رامي زهدي يكتب : السودان بين نيران الداخل وضجيج الحروب الكبرى.. هل تضيع أزمته في ظل التصعيد الإيراني الإسرائيلي الأمريكي؟”

على وقع الأزمات المتلاحقة والصراعات الكبرى، تبدو بعض الحروب وكأنها تتزاحم على مساحة الاهتمام الدولي، بينما تتراجع أخرى إلى الهامش رغم فداحة كلفتها الإنسانية والسياسية، ومن بين هذه الحروب التي تواجه خطر التهميش في خضم الصراع الدولي المتصاعد، تأتي الحرب في السودان التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وميليشيات قوات الدعم السريع، لتدخل عامها الثالث وهي تتسع جغرافيا وتتعقد سياسيا وإنسانيا، في وقت يتجه فيه تركيز القوى الدولية والإعلام العالمي نحو بؤر توتر أكثر ارتباطا بتوازنات القوى الكبرى، وعلى رأسها التوتر المتصاعد بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
ربما هذا التحول في بوصلة الاهتمام الدولي يطرح تساؤلا استراتيجيا مهما وهو أين تقف الأزمة السودانية في خريطة الصراعات الدولية الجديدة؟ وهل يمكن أن تتراجع أولويات المجتمع الدولي تجاه السودان في ظل تصاعد احتمالات الحرب في الشرق الأوسط؟ أم أن موقع السودان الجيوسياسي قد يجعله جزءا من معادلة التنافس الإقليمي والدولي بدلا من أن يكون ضحية التهميش فقط؟
لفهم هذه المعادلة، ينبغي النظر أولا إلى طبيعة الأزمة السودانية نفسها، فالحرب التي اندلعت بين الجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان و ميليشيات قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو لم تعد مجرد صراع على السلطة داخل دولة انتقالية مضطربة، بل تحولت تدريجيا إلى حرب مركبة ذات أبعاد سياسية واقتصادية وإقليمية معقدة، فالسودان الذي يمتلك ثالث أكبر مساحة في إفريقيا، ويطل على البحر الأحمر عبر ساحل يتجاوز 850 كيلومترا، ويقع على تقاطع استراتيجي بين القرن الإفريقي ومنطقة الساحل وشمال إفريقيا، يمثل في الواقع نقطة تماس بين عدة دوائر نفوذ إقليمية ودولية.
هذه الجغرافيا الاستراتيجية جعلت الصراع السوداني محط اهتمام قوى متعددة، بدءا من القوى الإقليمية في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، مرورا بروسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وصولا إلى الصين التي ترى في السودان جزءا مهما من شبكات الاستثمار والبنية التحتية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، ومع ذلك، فإن حجم الاهتمام الدولي بالسودان ظل أقل بكثير من حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها.
تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الحرب السودانية تسببت في نزوح أكثر من 10 ملايين شخص داخل السودان وخارجه، وهو ما يجعلها واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم حاليا، كما يحتاج أكثر من 25 مليون سوداني، أي ما يزيد على نصف السكان، إلى مساعدات إنسانية عاجلة، وقد تعرضت قطاعات اقتصادية كاملة للانهيار، حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي للسودان بنحو 40% منذ اندلاع الحرب، بينما ارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات قياسية تجاوزت 200% في بعض الفترات.
ورغم هذه الأرقام الكارثية، فإن الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية بدأ يتراجع تدريجيا مع اندلاع أزمات دولية أخرى أكثر ارتباطا بحسابات الأمن القومي للقوى الكبرى، فالحرب الروسية الأوكرانية، ثم الحرب في غزة، والآن التصعيد المتزايد بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، كلها صراعات تستحوذ على قدر كبير من الموارد الدبلوماسية والسياسية والإعلامية العالمية.
في هذا السياق، يمكن القول إن السودان يواجه خطرا مزدوجا مابين خطر استمرار الحرب الداخلية واستنزاف الدولة والمجتمع، وخطر التراجع في أولويات المجتمع الدولي في ظل انشغال القوى الكبرى بصراعات أخرى أكثر حساسية بالنسبة لها.
غير أن القراءة الاستراتيجية الأعمق تشير إلى أن السودان قد لا يظل بعيدا تماما عن تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط. فالبحر الأحمر، الذي يمثل أحد أهم الممرات التجارية في العالم حيث تمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية، أصبح خلال العامين الأخيرين ساحة تنافس جيوسياسي متصاعد بين عدة قوى إقليمية ودولية.
وقد أدت الهجمات التي استهدفت الملاحة في البحر الأحمر خلال الفترة الماضية إلى إعادة تسليط الضوء على الأهمية الاستراتيجية لسواحل هذه المنطقة، وهو ما يجعل السودان، بوصفه أحد أهم الدول المطلة على البحر الأحمر، جزءا من معادلة الأمن الإقليمي في هذه المنطقة الحساسة.
كما أن القوى الدولية والإقليمية تنظر إلى السودان باعتباره ساحة محتملة لتوسيع النفوذ العسكري أو اللوجستي في البحر الأحمر، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بملف القواعد العسكرية في المنطقة، فروسيا، على سبيل المثال، سعت خلال السنوات الماضية إلى إنشاء قاعدة بحرية في بورتسودان، بينما تراقب الولايات المتحدة والدول الأوروبية عن كثب أي تحركات قد تغير ميزان القوى في هذه المنطقة الحيوية.
وفي حال تصاعدت المواجهة بين إيران وإسرائيل أو تحولت إلى صراع إقليمي أوسع، فإن البحر الأحمر قد يتحول إلى مسرح أكثر سخونة للتنافس العسكري والبحري، وهو ما قد يرفع من الأهمية الاستراتيجية للسودان مرة أخرى، ولكن ليس بالضرورة بطريقة تخدم استقرار هذا البلد المنهك.
هنا تبرز مفارقة لافتة في المشهد السوداني، فبينما قد يؤدي انشغال العالم بالصراعات الكبرى إلى تراجع الاهتمام بجهود التسوية السياسية في السودان، فإن الموقع الجيوسياسي للسودان قد يعيده إلى حسابات القوى الدولية إذا ارتبطت تطورات الحرب الإقليمية بأمن البحر الأحمر أو طرق التجارة الدولية.
وفي تقديري، فإن أحد أخطر السيناريوهات المحتملة يتمثل في تحول السودان إلى ساحة تنافس غير مباشر بين قوى إقليمية أو دولية، خاصة إذا طال أمد الحرب الحالية وازداد ضعف مؤسسات الدولة، فالتاريخ القريب في عدد من مناطق العالم يبين أن الدول التي تعاني من فراغات أمنية وسياسية طويلة تصبح أكثر عرضة لأن تتحول إلى مسارح لصراعات الوكالة.
كما أن استمرار الحرب السودانية يهدد بتداعيات إقليمية أوسع على منطقة القرن الإفريقي ومنطقة الساحل الإفريقي، وهي مناطق تعاني أصلا من هشاشة أمنية وسياسية متزايدة، فالسودان يمثل نقطة ارتكاز جغرافية بين عدة أقاليم إفريقية، وأي انهيار طويل الأمد فيه قد يؤدي إلى موجات هجرة جديدة، وتوسع نشاط الجماعات المسلحة، وازدياد الضغوط على دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا.
أما بالنسبة لمصر، فإن استقرار السودان يمثل مسألة ذات أهمية استراتيجية مباشرة، ليس فقط بسبب الروابط التاريخية والجغرافية بين البلدين، ولكن أيضا بسبب ارتباط الأمن القومي المصري بأمن وادي النيل والبحر الأحمر، ولهذا ظلت القاهرة منذ بداية الأزمة السودانية تدعو إلى وقف إطلاق النار والحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع انهيارها.
وفي ضوء التصعيد الإقليمي المتزايد، تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى لإعادة وضع الأزمة السودانية على جدول الأولويات الإقليمية والدولية، فترك السودان يغرق في حرب استنزاف طويلة لن يؤدي فقط إلى كارثة إنسانية أعمق، بل قد يفتح الباب أمام تداعيات جيوسياسية أكثر خطورة على المدى المتوسط.
السودان لا ينبغي أن يتحول إلى أزمة منسية في ظل ضجيج الحروب الكبري، فاستقرار هذا البلد يمثل ركيزة أساسية لاستقرار منطقة واسعة تمتد من وادي النيل إلى القرن الإفريقي والبحر الأحمر، كما أن أي تسوية سياسية مستدامة في السودان يمكن أن تسهم في إعادة بناء دولة تمتلك موارد طبيعية هائلة وإمكانات اقتصادية كبيرة، إذا ما توفرت لها بيئة سياسية مستقرة.
وفي لحظة دولية تبدو فيها بوصلة الاهتمام العالمي شديدة التقلب، يبقى التحدي الحقيقي هو ألا يسمح المجتمع الدولي بأن تتحول الأزمة السودانية إلى حرب صامتة خارج دائرة الضوء، فالتاريخ يعلمنا أن الحروب التي يجري تجاهلها لفترة طويلة غالبا ما تعود لاحقا بشكل أكثر تعقيدا وكلفة.
ومن هنا فإن القراءة الواقعية للمشهد تشير إلى أن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق حقيقي: إما أن يظل عالقا في دوامة حرب داخلية تتآكل معها الدولة تدريجيا، بينما ينشغل العالم بصراعات أخرى، أو أن تنجح الجهود الإقليمية والدولية في إعادة إطلاق مسار سياسي جاد يعيد للسودان فرصة الخروج من أزمته قبل أن تتحول إلى جرح مفتوح في الجسد الإفريقي لسنوات طويلة قادمة.
- رامي زهدي .. خبير في الشؤون الإفريقية .
إقرأ المزيد :




