أخبار عاجلةاخبار افريقياجنوب افريقيا

بتسوانا تعلن الحداد الوطني .. وفاة الرئيس الأسبق فيستوس موجاي 

أعلنت حكومة بتسوانا الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام عقب وفاة الرئيس الأسبق فيستوس موجاي عن عمر يناهز 86 عامًا، في خطوة تعكس حجم المكانة السياسية والتاريخية التي تمتع بها الرجل، والذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز القادة الذين ساهموا في ترسيخ نموذج الاستقرار السياسي والشفافية الاقتصادية في القارة الأفريقية.

ويُعد موجاي، الذي شغل منصب الرئيس الثالث لبوتسوانا بين عامي 1998 و2008، من الشخصيات السياسية والاقتصادية البارزة في أفريقيا، حيث ارتبط اسمه بفترة شهدت خلالها البلاد تعزيز مؤسسات الدولة الديمقراطية وتحقيق معدلات نمو اقتصادي مستقرة، إلى جانب تكريس صورة بوتسوانا كواحدة من أكثر الدول الأفريقية استقرارًا وشفافية على المستويين السياسي والاقتصادي.

وخلال فترة حكمه، قاد موجاي عملية انتقال ديمقراطي سلس للسلطة، وهي التجربة التي اعتُبرت نموذجًا نادرًا في القارة الأفريقية، كما لعب دورًا محوريًا في إدارة الثروات الطبيعية للبلاد، وعلى رأسها موارد الألماس الضخمة، بطريقة وُصفت بأنها من أكثر التجارب نجاحًا في أفريقيا من حيث توظيف الموارد الطبيعية لخدمة التنمية الوطنية بدلًا من تحولها إلى مصدر للنزاعات والصراعات.

واعتمدت سياسات موجاي الاقتصادية على الإدارة الرشيدة والانضباط المالي، حيث حرص على توجيه عائدات قطاع التعدين نحو دعم الاقتصاد الوطني، وتطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات العامة، وتعزيز الاستثمارات في قطاعات التعليم والصحة، وهو ما ساهم في رفع مستوى المعيشة وترسيخ الاستقرار الاجتماعي داخل بوتسوانا.

ولم يقتصر دور الرئيس الراحل على إدارة الشأن الداخلي فقط، بل امتدت مساهماته إلى الساحة الدولية، إذ شغل منصب المبعوث الخاص للأمم المتحدة المعني بتغير المناخ، وهو المنصب الذي عزز حضوره العالمي باعتباره أحد رجال الدولة الأفارقة الذين تبنوا قضايا التنمية المستدامة والتغيرات المناخية والتحديات البيئية التي تواجه القارة الأفريقية والعالم.

ويُنظر إلى فيستوس موجاي كذلك باعتباره أحد أكثر القادة الأفارقة شجاعة في التعامل مع أزمة فيروس نقص المناعة البشرية والإيدز، وهي الأزمة التي كانت تهدد المجتمع البوتسواني خلال فترة رئاسته. ففي الوقت الذي تجنب فيه العديد من القادة الأفارقة الحديث العلني عن الوباء، اختار موجاي التعامل مع الأزمة بشفافية غير مسبوقة، معترفًا بحجم التحدي الذي تواجهه البلاد.

وفي إطار تلك المواجهة، أطلق موجاي واحدًا من أكبر وأنجح برامج العلاج المجاني بمضادات الفيروسات القهقرية في أفريقيا، وهو البرنامج الذي ساعد على توفير العلاج لآلاف المواطنين، وأسهم في الحد من انتشار المرض وتقليل معدلات الوفيات، كما اعتُبر لاحقًا نموذجًا يُحتذى به في إدارة الأزمات الصحية بالقارة الأفريقية.

وأكسبه هذا التوجه الإنساني، إلى جانب سياساته القائمة على الانضباط المالي والحكم الرشيد، احترامًا واسعًا على المستويين الإقليمي والدولي، حيث حصل على جائزة إبراهيم للإنجاز في القيادة الأفريقية، وهي الجائزة التي تُمنح للقادة الأفارقة الذين يحققون معايير عالية في الحكم الرشيد واحترام الديمقراطية وخدمة شعوبهم بعد مغادرة السلطة.

ويمثل رحيل موجاي نهاية مرحلة سياسية مهمة في تاريخ بوتسوانا، خاصة أنه بدأ مسيرته المهنية في الخدمة المدنية قبل أن يتدرج في المناصب الحكومية وصولًا إلى رئاسة الجمهورية، وظل طوال حياته السياسية ملتزمًا باحترام الدستور والمؤسسات الديمقراطية، مع إعطاء الأولوية لسيادة القانون على المصالح الشخصية أو التمسك بالسلطة.

وفي أعقاب إعلان وفاته، انهالت رسائل التعزية والإشادة من قادة دول ومنظمات إقليمية ودولية، الذين أشادوا بإسهاماته في دعم الاستقرار السياسي وتعزيز التكامل الإقليمي داخل تجمع الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي “سادك”، فضلًا عن مواقفه الداعمة لاستقلال القضاء وترسيخ المؤسسات الديمقراطية في المنطقة.

كما أكد عدد من المسؤولين والدبلوماسيين الأفارقة أن تجربة موجاي السياسية ستظل نموذجًا يُحتذى به في القيادة الأخلاقية والإدارة الرشيدة، خاصة في قارة لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بالحكم والاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية.

ومع تنكيس الأعلام في العاصمة غابورون، يستعيد المواطنون في بوتسوانا إرث الرجل الذي يُطلق عليه كثيرون لقب “مهندس بوتسوانا الحديثة”، حيث لا تزال بصماته واضحة في مؤسسات الدولة القوية، وفي استمرار البلاد كواحدة من أكثر الديمقراطيات الأفريقية استقرارًا وازدهارًا وسلامًا على مستوى القارة.

 

اقرأ المزيد 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى