذلك، فإن جمع دول مختلفة في إطار واحد لا يعني تطابق دوافعها أو نتائج علاقاتها بإسرائيل. فلكل دولة أولوياتها الداخلية والإقليمية، وبنيتها المؤسسية، وتصوراتها للأمن والتنمية، ومن ثم، فإن تعميم استنتاجات مستمدة من حالة إثيوبيا أو إريتريا على بقية دول حوض النيل يتطلب مقارنة منهجية تراعي اختلاف السياقات والفترات الزمنية.
كما ينبغي الفصل بين ثلاثة مستويات تحليلية: أولها أدوات السياسة الخارجية التي تستخدمها إسرائيل؛ وثانيها استجابات الحكومات والمؤسسات الإفريقية لهذه الأدوات؛ وثالثها النتائج التي يمكن إثباتها في صورة اتفاقيات أو استثمارات أو تغيرات في المواقف والسياسات. ويساعد هذا الفصل على تجنب الخلط بين النشاط الدبلوماسي والقدرة على التأثير، وبين النوايا المفترضة والنتائج القابلة للرصد.
خامسًا: نحو تقييم أدق للنفوذ الدبلوماسي
تستند الدبلوماسية الإسرائيلية في إفريقيا إلى مجموعة متنوعة من الوسائل، تشمل العلاقات السياسية الرسمية، والتعاون الاقتصادي والفني، وبرامج التعليم والتدريب، والتبادل الثقافي ، وتوظف إسرائيل هذه الوسائل في إطار سعيها إلى تعزيز حضورها في القارة وتوسيع شبكة علاقاتها مع الدول الإفريقية.
ويستدعي التقييم الأكاديمي وضع مؤشرات واضحة للنفوذ، مثل استمرارية العلاقات، وتنفيذ الاتفاقيات، وحجم التبادل التجاري والاستثماري، ونتائج برامج التعاون، ومدى انعكاس العلاقة على القرارات أو المواقف الرسمية.
كما ينبغي الانتباه إلى العوامل المنافسة التي قد تفسر النتائج نفسها، بما فيها مصالح الدول الإفريقية الذاتية، وأدوار الشركاء الدوليين الآخرين، والتحولات الداخلية والإقليمية.
ومن الضروري أيضًا استخدام لغة تحليلية متوازنة؛ فمصطلحات مثل «الاختراق» أو «السيطرة» أو «التبعية» تحمل أحكامًا قوية لا ينبغي اعتمادها دون أدلة كافية. ويمكن، عند غياب الأدلة الحاسمة، استخدام تعبيرات أكثر انضباطًا مثل «توسيع الحضور»، أو «تعزيز قنوات التعاون»، أو «السعي إلى بناء النفوذ»، مع التمييز الواضح بين الهدف المعلن والنتيجة المثبتة.
الخاتمة
وتتمثل النتيجة التحليلية الأهم في أن تنوع أدوات التواصل قد يتيح بناء علاقات أكثر استمرارية، لكنه لا يثبت بذاته تحقق نفوذ سياسي أو تغير مواقف الدول. فإثبات ذلك يستلزم تتبعًا موثقًا للاتفاقيات والمشروعات والنتائج، مع مراعاة مصالح الحكومات الإفريقية وفاعليتها في اختيار شركائها، كما أن الادعاءات المتعلقة بالمياه والمساعدات المشروطة والروابط الأمنية تحتاج إلى مصادر أصلية دقيقة قبل نشرها بوصفها نتائج بحثية.
وعليه، فإن تقييم الحضور الإسرائيلي في إفريقيا يتطلب الجمع بين تحليل أدوات السياسة الخارجية الإسرائيلية، ودراسة مواقف الدول الإفريقية تجاهها، وفحص النتائج الفعلية للتعاون بين الجانبين، فزيادة النشاط الدبلوماسي لا تعني بالضرورة نجاح إسرائيل في تحقيق أهدافها أو تعزيز نفوذها داخل القارة، إذ يتوقف ذلك على طبيعة استجابات الدول الإفريقية ومدى تحقق المصالح الاستراتيجية المنشودة، ومن ثم، تظل الاستعانة بالمصادر الموثوقة والتحقق من الوقائع ضرورة أساسية لضمان دقة التحليل وموضوعيته.
* الدكتور محمد عباس سعد .. ماجيستير الدراسات الإفريقية .
طالع أيضاً
الرئيس السيسي: الدستور المصري لن يمس.. ونهاية مدة رئاستي للدولة محسومة

