أخبار عاجلةفن وثقافة

مصر تتصدر خريطة القراءة في إفريقيا: تقرير يكشف الدول الأكثر شغفًا بالكتب في القارة خلال 2026

في قلب قارة إفريقيا، تتشكل ملامح تحول ثقافي هادئ يعيد رسم صورة القراءة والمعرفة في المنطقة. فمن تحت أضواء الشوارع الذهبية في ميدان التحرير بالقاهرة، وصولًا إلى المقاهي الأدبية النابضة بالحياة في مدينة الإسكندرية، تتكشف ثورة فكرية جديدة لا تُقاس بالاحتجاجات أو الحشود، بل بعدد الصفحات التي يقرأها الناس يوميًا.

وعلى امتداد القارة من ضفاف نهر النيل حتى أقصى جنوب إفريقيا، يتضح أن ما يُعرف بـ”نور المعرفة” في إفريقيا ليس في حالة خفوت كما يعتقد البعض، بل يشتعل بقوة ، وتأتي مصر  في مقدمة هذا المشهد الثقافي، حيث تقود موجة جديدة من الاهتمام بالقراءة والكتاب، مؤكدة أن العقل المتسلح بالمعرفة يظل أقوى أدوات القوة في العالم.

بالنسبة للقارئ المصري المعاصر، لا يمثل الكتاب مجرد وسيلة للترفيه أو التثقيف العابر، بل يُعد رفيقًا أساسيًا في الحياة اليومية، ففي الوقت الذي تسببت فيه وسائل التواصل الاجتماعي والمحتوى الرقمي السريع في تقليص فترات التركيز لدى كثيرين حول العالم، ما تزال شوارع مصر ومكتباتها العامة ومعارض الكتب فيها تشكل ملاذًا حيًا للكلمة المكتوبة.

وتُعد مصر، في هذا السياق، بمثابة القلب الثقافي النابض للقارة الإفريقية، حيث تقود حركة فكرية متنامية ترى في القراءة أداة للتمكين المعرفي والاقتصادي. ويتجلى هذا الدور بوضوح في الفعاليات الثقافية الكبرى، وعلى رأسها مهرجان القاهرة الدولي للكتاب Cairo International Book Fair الذي يُعد واحدًا من أكبر معارض الكتب في العالم، ويستقطب ملايين الزوار سنويًا من مختلف الدول.

كما أن المشهد الثقافي الإفريقي يشهد تحولات ملحوظة في دول مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا ، حيث يتزايد اهتمام الشباب بالقراءة والكتب في ظل صعود طبقات متعلمة ومتصلة بالتكنولوجيا.

وتكشف البيانات الحديثة أن الصورة النمطية القديمة التي كانت تصف إفريقيا بأنها “قارة لا تقرأ” بدأت تتلاشى تدريجيًا، مع ظهور موجة جديدة من القراء الذين يسعون لاكتساب المعرفة ومواكبة التحولات العالمية.

وفيما يلي قائمة تفصيلية بأكثر عشر دول إفريقية شغفًا بالقراءة، وفق تقديرات مؤشرات الثقافة العالمية وتقارير صناعة النشر في القارة.

مصر: القوة الأدبية الأولى في إفريقيا

تتصدر مصر  قائمة الدول الإفريقية الأكثر قراءة، حيث تشير بيانات مؤشر الثقافة العالمي وتقارير مراقبة النشر الإقليمية إلى أن القارئ المصري يقرأ في المتوسط ما بين 20 و22 كتابًا سنويًا.

ويرتبط هذا الشغف بالقراءة بتاريخ ثقافي طويل كانت فيه الكتابة والعلوم ركيزة أساسية للحضارة. فمصر، التي كانت مهدًا للمعرفة منذ آلاف السنين، ما تزال تحتفظ بمكانتها كواحدة من أبرز المراكز الثقافية في العالم العربي وإفريقيا.

وتتنوع اهتمامات القراء المصريين بشكل كبير، إذ تشمل الروايات السياسية المثيرة، والفلسفة الكلاسيكية، وكتب التاريخ، إلى جانب الرواية العربية المعاصرة التي تشهد ازدهارًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة.

ولا يقتصر تأثير مصر على حجم القراءة فقط، بل يمتد إلى دورها في تشكيل الاتجاهات الفكرية والأدبية في العالمين العربي والإفريقي.

جنوب إفريقيا: بنية نشر متطورة وثقافة قراءة متنوعة

تحتل جنوب أفريقيا المرتبة الثانية بين الدول الإفريقية الأكثر قراءة، مدعومة بواحدة من أكثر الصناعات النشرية تطورًا في القارة.

ويقرأ المواطن في جنوب إفريقيا ما بين 15 إلى 18 كتابًا سنويًا في المتوسط. وقد ساهمت التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد بعد نهاية نظام الفصل العنصري في تعزيز الاهتمام بالكتب، خصوصًا في مجالات السير الذاتية والدراسات الاجتماعية والاقتصادية.

كما شهدت السنوات الأخيرة نموًا ملحوظًا في أدب الجريمة والروايات السوداء التي تعكس التحديات الاجتماعية والسياسية في المجتمع الجنوب إفريقي.

ويتميز المشهد الثقافي في البلاد أيضًا بتعدد اللغات، حيث بدأت اللغات المحلية تحظى بحضور متزايد في سوق النشر، ما يسهم في توسيع قاعدة القراء.

نيجيريا: عملاق الأدب الإفريقي

تُعد نيجيريا  واحدة من أبرز القوى الأدبية في إفريقيا، سواء من حيث الإنتاج الثقافي أو الاستهلاك المحلي للكتب.

ويقرأ المواطن النيجيري في المتوسط ما بين 12 إلى 15 كتابًا سنويًا، وهو رقم يعكس تزايد الاهتمام بالمعرفة في المجتمع النيجيري.

وفي مدن كبرى مثل لاغوس، أصبحت القراءة علامة على المكانة الاجتماعية والثقافية لدى الطبقة الوسطى المتنامية.

ورغم استمرار انتشار الكتب التعليمية، فإن السنوات الأخيرة شهدت زيادة واضحة في الإقبال على الخيال العلمي المحلي وكتب تطوير الذات التي تساعد القراء على التعامل مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية المعقدة في البلاد.

كينيا: القراءة كأداة للتقدم

في كينيا  ، تُعد القراءة وسيلة فعالة لتحقيق التقدم المهني والاجتماعي ، ويقرأ المواطن الكيني في المتوسط 10 إلى 12 كتابًا سنويًا، مع اهتمام كبير بكتب الأعمال والتكنولوجيا والتنمية الذاتية.

وتشهد العاصمة نيروبي مشهدًا أدبيًا نشطًا، حيث يستغل الكثير من الركاب في وسائل النقل العام أوقات التنقل الطويلة لقراءة الكتب الورقية أو الإلكترونية، ما يحول الحافلات ووسائل النقل إلى مكتبات متنقلة.

المغرب: ثقافة قراءة متعددة اللغات

تحتل المغرب  المرتبة الخامسة في القائمة، حيث يقرأ المواطن المغربي ما بين 9 إلى 11 كتابًا سنويًا.

ويتميز القارئ المغربي بقدرته على التنقل بين الأدب العربي والفرنسي بسهولة، نتيجة التداخل الثقافي بين إفريقيا وأوروبا.

وتشكل مدن مثل الدار البيضاء والرباط مراكز ثقافية مهمة، حيث تنتشر المقاهي الأدبية والندوات الفكرية التي تناقش قضايا الأدب والسياسة والمجتمع.

إثيوبيا: إرث أدبي عريق يدعم ثقافة القراءة

تتمتع إثيوبيا   بتاريخ أدبي طويل، يعود إلى قرون من التقاليد الكتابية باستخدام الأبجدية الجعزية الفريدة، ويقرأ المواطن الإثيوبي في المتوسط 8 إلى 10 كتب سنويًا.

وعلى الرغم من التحديات التي تواجه قطاع توزيع الكتب، فإن الأسواق الشعبية ومكتبات الكتب المستعملة تسهم في توفير الكتب لعدد كبير من القراء، خصوصًا في العاصمة أديس أبابا.

ويظهر اهتمام ملحوظ بالسير الذاتية والكتب التاريخية التي توثق التحولات السياسية والاجتماعية في البلاد.

غانا: مبادرات وطنية لتعزيز القراءة

شهدت غانا  تطورًا ملحوظًا في ثقافة القراءة بفضل السياسات التعليمية والمبادرات الثقافية ، ويقرأ المواطن الغاني في المتوسط 7 إلى 9 كتب سنويًا.

وقد ساعدت مبادرات مثل اليوم الوطني للقراءة على تحويل القراءة إلى نشاط مجتمعي يتجاوز حدود المدارس والجامعات، ما أدى إلى ظهور جيل جديد من القراء المهتمين بالأدب الإفريقي والتاريخ القاري.

تونس: مركز الفكر الفلسفي في شمال إفريقيا

 

تحتل تونس مكانة بارزة في المشهد الثقافي لشمال إفريقيا، ويقرأ التونسيون ما بين 7 إلى 8 كتب سنويًا في المتوسط، مع تركيز واضح على الكتب الفكرية والفلسفية والسياسية.

ويعكس هذا الاهتمام بالقراءة طبيعة المجتمع التونسي الذي شهد تحولات سياسية مهمة خلال العقد الأخير، ما أدى إلى زيادة الاهتمام بالتحليل السياسي والدراسات الاجتماعية.

الجزائر: شعب قارئ رغم التحديات الاقتصادية

تحافظ الجزائر على تقاليد ثقافية قوية في مجال القراءة، حيث يبلغ متوسط القراءة السنوي 6 إلى 7 كتب للفرد.

ويُعد Algiers International Book Salon من أهم الفعاليات الثقافية في القارة الإفريقية، إذ يجذب آلاف الزوار سنويًا ويؤكد استمرار شغف الجزائريين بالكتاب.

ويميل القراء في الجزائر إلى الكتب التاريخية والدينية والأدب المكتوب باللغة الفرنسية.

أوغندا: جيل جديد يعيد اكتشاف القراءة

تختتم أوغندا قائمة الدول العشر الأكثر قراءة في إفريقيا، حيث يقرأ المواطن الأوغندي في المتوسط 5 إلى 6 كتب سنويًا.

ورغم أن هذا المعدل أقل مقارنة ببعض الدول الأخرى، فإن البلاد تشهد نموًا سريعًا في ثقافة القراءة بفضل انتشار نوادي الكتب المحلية ودور النشر الصغيرة.

كما بدأت حركة ثقافية جديدة تشجع القراء على الاهتمام بالأدب المحلي وإبراز الأصوات الأدبية الأوغندية.

تحول ثقافي: إفريقيا تقرأ أكثر من أي وقت مضى

تشير المؤشرات الثقافية الحديثة إلى أن القارة الإفريقية تشهد تحولًا جوهريًا في علاقتها بالمعرفة والمعلومات.

فالعقبات التقليدية التي كانت تعيق انتشار القراءة، مثل ارتفاع أسعار الكتب وضعف شبكات التوزيع، بدأت تتراجع تدريجيًا مع انتشار الكتب الإلكترونية ومنصات القراءة الرقمية.

وقد أدى هذا التحول إلى توسيع نطاق الوصول إلى المعرفة، بحيث أصبح بإمكان طالب في قرية ريفية في غانا الوصول إلى نفس المحتوى المعرفي الذي يقرأه محترف في القاهرة.

إلى جانب ذلك، تلعب ما يمكن تسميته بـ “نهضة الهوية الإفريقية” دورًا مهمًا في تعزيز القراءة، حيث لم يعد القراء في القارة يكتفون بالأدب القادم من الغرب، بل يبحثون بشكل متزايد عن أعمال تعكس تجاربهم المحلية وقضايا مجتمعاتهم وثقافتهم الخاصة.

ويُعد هذا التحول الثقافي أحد أبرز العوامل التي تقود ما يمكن وصفه بـ طفرة القراءة الإفريقية في عام 2026، وهي طفرة تعيد تعريف صورة القارة وتؤكد أن إفريقيا ليست فقط قارة الموارد الطبيعية، بل أيضًا قارة العقول القارئة.

 

اقرأ المزيد 

مصر تنفي تقارير متداولة حول استعدادها منح إثيوبيا نفاذا بحريا إلى البحر الأحمر مقابل مرونه إثيوبية في موقفها بشأن سد النهضة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »