انقسام غير مسبوق داخل الكنيسة الأنجليكانية: حركة Gafcon تعلن قيادة موازية وسط خلاف لاهوتي مع كنيسة إنجلترا

تعمّق الانقسام داخل كنيسة كانتربري
أعلن قادة التيار المحافظ داخل الكنيسة الأنجليكانية ” كانتربري “، خلال اجتماع عقد في العاصمة النيجيرية أبوجا، عن خطوة جديدة تعكس تعمّق الانقسام داخل الكنيسة العالمية، وذلك عبر إنشاء مجلس قيادة مستقل موازٍ لهيكل القيادة التقليدي المرتبط بكنيسة إنجلترا.
وجاء هذا الإعلان في إطار تحوّل استراتيجي لحركة Gafcon، التي تخلّت عن خطتها السابقة بانتخاب شخصية منافسة مباشرة لمنصب رئيس أساقفة كانتربري، مفضلةً إنشاء مجلس قيادة مستقل يركّز على ما وصفته بـ«الحكم القائم على النصوص المقدسة» بدلاً من الالتزام بالهياكل المؤسسية التاريخية الممتدة لقرون.
وتأتي هذه الخطوة قبل أسابيع قليلة من التنصيب الرسمي لسارة مولالي كأول امرأة تتولى منصب رئيس أساقفة كانتربري، وهو ما يعمّق الخلاف داخل الطائفة الأنغليكانية التي يقدَّر عدد أتباعها حول العالم بنحو 95 مليون شخص.
التخلي عن فكرة انتخاب زعيم منافس لرئيس أساقفة كانتربري
كان القادة المحافظون قد ناقشوا سابقاً فكرة انتخاب زعيم يحمل لقب “Primus inter pares”، وهو مصطلح لاتيني يعني «الأول بين متساوين»، وهو اللقب الذي يعبّر عن مكانة رئيس أساقفة كانتربري داخل الكنيسة الأنغليكانية العالمية باعتباره المرجعية الروحية الرمزية للطائفة.
وكان انتخاب شخصية أخرى تحمل اللقب ذاته سيُفسَّر على نطاق واسع باعتباره تحدياً مباشراً لقيادة سارة مولالي، خصوصاً مع اقتراب موعد تسلّمها مهامها رسمياً.
لكن حركة Gafcon أعلنت بدلاً من ذلك أنها ستتخلى عن الهياكل والألقاب التقليدية، وتؤسس مجلس قيادة جديداً يرأسه رئيس أساقفة رواندا لوران مباندا.
جدل حول طبيعة الخطوة الجديدة
أثار الإعلان عن القيادة الجديدة بعض التساؤلات بين الصحفيين خلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد يوم الخميس، حيث اعتبر بعض المراقبين أن الخطوة لا تزال تمثل تحدياً غير مباشر لقيادة الكنيسة التقليدية.
وعند سؤاله مراراً عما إذا كان أعضاء حركة Gafcon ما زالوا يعترفون بالسلطة العليا لرئيس أساقفة كانتربري، قال المتحدث باسم الحركة، القس جاستن مورف: «المجلس الأنجليكاني العالمي يعترف برئيس أساقفة رواندا لوران مباندا زعيماً له، بينما سارة مولالي هي رئيسة أساقفة كانتربري».
ويبلغ عدد أتباع الكنيسة الأنجليكانية حول العالم نحو 95 مليون شخص، ويُعد رئيس أساقفة كانتربري تقليدياً الشخصية الروحية الأبرز للطائفة, ومن المقرر أن يتم تنصيب مولالي رسمياً خلال احتفال سيقام في كانتربري في وقت لاحق من هذا الشهر.
خلافات تتجاوز قضية القيادة
أثار تعيين سارة مولالي ردود فعل متباينة في نيجيريا وعدد من الدول الأخرى، حيث يرى العديد من المسيحيين المحافظين أن منصب الأسقف يجب أن يقتصر على الرجال.
لكن حركة Gafcon أكدت خلال المؤتمر الصحفي أن الخلاف مع كنيسة إنجلترا لا يتعلق أساساً بقضية النوع الاجتماعي أو التوجهات الجنسية، بل يرتبط بجوهر العقيدة الدينية.
وقال القس مورف للصحفيين: «القضية ليست زواج المثليين، ولا تتعلق بوجود رئيسة أساقفة امرأة، بل بالسؤال الأهم: هل تحكم النصوص المقدسة حياة الكنيسة أم الثقافة المعاصرة؟».
ومع ذلك، أشار أيضاً إلى أن مولالي «روّجت مراراً لتعاليم غير كتابية ومراجِعة لمفاهيم الزواج والأخلاق الجنسية»، في إشارة إلى دعمها لاتحادات المثليين، وهو موقف تعتبره الحركة «مخالفاً للنصوص المقدسة».
وأضاف مورف أن «غالبية الكنيسة الأنجليكانية العالمية ما زالت ترى أن الكتاب المقدس يشترط أن يكون منصب الأسقف مقتصراً على الرجال».
حركة Gafcon ونفوذها داخل الجنوب العالمي
تضم حركة Gafcon أعضاء من مناطق متعددة حول العالم، بما في ذلك إفريقيا وآسيا والأمريكتين وأستراليا، وتقول إنها تمثل غالبية الكنائس في الجنوب العالمي، رغم أن هذا الادعاء محل جدل.
ويعيش نحو ثلثي أتباع الكنيسة الأنغليكانية في إفريقيا، إلا أن المواقف داخل القارة ليست موحدة بالكامل، إذ توجد ست أساقفة نساء في الكنائس الأنجليكانية الإفريقية.
أما رئيس المجلس الجديد، رئيس أساقفة رواندا لوران مباندا، فقد امتدت مسيرته عبر عدة دول وعلى مدار عقود. فقد عاش طفولته لاجئاً في بوروندي، كما أمضى سنوات في الولايات المتحدة حيث درس اللاهوت وأسّس مشروعاً تجارياً لإرسال الملابس المعاد تدويرها إلى دول إفريقية.
كما ألّف كتاباً سيرياً بعنوان «من حافي القدمين إلى أسقف: رحلة لاجئ رواندي»، وصفه موقع Church Times بأنه «سرد استثنائي لبداياته ومسيرته».
جذور الانقسام داخل الكنيسة الأنغليكانية
تمثل خطوة إنشاء المجلس القيادي الجديد تتويجاً لعقود من الخلافات اللاهوتية داخل الكنيسة الأنغليكانية، خصوصاً حول قضايا مثل رسامة رجال الدين من مجتمع الميم، ومنح البركات الدينية للعلاقات المثلية.
وكانت هذه القضايا سبباً رئيسياً في الخلاف بين المحافظين ورئيس أساقفة كانتربري السابق جاستن ويلبي.
وقد تأسست حركة Gafcon عام 2008 رداً على هذه التطورات، متهمة كنيسة إنجلترا بالتخلي عن التعاليم الكتابية لصالح التأثر بالثقافة الحديثة وفرض رؤيتها على بقية الكنائس الأنغليكانية حول العالم.
في المقابل، يرى آخرون أن الكنيسة لم تواكب التغيرات الاجتماعية بما يكفي.
رد فعل الكنيسة الأنجليكانية الرسمية
أعرب متحدث باسم مكتب الطائفة الأنغليكانية في لندن عن خيبة أمله من قرار حركة Gafcon، معتبراً أنها تجاوزت «عملية المشاورات العالمية الطويلة والمشجعة بشأن هوية الكنيسة الأنغليكانية وهياكلها وقيادتها».
وأضاف المتحدث:«ندرك أن هناك ألماً وانقساماً داخل العائلة الكنسية، لكن المسيح يدعو كنيسته إلى الوحدة».
مستقبل العلاقة بين الأطراف المختلفة
من المقرر أن تناقش الطائفة الأنجليكانية مقترحات جديدة للتعامل مع الخلافات الداخلية خلال مؤتمر يعقد في مدينة بلفاست في شهر يونيو المقبل.
لكن حركة Gafcon أعلنت أنها لن تشارك في المؤتمر، لأنها لم تعد تعترف بهذه الهيئة.
في المقابل، توجد مجموعة محافظة أخرى تُعرف باسم التحالف العالمي لكنائس الجنوب الأنجليكانية (GSFA)، والتي أبدت استعدادها للمشاركة في الحوار ومناقشة المقترحات المطروحة.
ولا يزال من غير الواضح كيف ستتطور العلاقة بين حركة Gafcon وكنيسة إنجلترا في المستقبل، أو كيف سيؤثر هذا الانقسام على الروابط المشتركة بين الكنائس الأنغليكانية حول العالم.
ورغم أن الحركة لم تنتخب زعيماً بديلاً لمنصب رئيس أساقفة كانتربري، فإن إنشاء مجلس قيادة مستقل يمثل عملياً هيكلاً قيادياً موازياً، ويؤكد تعمّق الانقسام داخل الكنيسة الأنغليكانية العالمية.
إقرأ المزيد :
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية: تفتتح ملتقى لوجوس الخامس للشباب
