انتخابات إثيوبيا 2026 في مهب الانقسام السياسي .. مخاوف من أزمة شرعية في ظل استمرار النزاعات المسلحة

انقسامات داخلية وأزمات أمنية تلقي بظلالها على الانتخابات العامة السابعة في إثيوبيا
تتجه إثيوبيا نحو إجراء الانتخابات العامة السابعة المقررة في الأول من يونيو 2026 وسط حالة غير مسبوقة من الانقسام السياسي والأمني، في وقت تواجه فيه الحكومة الفيدرالية انتقادات متزايدة من قوى سياسية وحركات مسلحة تشكك في نزاهة العملية الانتخابية وشموليتها , وبينما تصر السلطات على المضي قدماً في تنظيم الانتخابات باعتبارها استحقاقاً دستورياً مهماً، يرى معارضون أن البيئة السياسية الحالية لا توفر الحد الأدنى من الضمانات اللازمة لإجراء انتخابات حرة وتنافسية.
وتتزامن الانتخابات مع استمرار الصراعات المسلحة في عدد من الأقاليم الرئيسية، وغياب بعض المناطق عن العملية الانتخابية، إلى جانب تصاعد الاتهامات للحكومة بتضييق المجال السياسي أمام المعارضة, كما تتزايد المخاوف من أن تتحول الانتخابات إلى نقطة جديدة لتعميق الانقسام داخل الدولة الإثيوبية بدلاً من أن تكون وسيلة لتعزيز الاستقرار السياسي.
وفي هذا السياق، أعلن جيش تحرير أورومو رفضه الكامل للانتخابات المقبلة، وفرض قيود واسعة على الحركة في إقليم أوروميا، بينما تتواصل التحذيرات من تداعيات الوضع الأمني والسياسي على شرعية الاقتراع ومستقبل العملية الديمقراطية في البلاد.
جيش تحرير أورومو يرفض الانتخابات ويتهم الحكومة بتنظيم عملية محسومة النتائج
أصدر جيش تحرير أورومو (OLA) بياناً أعلن فيه رفضه للانتخابات العامة المقبلة، إلى جانب فرض قيود واسعة النطاق على حركة التنقل في مختلف أنحاء إقليم أوروميا.
واتهمت الجماعة المسلحة حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بالمضي قدماً في ما وصفته بعملية انتخابية جرى تحديد نتائجها مسبقاً، رغم استمرار النزاعات المسلحة في البلاد وغياب مشاركة القوى السياسية المعارضة الرئيسية.
وقال جيش تحرير أورومو إن “آبي أحمد يصر على تنظيم هذه المسرحية التي يطلق عليها اسم الانتخابات، بينما تعيش البلاد حالة من الحرب الأهلية، وفي وقت ترفض فيه الأحزاب السياسية الرئيسية المشاركة في هذا الاستحقاق”.
وأضاف البيان أن المؤسسات المشرفة على العملية الانتخابية، بما في ذلك مجلس الانتخابات الذي تم تشكيله من قبل الحكومة، لم تشهد أي تغييرات جوهرية، معتبراً أن المقاعد البرلمانية تم توزيعها مسبقاً قبل توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع.
الحركة المسلحة تصف الانتخابات بأنها جريمة سياسية
وأكد جيش تحرير أورومو أن الانتخابات المقررة لا تتمتع بالشرعية أو المصداقية، مشيراً إلى أن ما يجري لا يمكن اعتباره عملية ديمقراطية حقيقية.
وقال البيان إن “الانتخابات التي تصر الحكومة على إجرائها ليست مجرد عملية شكلية، بل تمثل جريمة سياسية”، معتبراً أن الهدف منها هو منح شرعية سياسية لواقع قائم سلفاً وليس إتاحة الفرصة أمام تنافس انتخابي حقيقي.
وفي إطار التصعيد، أعلن جيش تحرير أورومو فرض “حظر كامل على جميع وسائل النقل وحركة التنقل في أنحاء أوروميا حتى الرابع من يونيو”.
وأوضح أن القرار يشمل حركة المركبات والأنشطة التجارية المرتبطة بالنقل خلال فترة الحظر، مؤكداً أن الاستثناء الوحيد سيكون لسيارات الإسعاف العاملة وفق البروتوكولات الإنسانية المعتمدة.
كما حذر من أن أي مخالفة لهذا القرار ستقابل بإجراءات فورية وحاسمة، داعياً أعضاء السلك الدبلوماسي إلى تعليق تحركاتهم داخل الإقليم طوال فترة سريان الحظر.
وجاء موقف جيش تحرير أورومو بعد أيام من تحذير مماثل أصدرته حركة فانو الوطنية الأمهرية في إقليم أمهرة، والتي دعت إلى فرض قيود على حركة المركبات قبل موعد الاقتراع.
وفي المقابل، رفضت السلطات الإقليمية في أمهرة تلك التحذيرات، ووصفتها بأنها محاولة لنشر الخوف وتعطيل الحياة العامة، مؤكدة أن المؤسسات الحكومية والأنشطة الانتخابية ستواصل عملها رغم التحديات الأمنية القائمة.
تصاعد المخاوف بشأن نزاهة الانتخابات في ظل استمرار الصراعات المسلحة
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن حجم المشاركة الانتخابية وحرية الحركة وإمكانية تنظيم انتخابات وطنية شاملة في ظل استمرار النزاعات المسلحة داخل أكبر الأقاليم الإثيوبية.
وتُعد هذه القيود امتداداً لسلسلة طويلة من الانتقادات التي وجهها كل من جيش تحرير أورومو وحركة فانو الوطنية الأمهرية للعملية الانتخابية خلال الأشهر الماضية.
ففي مارس 2026، وبعد أسبوع واحد فقط من تحذير حركة فانو للأحزاب السياسية ووسائل الإعلام والجهات المختلفة من المشاركة في الأنشطة المرتبطة بالانتخابات، أصدر جيش تحرير أورومو موقفاً مشابهاً أكد فيه أن العملية الانتخابية تفتقر إلى المصداقية والشفافية.
أديس ستاندرد: إثيوبيا تواجه أزمة شرعية سياسية غير مسبوقة
ووفقاً لصحيفة “أديس ستاندرد”، فإن إثيوبيا تواجه مع اقتراب موعد الانتخابات العامة السابعة مفارقة سياسية خطيرة؛ إذ لم يكن الحديث عن الديمقراطية أكثر وضوحاً مما هو عليه اليوم، وفي المقابل لم يكن مستوى ثقة المواطنين في العملية الديمقراطية أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
وأشارت الصحيفة إلى أن المقومات السياسية الضرورية لإجراء انتخابات نزيهة تتعرض لتآكل مستمر، معتبرة أن الأزمة الراهنة تجاوزت مجرد الخلافات المتعلقة بالإجراءات الانتخابية، لتتحول إلى أزمة شرعية سياسية عميقة لم تتم معالجتها حتى الآن.
وأضافت أن الخطر أصبح واضحاً بصورة متزايدة، إذ ستبقى منطقة تيغراي خارج الانتخابات الوطنية للمرة الثانية على التوالي، وهو ما يعكس واقعاً سياسياً صعباً داخل الاتحاد الإثيوبي ويعزز حالة الانقسام القائمة.
كما لفتت الصحيفة إلى استمرار انعدام الأمن في أجزاء واسعة من أوروميا وأمهرة وبني شنقول-جوموز، فضلاً عن استمرار الاعتقالات السياسية التي تؤثر على الحياة العامة، وإغلاق مكاتب أحزاب المعارضة في عدد من المناطق.
وذكرت أن كثيراً من المواطنين باتوا ينظرون إلى المشهد السياسي على أنه قائم على الإكراه والضغوط أكثر من كونه ساحة تنافس سياسي مفتوحة.
وحذرت الصحيفة من أن الإصرار على الالتزام بالجدول الزمني للانتخابات مع تجاهل المخاوف السياسية الجوهرية قد يؤدي إلى تحويل الانتخابات إلى مجرد وسيلة لإضفاء الشرعية على السلطة القائمة بدلاً من أن تكون تعبيراً حقيقياً عن الإرادة الشعبية والشرعية الديمقراطية.
أكثر من 54 مليون ناخب و47 حزباً سياسياً يتنافسون في الانتخابات العامة السابعة
ورغم الجدل السياسي والأمني المحيط بالانتخابات، أكد المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا أن الاستعدادات اللوجستية الأساسية للعملية الانتخابية قد اكتملت.
وأوضح المجلس أن التصويت سيبدأ صباح يوم الاثنين وفق الجدول الزمني المحدد، مشيراً إلى استمرار توزيع المواد الانتخابية على مختلف أنحاء البلاد وفق الخطة الموضوعة.
وأكد أن عمليات التوزيع تسير وفق البرنامج العملي المعتمد ومن المتوقع الانتهاء منها في المواعيد المحددة، بما يضمن جاهزية جميع مراكز الاقتراع لاستقبال الناخبين.
ومن المقرر أن تشهد الانتخابات العامة السابعة منافسة واسعة بين الأحزاب السياسية، حيث يتنافس 47 حزباً سياسياً و73 مرشحاً مستقلاً على مقاعد البرلمان الفيدرالي والمجالس الإقليمية.
كما أكد المجلس الوطني للانتخابات تسجيل أكثر من 50 مليون ناخب للمشاركة في الانتخابات، بينما تشير بيانات أخرى إلى أن عدد الناخبين المسجلين تجاوز 54 مليون ناخب على مستوى البلاد.
وتُعد هذه الانتخابات واحدة من أكبر العمليات الديمقراطية في القارة الإفريقية، حيث تم إنشاء عشرات الآلاف من مراكز الاقتراع في مختلف أنحاء إثيوبيا.
ومن المنتظر أن ينتخب المواطنون أعضاء مجلس نواب الشعب الفيدرالي، بالإضافة إلى ممثلي المجالس الإقليمية.
أوهورو كينياتا يقود بعثة الاتحاد الإفريقي لمراقبة الانتخابات
ويقود الرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا بعثة الاتحاد الإفريقي لمراقبة الانتخابات العامة السابعة في إثيوبيا.
وتضم البعثة مراقبين من 30 دولة إفريقية، من بينهم خبراء في الانتخابات ودبلوماسيون وممثلون عن المجتمع المدني وقادة شبابية وصحفيون ومتخصصون في قضايا الحوكمة.
وقال كينياتا إن الوفد الإفريقي سعيد بالتواجد في إثيوبيا “بين إخواننا وأخواتنا” لمتابعة المواطنين وهم يمارسون حقهم الديمقراطي في اختيار قادتهم والمساهمة في رسم مستقبل بلادهم.
وأضاف أن اتخاذ الإثيوبيين لخياراتهم بحكمة من شأنه أن يساعد البلاد على التقدم والنمو والانتقال من قوة إلى قوة.
تورشين : عزوف انتخابي متوقع في المناطق المضطربة
وفي تعليق على المشهد الانتخابي، قال الدكتور محمد تورشين، الخبير في الشؤون الإفريقية، إنه يتوقع حدوث عزوف كبير عن المشاركة في بعض المناطق التي تعاني من الاضطرابات الأمنية وعدم الاستقرار, موضحا أن هذا العزوف قد يكون واضحاً بصورة خاصة في إقليمي أمهرة وتيغراي، في ظل اتساع نطاق المواجهات المسلحة والعسكرية، مشيراً إلى أن الإحجام عن التصويت قد يمتد أيضاً إلى بعض المناطق في إقليمي عفر وأوروميا.
وقال تورشين لـ ” أفرو نيوز 24 ” : ” إن الصورة لا تزال غير مكتملة فيما يتعلق بالمناطق التي قد تكون خارج نطاق التصويت الانتخابي بصورة كاملة , مشيرا إلى أن رئيس الوزراء المنتهية ولايته آبي أحمد يراهن بقوة على تحقيق أغلبية برلمانية مريحة، موضحاً أن الحكومة عملت خلال السنوات الماضية على تقليص نفوذ الأحزاب والحركات الجهوية القائمة على الفيدرالية الإثنية والعرقية، مع تعزيز مشروع حزب الازدهار كإطار سياسي جامع يضم أعداداً كبيرة من الإثيوبيين بعيداً عن الولاءات القبلية والعرقية.
وأكد الدكتور محمد تورشين أن الرهانات داخل حزب الازدهار تتركز على تحقيق أغلبية برلمانية تسمح له بإعادة تشكيل المشهد السياسي الإثيوبي وترسيخ نظام سياسي جديد يختلف عن النموذج الذي رسخته جبهة تحرير شعب تيغراي بعد وصولها إلى السلطة مطلع تسعينيات القرن الماضي , موضحا أن مسألة الانقسام السياسي ستظل مرتبطة إلى حد كبير بنتائج الانتخابات ومخرجاتها النهائية، موضحاً أن البرلمان الإثيوبي يضم أكثر من 545 دائرة انتخابية، وأن حجم المشاركة وعدد الدوائر التي ستجري فيها الانتخابات سيشكلان عاملاً أساسياً في تحديد مستوى شرعية النظام السياسي المقبل.
وأشار إلى أنه كلما ارتفعت نسبة المشاركة واتسعت رقعة الدوائر التي تشهد الانتخابات، ازدادت شرعية النظام السياسي وقدرته على المضي قدماً في تنفيذ إصلاحات وتعديلات سياسية جديدة.
أما إذا جاءت نسب المشاركة منخفضة أو تعذر إجراء الانتخابات في عدد كبير من الدوائر، فإن ذلك قد يمنح القوى المعارضة في أمهرة وتيغراي وأوروميا فرصة أكبر للطعن في شرعية العملية السياسية والدعوة إلى إعادة صياغة النظام السياسي أو إجراء انتخابات جديدة وفق معايير مختلفة.
واختتم تورشين تصريحاته بالتأكيد على أن جميع السيناريوهات لا تزال مفتوحة، إلا أنه يتوقع بصورة واضحة استمرار آبي أحمد في السلطة من خلال حصول حزب الازدهار على أغلبية برلمانية تؤهله لقيادة مرحلة جديدة من إعادة تشكيل المشهد السياسي في إثيوبيا.
إقرأ المزيد :




